«مطيرجية» العراق.. بين ماض قاسٍ وحاضرٍ أقسى

حجم الخط
1

بغداد – «القدس العربي»: لم يكن عالم المطيرجية (مربو الطيور عموماً.. والحمام على وجه الخصوص) عالماً سهل الاقتحام، فعلى مدى أكثر من ستين عاماً كانوا منعزلين على أنفسهم، ويعيشون حياتهم بعيداً عن الشارع العراقي، ففي خمسينيات القرن الماضي لم يكن الأهالي يرحبون بهم، إلى درجة أنهم لا يزوجونهم من بناتهم، إلا إذا كان والد الفتاة مطيرجيا أيضاً.. المشكلة الأكبر التي تواجههم، أن شهادتهم أمام المحاكم لم تكن مقبولة، حسب قول أبو محمد (76 عاماً) مضيفاً أن هذه الفقرة لم تكن ضمن القوانين العراقية أيام الملكية وما بعدها، غير أن القاضي بمجرد أن يعرف أن هذا الشخص (مطيرجي) يستبعده مباشرة بإعتباره شخصاً غير مرغوب فيه.

هواية الشباب

أبو محمد يتحدث لنا عن سنوات طويلة قضاها مع الحمام عندما كان مراهقاً، أي في خمسينيات وستينيات القرن الماضي. مبيناً أنه كان يسكن منطقة الفضل، وهي منطقة شعبية بالقرب من ساحة الميدان وسط بغداد، واشتهرت بالمطيرجية منذ ذلك الوقت: «كان فوق كل سطح من منطقتنا أبراج حمام، نستيقظ مع الخيط الأول للشمس لنبدأ بتطيير الحمام، عندها يتبارى أبناء المنطقة لمعرفة أيهم يملك الحمام الأفضل، من خلال (اللوت) وهي عدد تقلبات الحمام في الهواء، فضلاً عن التزاوج الذي كان له طرائقه الخاصة، فكلما كانت الأم من سلالة نقية، كانت أفراخها من السلالة نفسها، حتى تبقى السلالة مستمرة وتتطور مع الزمن».
غير أن نظرة المجتمع للمطيرجية جعل أهل أبو محمد يصرون على تركه هذه الهواية، خصوصاً بعد أن انتشرت إشاعة في الأوساط البغدادية أن المطيرجية منحرفون، وشاذون جنسيا، حسب ما يقول أبو محمد، إلا أنه يؤكد أن هذه التهمة غير صحيحة، فمجتمع المطيرجية فيه كما في المجتمع من طبقات ونماذج، فيه الصالح وفيه سيئ السمعة، غير أن هذا السيئ بدأ يغير من نظرة المجتمع لهذه الفئة الكبيرة.

الجنوب.. مصدر الحمام

على الرغم من شهرة سوق الغزل، وسط بغداد، في تربية وبيع الطيور بأنواعها، والحمام بشكل خاص، غير أن مدينة بغداد لم تكن المصدر الرئيسي للحمام ومهمنة المطيرجي. أقول مهنة، لأنها تتحول بمرور الزمن إلى عمل حقيقي وسعي لتحقيق الأفضل، ولكسب المال أيضاً، أما الهواة فلا يمكن إحصاؤهم، لأنهم يتزايدون باستمرار.
في بادئ الأمر، تعتقد أن بغداد بأسواقها ومحلاتها الكثيرة مصدر الطيور والحمام في العراق، غير أنك بمجرد أن تتجه لمدينة البصرة سوف تكتشف الفارق الكبير. ففي بغداد لا توجد مزارع وبساتين كبيرة للمطيرجية كالموجودة في البصرة، ولا توجد مسابقات كبيرة كالتي تقام في جنوب البصرة، وتحديداً بالقرب من الحدود الكويتية، حيث الصحراء والفضاء غير المحدود.
الشيخ أبو هاشم، وهو من أقدم مطيرجية البصرة، تحدث عن هذه الهواية منذ أن كانت بيوتهم من القصب، قبل أن تشق الطرق وتعبد في المنطقة، وكان بالقرب من بيوتهم القصب هذه، بيوت الحمام التي كانت تبنى من الصفائح، كان ذلك في العام 1935.
وقد كشف الحاج هاشم عن بعض أشهر مطيرجية البصرة خلال القرن الماضي وأنواع الحمام وأسمائها التي اشتهروا بها، مبتدئاً بحسين سكينة واشتهر بـ «رس العقارب» في الستينيات، وياسين مذكور من منطقة الجبيلة، واشتهر بـ «الأربش من رس المقنزع» سنة 1970، هاشم جلوب- أو هاشم كزيزة واشتهر بـ «الدخانيات» سنة 1960، وحسين بناي من منطقة الجبيلة واشتهر بـ «رس القنادي» سنة 1960، وعباس العاقول من منطقة بدران وقد اشتهر عنده «حمر الزوار» في الستينيات.

