يظهر في رواية «لو أن مسافراً في ليلة شتاء» لإيتاليو كافينو صوت ساردٍ يفكر فيما يرويه، ويستدعي قارئاً يشاركه أفكاره في عمل إبداعي يقوم على التداخل والتفاعل بين الخيال والواقع، يظهر التفاعل بصورة واضحة حين يخاطب الراوي/السارد القارئَ بضمير المخاطب، ويقحمه في لعبة السرد ليكون محركها الأهم وبطلها القادر على إلغاء المسافة بين الواقع والخيال. جهد كالفينو لجعلنا ننسى الحقيقة الخيالية لشخصية القارئ؛ عن طريق إشراكه في الآليات الخاصة بكتابة الرواية، وبناء الشخصيات المُتخيلة. تجدر الإشارة إلى أن كالفينو جعل بطله يشتري رواية «لو أن مسافراً في ليلة شتاء» ليكتشف أن الرواية التي شدته ليست لكالفينو. وبسبب خطأ في التجليد يتكرر الفصل الأول في الرواية كلها، هذا الخطأ دفع القارئ إلى الذهاب إلى المكتبة واستبدال الرواية التي شدته برواية «لو أن مسافراً في ليلة شتاء». في المكتبة يلتقي القارئ بفتاة تُدعى لودميلا ويُعجَب بها جاءت تشكو عيب الرواية نفسَه، هكذا تبدأ رحلة البحث عن تتمة الرواية، وكل عملية بحث تفضي إلى رواية ناقصة لأسباب مختلفة. فلا غرابة إذن أن يجد المتلقي نفسه داخل لعبة السرد، يلاحق مجريات الأحداث مع البطل لعله يجد تتمة للروايات الناقصة. بمعنى آخر يريد كالفينو منا أن نتماهى مع شخصية القارئ، أن نصبح كائنات خيالية تدخل عالم رواياتٍ ناقصة يقرؤها ويرويها قارئٌ باحثٌ عن اكتمال كل روايةٍ يقرؤها، روايات تتجاور في لعبة السرد دون أن تتقاطع، أو يجمع بينها شيء سوى الصدفة التي تقود القارئ بطل الرواية من رواية إلى رواية؛ لأن حركية الأحداث تنقطع قي كل حكاية في مرحلة مهمة، وتنقطع معها الفضاءات التي تتحرك فيها الشخصيات؛ لتبدأ حكاية جديدة.. بهذا التصور تصبح الرواية عبارة عن مجموعة من الدوائر لا تلتقي، تجمعها دائرة كبيرة هي قصة الحب التي جمعت القارئ ولودميلا. وليس للرواية ذروة إنما هي مجموعة ذرى دون نهايات.
وبالاعتماد على الأطروحة التي قدمها كمال أبو ديب في كتابة «جماليات التجاور/ تشابك الفضاءات الإبداعية» ورؤاه القائمة على انهيار جماليات الوحدة وبزوغ جماليات التجاور وما أحدثته من انقلاب في الأدب والثقافة والحياة نستطيع القول: إن الرواية قامت على جماليات التجاور حين تخلى الكاتب عن البؤرة المركزية للرواية، وجعلها تقوم على مجموعة من القصص دون أن تُكمل أي منهما الأخرى، كما في ألف ليلة وليلة. لكل قصة وجودها المميز والمجاور للقصص الأخرى دون أن تنصهر فيها، أو تكون مكملة لها. بالمعنى الذي سبق تكون الرواية قد تحررت من ترسيمة الحبكة التقليدية، وقامت على تفتيت البؤرة المركزية، وحلول مجموعة من البؤر عوضاً عنها؛ لذلك لم يعد من الغريب أن تكون الرواية صورة عن العالم الذي لا يمكن قراءته قراءة تتابعية تكاملية تتابعية؛ عالم بلا مركز بلا ذات ودليلنا على ذلك ما جاء على لسان سيلاس فلانري «لكن غرضي هو أأسر في الكتاب العالم الذي لا يمكن قراءته، عالما بلا مركز بلا ذات ودوني أنا».
ومن اللافت للنظر كثرة شخوص الرواية وأحداثها لذلك نستطيع القول إن الخطاب الروائي يحمل طابع أوركسترالي، لكنه لم يقدم لنا معزوفة متكاملة؛ بل قدم لنا مجموعة من المعزوفات يقطعها المايسترو (الروائي) كلما وصل المتلقي إلى ذروة الانسجام لتبدأ معزوفة جديدة وهكذا دواليك. هذه التقنية كسرت رتابة السرد، وشدت انتباه المتلقي وشوقته إلى متابعة القراءة لعله يعثر على تتمة القصص التي قرأها. بهذا الفهم نستطيع القول: إن البناء الروائي قام على روايات غير مكتملة قابلة للتأويل وإعادة البناء، وهذا يؤكد أن الفن، بصورة عامة والرواية بصورة خاصة، أرض الشك والالتباس والإمكانات المفتوحة غير المنتهية. أما ما هو جدير بالذكر أن الروايات الناقصة استدعت غياب المُرسِل (المؤلف) في بعض المساحات السردية وحضور القارئ مُنتِج النص ومالئ ثغراته. وكلما تعددت قراءات النص ازدادت أبعاده غنىً.
