غرناطة ـ من محمّد محمّد الخطاّبي: في العاشر من حزيران/يونيو 2012 إختتمت فعاليات معرض الكتاب لمدينة مدريد في دورته الواحدة والسبعين، الذي يعتبر من أهم المعارض التي تنظم في إسبانيا في هذا المجال. وكان الكاتب الإيطالي المعروف’كلاوديو ماغريس’ (حاصل على جائزة أمير أستورياس في الآداب) قد دشن عند افتتاح هذه التظاهرة الثفافية الكبرى برنامج الأنشطة التي تمّ تنظيمها على امتداد ايّام المعرض الذي يعتبر بحق عرسا ثقافيا رائعا ومتنوّعا التقى فيه الكتّاب والمبدعون بقرّائهم ومعجبيهم، حيث قام الكتّاب من مختلف الجنسيات بالتوقيع على أعمالهم وإبداعاتهم،.
كما يعتبرهذا المعرض مناسبة فريدة لاقتناء الكتب والمطبوعات الجديدة والقديمة على حدّ سواء بأبخس الأثمان، حيث عملت إدارة المعرض على تخصيص تخفيضات هامّة ومشجّعة على مختلف المعروضات.
إيطاليا ضيف شرفوقد ألقى الكاتب الإيطالي ‘كلاوديو ماغريس’ بهذه المناسبة المحاضرة الافتتاحية لهذا العام، على اعتبار أن إيطاليا هي ضيف الشرف لهذه الدورة حول موضوع الصراع بين العقل والسلطة، ولغة المولّدين من السود وأرباب المزارع البيض في العالم الجديد.
وقد أوضح مدير المركز الثقافي الإيطالي بمدريد ‘كارميلو دى جينّارو’ القيم الأدبية العالمية، والأبعاد السياسية للكاتب الإيطالي الذي قال عنه: ‘إنّه يعتبر من أكبر المدافعين عن أهمية دور المثقفين في أوربا ‘. يقول ‘ماغريس’ إنّ عالمية ‘أنتيغون’ إبنة أوديب، وأخت بولينيس التي كانت ترفض هتك الحسّ والكرامة الإنسانية والقيم الأخلاقية والوجدانية، لا تنحصر في الثقافة الأوربية وحسب، بل هناك ‘ أنتيغون’ من وضع الكاتب الهايتي’ فيليكس موريسو ليروي’ والتي قدّمت كعمل مسرحي لأوّل مرة في عاصمة هايتي ‘بويرتو برينسيبي’ 1953، وقد كتبت هذه المسرحية بلغة السكان الاصليين لهذا البلد التي كانت محظورة في وقت مّا، ثم أصبحت تعتبر كلغة حيّة وأصيلية. هذا العمل الإبداعي ـ حسب- ماغريس – يجسّد المعارضة أو المناهضة الدائمة للسلطة، ويعدّ مثالاً تاريخياً للعصيان المدني والأخلاقي والوجداني، وفى هذه الحالة تجعل من ‘طيبة’ الخالدة عالما قائم الذات في هايتي. الا انّ شخصية هذا العمل الإبداعي هذه المرّة ليست شخصية تراجيدية كما هو الشأن عند ‘سوفوكليس’، بل إنها صوت الضمير الذي يرفض الإذعان والخضوع والإنصياع للسلطة. وكان مؤلف هذا العمل المسرحي الجديد المستوحى من العمل الإبداعي الإغريقي القديم يعتبر المسرح وسيلة لتكوين وإحياء الضمير السياسي للجماهير. وذكّر الكاتب الإيطالي المرموق في آخر عرضه بالتمهيد الذي كتبه ‘بيرتولت بريخت’ عام 1951لتقديم ‘أنتيغون’ بريخت التي كتبها هذا المسرحي الألماني اللامع عام 1947 والتي تبلغ القارئ/ المشاهد/ المتلقّي بالتضحيات العصيبة، لزمن حالك مدلهمّ، ضارب في القدم، الذي