مجتمع مغاير

المطيرجي والمحكم حسن عنيد، الملقب بـ «المكش الذهبي» وهو المحترف في تطيير الحمام، يؤكد أنه لم يعد مجتمع المطيرجية مثل السابق، فقد كان أغلبهم من الأميين والفاشلين في المدارس، إلا أن هذا المجتمع في الوقت الحالي دخل إليه أناس لهم قيمتهم ووظائفهم المهمة، بسبب عشقهم لعالم الحيوان عموماً والطيور على وجه الخصوص، فتجد فيه اليوم القاضي والمحامي والضابط في الجيش والدكتور، الحياة مفتوحة الآن للجميع، وفي الوقت نفسه فإن مجتمع المطيرجية مختلف، «لأنه معتكف عن الناس، ومنعزل، لديه مزارع خاصة ولديه جمهور من طبقات مختلفة».
عنيد تحدث عن إحصائيات المطيرجية في مدينة البصرة فقط، فقد يتجاوز عدد المحترفين منها 750 شخصاً، أما الهواة والذين لديهم أعشاش الطيور ليست كبيرة مثل المحترفين فيتجاوزون الـ2000 شخص في هذه المدينة فقط، وهي النسبة الأعلى عراقياً.

بين العراق والكويت

كان العراق المصدر الرئيسي للحمام في الخليج عموماً والكويت على وجه الخصوص، واستمر هذا الوضع حتى ثمانينيات القرن الماضي، واندلاع الحرب العراقية الإيرانية، لتبدأ بعدها مرحلة احتلال الكويت وحرب الخليج الثانية التي أجبرت الكثير من مطيرجية العراق على هجر هذه المهنة أو الهواية، لأسباب كثيرة، منها عدم تمكنهم من تصدير الطيور أولاً، وخلو السوق من الأدوية التي تحتاجها الطيور ثانياً، والوضع المادي الصعب أثناء الحصار الاقتصادي الذي حال دون تمكنهم من شراء أنواع جديدة من الطيور.
المطيرجي حسن عنيد يبين أن هذه الفترة مثلما شهدت انتكاسة في سوق الحمام العراقي، شهدت انتعاشاً في سوق الحمام الكويتي، ففي الوقت الذي كان العراق يزاوج وينتج أنوعاً جيدة من الحمام، ويجري إرسالها إلى الكويت عن طريق الخليج العربي مستخدمين الكفة (وسيلة نقل نهرية قديمة) بدأ مطيرجية العراق شراء الحمام من الكويت. «الذي حصل أن مطيرجية الكويت طوروا هذه الهواية بشكل عجيب، فبدأوا يزاوجون بين أنواع مختلفة من الحمام من أجل إنتاج أجيال جديدة لها قدرات خاصة، فتمكنوا من تغيير شكل وجسم الحمام وألوانه بعد أجيال عدَّة… في بداية الأمر كانت ألوان الحمام المعروفة، الخمبي والأبيض والأسود، لكن هذه الألوان في الوقت الحاضر غير مرغوب بها، خصوصاً بعد ظهور ألوان جديدة ومغايرة».
أما أسعار الحمام في الوقت الحالي فقد وصلت إلى أرقام خيالية، فبعض الطيور يصل سعرها إلى خمسة آلاف دينار كويتي وأكثر من ذلك. «قبل مدة اشترى تاجر عراقي حمامة من الكويت بسعر عشرة آلاف دينار كويتي (أي ما يقارب 40 ألف دولار)». أما عن ارتفاع سعر حمامة دون أخرى، فيعود إلى أسباب كثيرة، أهمها عدد «اللوتات» التي تقوم بها، أي عدد تقلباتها في الهواء بعد ارتفاعها لخمسين متراً تقريباً، ومن ثمَّ نظافتها من العيوب، وإنطلاقها من برجها وكيفية العودة له، وأشار عنيد إلى أن الطيور لا تدرب، بل تبقى محافظة على سلالتها.