بهذا المعنى يمكننا أن نعد الرواية من الروايات المتأثرة في اتجاهات ما بعد البنيوية، التي اهتمت بالقارئ وأعلت من سلطة القراءة والتلقي، بذلك تصبح القراءة، إنتاجاً وإبداعاً جديداً للنص. واتجاهات ما بعد البنيوية انبثقت من البنيوية التي اهتمت بالنص وجمالياته بالدرجة الأولى. ولكيلا نقع في المغالاة نستطيع القول: إن كالفينو استطاع أن يحقق توازناً بين جمالية النص وجمالية القراءة حين افترض وجود قارئ ضمني يتواصل مع نص الرواية ويشارك في إبداعه حين يحاول سد الفجوات وإكمال ما بدأه المؤلف. فما لم يكمله المؤلف لا يعني أنه غير موجود؛ بل يكمنُ في ذهن القارئ حين ينصت للنص ويملؤه بأفكاره ورؤاه وثقافته، وبما ينسجم مع الإشارات المتروكة. ولا بد من أن نذكر هنا أن العلاقة الجدلية بين الإبداع والتلقي تؤكد عدم ثبات الهويات: هوية الذات الكاتبة، هوية المتلقي، هوية المعنى، هوية السرد.. وعلاوة على ذلك أدخل الكاتب صوت القارئ في نسيج السرد إلى جانب أبطال الرواية، وجعله الخيط الموجه للحبكة، ومن أجل الإيهام بواقعيته منحه الكاتب اسماً وجسداً وحياةً نفسيةً واجتماعية، وطريقةً خاصة في التفكير والتعبير، وجعله يشارك القراء أفكاره ووجهات نظره، غير أنه لم يمنح شخصية القارئ اسماً، ربما أراد من إغفال الاسم إيهام كل قارئ أنه بطل الرواية المساهم في تشكيل أحداثها.
ابتكر كالفينو قارئه بالطريقة نفسها التي ابتكر شخصيات متخيله السردي، وليس هذا فحسب، بل كان القارئ الشخصية المحورية التي تدور حولها الأحداث؛ لأن سؤال الرواية يتناول قضيتي الكتابة والقراءة، فلا ريب أن تكون شخصية القارئ من حيث البناء فاعلا فنياً يولد الأحداث، ويحركها بسبب طبيعة بنائه. ومن المهم الإشارة إلى أن الرواية هدمت الحدود المفتعلة بين الأجناس الأدبية؛ فتحضر فيها التقنيات القصصية والشعرية والسينمائية المشهدية، بالإضافة إلى تقنيات الفن الروائي الذي يعد الإطار الجامع للتقنيات السابقة، و»التجسيد الفضائي الزماني للمعنى». وعلى الرغم من أن كالفينو استخدم استراتيجيات راقية تتوجه إلى فئة نخبوية، إلا أنه جعل الإطار العام لروايته قصة حب تعني كل قارئ، سواء أكان نموذجياً أم منتمياً إلى الجمهور العريض. وتناوب الرواية بين الصعوبة والسهولة شجع القراء على مختلف مشاربهم على قراءتها، دون أن تشكل استراتيجياتها النخبوية عائقاً. وفي الحق أن كالفينو قدم لنا أشكالاً روائية متنوعة من خلال عرضه للروايات التي يقرؤها البطل وكأنه أراد أن يؤكد لنا أن الأشكال الروائية بعيدة عن الاستنفاد، متجددة تجدد الوجود، متنوعة تنوعه. وفي الختام نقول: «لو أن مسافرأً في ليلة شتاء» رواية كسرت قيود الأشكال الروائية القائمة على حدود مرسومة لا يُباح تجاوزها؛ لأن صاحبها لم يقصر اهتمامه على مقولة النص الروائي فحسب؛ بل انصب اهتمامه على كيفيات أداء هذه المقولة.
وقراءتها تتيح لنا قراءة إنسان هذا العصر في رحلة بحثه عن المعنى الضائع، في انشراخه وعجزه عن تشكيل دائرة الكمال في محاولاته أن يجعل الإبداع فعل امتلاء في هذا العالم المُتصدع المحكوم عليه بالنقصان. بهذا المعنى يكون النقصان انفتاحاً على السؤال، على اللامحدود في الحياة والفن.
كاتبة سورية