مهّد للإنسانية لتنتفض أوتنهض واقفة على رجليها في شموخ. الكاتب الإيطالي الكبير كلاوديو ماغريس، كان قد قال عنه صديقه الكاتب الإسباني الراحل ‘خورخي سيمبرون’: ‘أنه مثقف يتمتّع بذكاء حاد، يستوعب الأدب والتاريخ والسياسة في آن واحد’ . صاحب رواية:’ الدانوب’ يقول عن أوربا: إنها أصبحت تعيش زمنا شاحبا ورماديا’ هل يا ترى يمكنها ان تنهض من سباتها عظيمة شامخة من جديد؟
ويضيف: انه في زمن ‘ بريخت’ كانت الأمور أكثر فداحة وصعوبة الواقع أنني لا أتمنّى أن أعيش في تلك الازمنة، بل اننى سعيد بالعصر الذي أنتمي إليه واعيش فيه اليوم، ينبغي للادب ان يرصد وان يحكي الازمنة الحزينة التي نعيشها الآن، ينبغي له ان يعكس انشغالاتنا وقلقنا وهواجسنا، أنا لا اشعر بالتشاؤم من المستقبل، لقد اجتازت أوربا الكثير من الحواجز والعقبات، الحرب العالمية الثانية، ثمّ الثالثة (كسبها المعسكر الغربي عام1989)، ونعيش الآن حربا عالمية رابعة وهي حرب اقتصادية بكل المقاييس، حيث يحاول الدولار تحطيم اليورو، وحيث تسعى الجهات المهيمنة إلى زعامة العالم، ويشير ‘ماغريس’ : ان أوربا الآن تتآكل كأنّ بداخلها دودة تنخرها، ولن تكبر وتتعافى إلا إذا تحوّلت إلى ولايات متّحدة أوربية، وعندما يتلاشى الإجماع الذي هو ليس مشروعا ديموقراطيا، ويتمّ تأصيل سيادة حقيقية بها، والاهتمام بمعالجة جميع المشاكل التي تعاني منها البلدان الاوربية من منطلق أوربي محض’. ويضيف الكاتب الإيطالي أنه من الصعوبة بمكان الإلمام بجميع المشاكل الاوربية، وعليه فإنه ليس في مقدوره إصدار أحكام مسبقة بخصوص ما تعانيه أوربا في الوقت الراهن، إنّه يعرف ما الذي حدث في إيطاليا فالاشكال والانماط السياسية تعاني من ازمات حادة وظهرت أجواء غير مريحة في المؤسسات الاوربية. واضاف ‘ماغريس’: اننا نعيش عصر تهشيم الانظمة التقليدية، ويبدو وكأننا نعيش مرحلة نهاية عهد واستقبال عهد جديد. وانّ معيار أو مقياس تقييم الثقافة قد تغيّر، فلم يكن يفكر أحد قطّ من قبل بأن الكمّ سوف يقاس او يتساوى مع القيم، والذي أصبح يفرض نفسه اليوم هو بورجوازية الأشكال التي تقول انّ ‘الكثير’ أصبح يعني ‘المثير للاهتمام’، انا لست قلقا عن الثقافة، كما انني لست قلقا عن ثقافة لكتاب، أنا لست متشائما من المستقبل، كما أنّني لا أشعر بأيّ حنين إلى الماضي’. من ماغريس، تابوكي إلى بيرانديلّو الدورة الواحدة والسبعون الأخيرة لمعرض الكتاب بمدريد تنعقد تحت شعار ‘إيطاليا بلد القراءة’، وقد اعدّ لهذه الغاية برنامج حافل ومتنوّع للاحتفال بهذه التظاهرة الثقافية الكبرى. ووجّهت الدعوة إلى حوالى ثلاثين شخصية إيطالية في عالم الأدب، والشعر، والفكر، والفنون، والإبداع للمشاركة في فعاليات ووقائع هذا المعرض الكبير الذي تشرف عليه وتنظّمه جمعية دور النشر الإسبانية التي لها حضور