تطور الهواية عراقياً

لم يعد مطيرجية العراق عموماً، والبصرة تحديداً، مجرد عاشقين للحمام، يبنون برجاً فوق سطح دارهم ويخرجون ويصعدون عند الفجر لسطح الدار لكي يمارسوا هوايتهم، بل تطور الأمر لدخول رؤوس أموال وتجار عشقوا الحمام، فاشتروا مزارع وبنوا بيوتاً من أجل أن يمارسوا هذه الهواية على مدى أوسع، ولكي لا يزعجوا سكان المدينة، هربوا بهوايتهم إلى الصحراء، لتكثر مزارع الحمام على طريق سفوان (100 كم جنوب البصرة)، هذه المزارع التي تجاوزت، حتى الآن 600 مزرعة، في تزايد مستمر.
حسن عنيد وأخوه علي عنيد يملكان إحدى هذه المزارع، وقد أنشآها «لكي نبتعد عن المناطق السكنية أولاً، والسبب الأهم لكي تعيش الطيور فضاءً تأخذ به حريتها في التعليق» أما أشكال هذه المزارع فتختلف من واحدة لأخرى، بحسب ذوق المطيرجي أو إمكانياته المادية، لكن الأهم من هذا هو بيوت الحمام، «إذ نقوم بصبغ كل برج بلون معين لكي تتعود الحمامة عليه، فعندما تطير تعود إلى برجها الأخضر أو الأزرق على سبيل المثال، وكل برج يحتوي على أكثر من مئتين إلى ثلاثمئة حمامة. لكن المسألة لا تعتمد على العدد، بل على أنواع الطيور وسلالتها.
مثلاً إذا جاءنا طير من الكويت اسمه (عين السيح) أو (أوبك)، فنقوم بتركيب الحمام مع بعض من خلال التزاوج، لننتج أنواعاً جديدة. لكن الأجيال الجديدة تبقى مرتبطة باسم (عين السيح) الأم، المشكلة أن الزمن سرقنا، والكويتيون قاموا بما لم نقم به سابقاً من تطوير وتزويج الحمام والمغايرة في جيناتها، أما إذا أردنا أن نواكب ما فعلوه فنحتاج لعقود لكي نتمكن من إنتاج أنواع جديدة من الحمام».

مسابقات سنوية

كانت مدينة البصرة هي الرائدة في إقامة مسابقات سنوية عراقياً للحمام، انطلقت هذه المسابقات التي أطلقوا عليها اسم (أسوار البصرة) قبل أربع سنوات، كانت جوائزها في بداية الأمر بسيطة جداً، لكنها ارتفعت مع زيادة عدد المشتركين.. يقول المحترف حسن عنيد «كل مشترك يدفع 150 ألف دينار (بحدود 125 دولاراً) كبدل اشتراك، تبدأ المسابقة بتشكيل لجنة من الحكام، تقوم بفحص الطيور التي ستشارك في المسابقة السنوية، نبدأ من الخور إلى منطقة الكرمة، ومن الكرمة لطويبجة، وهكذا حتى نتمكن من تغطية مناطق البصرة جميعها».
مضيفاً أن لجنة التحكيم تبدأ من أحد أبراج الحمام لتنتقل إلى البرج الثاني وتختار الحمامة الأفضل، وهكذا تستمر عملية التحكيم حتى يتم اختيار أفضل أنواع الحمامات التي تدخل ضمن المسابقة. «الطير الذي يدخل في المسابقة، نصنع له حجلاً، حلقة فيها شعار الدورة ويلبس في قدم الحمامة، وهذا الحجل يثبت أن صاحب الحمامة فني حمام، ولا يدخل طير في المسابقة إلا إذا كان يحمل هذا الحجل».
في الدورة الماضية، حصل عنيد على الجائزة الأولى التي كانت قيمتها 4 ملايين دينار عراقي (أي ما يقارب ثلاثة آلاف و300 مئة دولار) لكن المسابقة التي ستقام هذا العام ستضاعف عدد المشتركين، لهذا كان قرار لجنة التحكيم أن تكون الجائزة سيارة حديثة.
أما معيار الفوز بالجائزة، فيشير عنيد إلى أن الظروف الجوية لها تأثير كبير على اختيار الحمامة الفائزة، ومدرب الحمام ليس له أي سلطة عليها بمجرد أن تطير، فإذا طارت الحمامة ومر صقر بالقرب منها تخلخلت وربما سقطت، أو إذا كانت الريح عالية، «تبدأ قاعدة التحكيم بـ(الكومة)، وهي ارتفاع الطير من برجه إلى السماء، والقاعدة الثانية عدد العيوب التي في الحمامة، فكلما كانت العيوب قليلة حصلت الحمامة على درجة أعلى، القاعدة الثالثة (المشاغل) وهو عدد تقلبات الطير في الهواء، والقاعدة الأخيرة عودة الحمامة إلى برجها بشكل عمودي وليس مائلاً».