قوي في عالم طباعة الكتب ونشرها وتوزيعها على أوسع نطاق داخل إسبانيا وخارجها. ومن بين أهمّ الوجوه الأدبية البارزة التي استدعيت لهذه الغاية من الكتّاب الإيطاليين: كلاوديو ماغريس، وإيرّي دي لوكا، (صاحب رواية ‘الاسماك لا تغلق عيونها’)، ونيكولو أمانيتي (صاحب رواية ‘لا أخاف’ التي نقلت إلى السينما)، والكاتب الكبير ‘روبيرتو كالاسّو’ (صاحب كتاب ‘حماقة بودلير’)، و ماوريسو جيوفاني، و’كورّادو كالابرو’ و’إميليو كوكو’ و’أليساندرو ماري وغليو دي كابيتاني’ و’جيانريكو كاروفيليو'(صاحب كتاب: ‘صمت الموجة’) وهؤلاء الكتّاب جميعا تألّقوا في مختلف المجالات الإبداعية في الرواية والفلسفة، والشعر، والمسرح، والدراسة، والنقد، والإقتصاد وأدب الطفل إلخ. فضلا عن مشاركة كاتبات إيطاليات معاصرات في مختلف الميادين في هذا المعرض مثل: لوريطا نابوليوني، وماريا غراتيا كالاندروني، وماريلينا دي شيارا، وبيانكا ماريا فرابوتّا وأخريات. هذا كما أقيم تكريم خاص للكاتب الإيطالي الكبير ‘أنطونيو تابوكي’ المتوفّى في شهر مارس المنصرم. كما تمّ تنظيم حلقات دراسية، وموائد مستديرة لتشجيع وحفز الزوّار وجمهرة المثقفين على إعادة قراءة كبار الكتاّب الإيطاليين أمثال: ‘لويجي بيرانديلّو’ و’إيتالو كافينو’ و’ليوناردو شياشيا’، و’ألبرتو مورافيا’ وسواهم.
أدب الصغار في معرض الكباروقد إحتلّ أدب الصغار، أو أدب الطفل في هذه التظاهرة الثقافية الكبرى مكانة خاصة، حيث وجّهت الدعوة للعديد من كتّاب أدب لأطفال في إسبانيا وخارجها للمشاركة في فعالياته، وتمّ تخصيص جناح خاص في هذا المعرض لهذا النوع من الأدب الذي يبدو هيّنا كما يتوهّم البعض، في حين أنه يتطلب مجهودا شاقا، وعناية فائقة لمخاطبة الصغار، ويحمل هذا الجناح عنوان ‘الكتب للجميع’ حيث كتبت هذه العبارة باللغة الإيطالية.
لقد أصبحت مطبوعات الصغار تحتلّ وتشغل حيّزا مهمّا في ساحة المطبوعات الثقافية في مختلف الأرجاء الأوربية. وهذا النوع من الإبداع الأدبي أصبح له كتّاب تعزّزت مكانتهم ليس محليا فحسب، بل وعالميا كذلك مثل الكاتب البريطاني ‘رولد دال’، والإسباني ‘خوسيه ميرينو’ (صاحب رواية دموع الشمس) والإيطالي ‘دافيدي كالي’ (صاحب كتاب’ مالينا بالينا، أو الحوت مالينا’) (الفائز بجائزة نادي كيريكو) والذي ترجمت أعماله إلى العديد من اللغات الحيّة.
وتشهد سوق الكتاب الصغير في إسبانيا إزدهارا وتطوّرا كبيرين في مختلف المجالات وقد بدأت هذه الظاهرة في البروز في نهاية القرن العشرين، وأصبح يطبع في إسبانيا اليوم الآلاف من العناوين من أدب الأطفال أوأدب الصغاركل عام، والعديد من هذه العناوين مترجمة عن لغات أجنبية اخرى.
واكتشف الناشرون الإسبان من خلال تصاعد هذه الأعداد الهائلة من كتب الاطفال المترجمة، أنّ خير مكان لتسويق أدب الأطفال ونشره هي المدرسة.
ويبرز معرض مدريد الحالي للكتاب أن أعمال المؤلفين الإسبان في هذا الميدان أصبحت تحظى بإقبال كبير ليس في إسبانيا وحسب، بل وفي بلدان أمريكا اللاتينية كذلك، وأمام الطلبات المتزايدة للصغار على هذا النوع من الادب، فإن الكتّاب الإسبان أصبحوا يكتبون بغزارة لتوفير المواد المطلوبة سواء في المدارس أو خارجها. ولتشجيع هذا النوع من الإبداع الأدبي أصبحت تخصّص له جوائز أدبية هامّة مثل ‘جائزة نادي كيريكو أو كتاب كيريكو’ الذي يستقطب أزيد من 93 مكتبة متخصصة، وفاز بالجائزة الاخيرة 2011 الكاتب ‘إيبان كارّنيتشيا’ عن كتابه ‘حكاية النجّار’، وتحظى هذه الجائزة الأدبية بدعم وزارة التربية والثقافة الإسبانية.
وجائزة ‘نادي كالتو’ للإبداع الأدبي للصغار.
ومسابقة الجمعية الثقافية ‘الحصن العتيق’ لأدب الاطفال، بالإضافة إلى المسابقات الادبية الأخرى في أدب الصغار التي تنظّم بصفة دورية في مختلف المناطق والمحافظات الإسبانية.
ونجد في هذه الكتب نوعا من الادب يلتقي فيه كل ما هو تاريخي بالمغامرات، فضلا عن معالجته لمواضيع مثل أطوار المراهقة، وعالم المخدّرات والكحول، باللإضافة إلى مواضيع تاريخية، وخيالية، وأسطورية، وطبيعية كلها تسحر الصغار وتأخذ بألبابهم. وأمام إزدهار كتاب أدب الاطفال والصغار في إسبانيا، إنتعشت كذلك بشكل ملحوظ أعمال الرسّامين الذين يشتغلون بهذا النوع من الفن، والذين غالبا ما تصاحب رسوماتهم القصص والحكايات المكتوبة.
قصص مستوحاة من التراث العربي ولا تألو دور النشر الإسبانية من جهة أخرى جهدا في إعادة طبع بعض الاعمال الكلاسيكية المعروفة في طبعات جديدة أنيقة ومنقّحة ومزيّنة ومزيدة مثل سلسلة مكتبة: ‘ القصص العجيبة’ أو قصص الأخوين ‘غريم’، أو ‘مغامرات بينوشّو’و’عزيزتى ميلي’ وأغنية الميلاد’ إلخ.
وتحظى القصص والحكايات المستوحاة من التراث العربي منذ مدّة مثل ‘الف ليلة وليلة’ وسواها من القصص والحكايات الاخرى باهتمام القرّاء الصغار في إسبانيا مثل ‘ مصباح علاء الدين’ الذي أصبح عندهم ‘ألادينو’، و’صلاح الدين’ الذي أصبح عندهم ‘صلادينو’ أو ‘العفريت والقمم’، أو ‘علي بابا وأربعون حراميا’ أو قصص مستوحاة من ‘كليلة ودمنة’ لعبد الله ابن المقفّع وسواها، كل هذه العناوين أو ما يضاهيها أو ما هو مقتبس أو مستوحى أو مستعار منها، لا نجدها في الكتب أو المطبوعات وحسب في حلل قشيبة رائعة بل إننا رايناها كذلك على الشاشة والتلفزيون، وما فتئت هذه الأعمال الجليلة المستوحاة من تراثنا الزاخر تستحوذ على قلوب الصغار والكبارعلى حدّ سواء، وما برحت أسماء شخصياتها تنتقل من لسان إلى آخر، وتصبح مألوفة ومعروفة و متداولة لدى الإسبان، ولا يخلو منها أبدا أيّ معرض من المعارض للمطبوعات والكتب التي تنظّم في إسبانيا بين الوقت والآخر، وفي مقدّمتها معرض مدريد الذي يحتل مرتبة الصدارة بين هذه المعارض برمّتها.