مشاكل من دون حل

المطيرجية شريحة كبيرة تعاني من مشاكل عدَّة، مثلما تعاني بقية شرائح المجتمع العراقي، المشكلة الرئيسية التي يعانون منها هو عدم وجود الدعم الحكومي. المطيرجية الكويتيون، على سبيل المثال، وقف بجانبهم أمراؤهم وشيوخهم، فتمكنوا من بناء مجمعات كاملة لتربية الطيور وتحسين أنواعها، لكننا في العراق لا نستطيع عمل أي شيء، فالشرطة والبلدية تقف حائلاً دون أي مشروع، حتى أقفاص الحمام في منازلنا يأتون ويهشمونها في بعض الأحيان.
المطيرجي علي عنيد، يوضح أننا متأخرون عن الكويت أكثر من عشرين عاماً في تربية الحمام، بسبب الظروف التي مررنا بها، فالطيور بحاجة لسنوات من أجل التزاوج وتغيير الجينات، وهو ما لم نستطع عمله خلال العقود الماضية، «غير أننا الآن بدأنا بتطوير هذه الهواية، مثلاً المطيرجي جواد أبو حيدر أنشأ شركة أمجاد البصرة للحمام، وهي شركة متخصصة بتربية الحمام وتطوير جيناته، ومن ثمَّ إنتاج أجيال جديدة من الممكن أن تغير الكثير خلال السنوات المقبلة».
المشكلة الرئيسية التي يعاني منها مطيرجية البصرة تكمن مع شرطة الحدود، فما أن يأتي طير إلى البصرة، بعد عبوره بشكل رسمي من قبل الحدود الكويتية، حتى يقوم شرطتنا بقطع رأسه بحجة أنه لم يدخل للفحص الطبي، وقد طالب المطيرجية، على حدِّ قول عنيد، بوضع مقر طبي بالقرب من سيطرة الحدود من أجل فحص الحمام والتأكد من سلامته قبل دخوله العراق، إلا أن الأمر لم يلتفت إليه، فبقينا نخسر عشرات الآلاف من الدولارات في كل مرة، «وأيضاً عندما نقوم نحن بتصدير الطيور، ترفض الحدود العراقية والكويتية معاً دخول هذه الطيور، فلا يوجد بروتوكول تبادل بين البلدين». مبيناً أنهم عندما طالبوا بحقوق بسيطة من أجل إنشاء تجمع أو منظمة لحماية حقوقهم فوجئوا بأن المسؤولين يضحكون منهم باعتبارنا شريحة لا تمثل أية جهة، «وإذا أردنا أن نكون قوة تستطيع حماية نفسها، فيجب أن ندخل جميعنا في حزب واحد وهو من يدافع عنا، لكن هذا غير ممكن، فلا نستطيع إقناع الجميع بحزب دون آخر، وهو ما لم يحدث بين أفراد العائلة الواحدة، فكيف بشريحة كبيرة مثل المطيرجية».
ويؤكد عنيد أن حياة المطيرجية مرهونة بالعلاقات السياسية والاقتصادية، فإذا أغلقت الحدود بين الكويت والعراق ذات يوم، مثلما حدث في تسعينيات القرن الماضي، ستتوقف حياتهم من دون أن تتحرك الحكومة، ولا أي جهة سياسية، لأنهم يعيشون على هامش المجتمع، والديمقراطية التي حدثت في العراق لم تغير شيئاً، لا من حياة المطيرجية ولا من نظرة المجتمع لهم.

صفاء ذياب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية