مرمر القاسم: «مدينة الحب والخطايا».
اقترنت الآداب المعاصرة في التزامها بالقضايا العربية الكبرى وعلى رأسها القضية الفلسطينية، ولا يمكن التنكر لها ولآلام أهلها ولتحولاتها المأساوية ولا الجحود بدورها في منح الأدب – ومن ضمنه الرواية المعاصرة وقبلها الشعر -قيمة وجوده، لقد اتخذها كثير من الكتاب جدارا يحتمون به ويعلقون عليه قضاياهم الإجتماعية المحلية، فكانت فلسطين ومحنتها السياسية والوجودية محنة كل الدول العربية ومنبع كل متخيل عربي، ملتزم، ومناهض للاستعمار وللظلم ولكل أدب يتعلق بالمساواة والكرامة الإنسانية والعدالة الإجتماعية.
للرواية العربية المعاصرة صلة وثيقة بالقضية الفلسطينية، ورافقتها على مستوى تحولها في المضامين والمواقف والرؤى أو على مستوى تحولها على مستوى الصيغ الخارجية في مرحلة التجريب والبحث للرواية على آفاق جديدة في الكتابة، لكن الاقتراب من القضية كان له جلاله وهيبته، وكان هناك شبه إجماع على أن القضية الفلسطينية هي قضية كل العرب والمسلمين، بل هي القضية الأولى التي بدونها تصبح كل كتابة مجرد ترف، ويصبح كاتبها مجردا من كل انتماء للفئة المثقفة الطليعية.
قلما تعرضت الكتابات المرتبطة بموضوع القضية الفلسطينية للنقد الجمالي، خاصة في مراحل سابقة على ازدهار المذاهب الأدبية والنظريات النقدية والدراسات الحديثة المهتمة بالبنيوية كفلسفة أولا وكمنهج في الدراسة والتحليل ثانيا، وفي مراحل ازدهار الدرس اللساني وما تلاه من مناهج في السيميائيات والتأويل والقراءة وتحليل الخطاب، أي في ارتباطها بالنقد كتحليل للنصوص أو المقاربات العلمية التي تمتح أدواتها وطرائق تحليلها من العلوم الإنسانية المجاورة للأدب كالدراسات الإجتماعية والنفسانية أو التحليل نفسانية.
في الآونة الأخيرة ظهرت كتابات إبداعية تقوم بما لم يقم به النقد الأدبي والمقاربات العلمية، أي أنها قامت بانتقاد الثورة وانتقاد مسار التحرر، كما قام بعض الكتاب والكاتبات بتشريح واقع القضية الفلسطينية على ضوء التحولات السياسية التي انتهجتها خصوصا بعد اتفاقية وادي عربة واتفاقية أوسلو وما نتج عنها من صراعات داخلية تحولت فيما يشبه صراعات «شخصية» مرتبطة بمصالح حزبية. والتحول الأخطر ما نجده في رواية «مدينة الحب والخطايا» للكاتبة الفلسطينية مرمر القاسم، في هذه الرواية انتقاد حاد للثورة الفلسطينية وانحراف مسارها بعد اتفاقية أوسلو التي قسمت الفلسطينيين، فتحولت نظرات الكتّاب من التوجه إلى عدو واحد مشترك إلى الصراع الإيديولوجي والعقدي والموقف من القضايا الأساسية والأولويات المشتركة والمتفق حولها سلفا. والمقتطفات الآتية توضح هذا الخلاف الحاد بين مختلف الأطراف المتصارعة حتى قضت على القضية الأم، يقول النص في حوار بين عدد من الشخصيات الروائية:»لا يهم، حياتنا غدت ساحة حرب، هدفهم الوحيد الانتصار بكل الطرق المتاحة، لا قواعد للعبة، كل فريق يدعي المثلية، أما الهدف فلم يعد مشتركا، وأصبح اللعب بين المبدأ وبين القانون إلى أن سقطت القضية» ص (142). ويضيف آخر:» ليت الليل يأخذ أبالسة أوسلو ويرحل عنا، لعل وطن الكذبة يكف عن قتلنا…» ص (143).
هناك وعي جديد نشأ من التحول السياسي والفجوة الثقافية المحلية التي قسمت الكتلة الوطنية، وأحدثت هوة في اللحمة الإجتماعية والوعي الثقافي والوحدة والهوية على أساس الخلاف المرجعي الحزبي والعقائدي والذي يخفي وراءه تعطشا للسلطة والاستفادة منها، وهو ما سيسمح لبعض المرتزقة والمتطفلين السياسيين والفاعلين غير النزهاء بإدارة دفة السياسة بلعب جديد مبتكر ظاهره وطني، أي حب الوطن والدفاع عن مصالحه ووحدته وحريته والدفاع عن تاريخه المقاوم والمناضل من أجل الكرامة والحرية والاستقلال، وباطنه التخريب والقتل والجشع للسلطة والمال العام والخيانة العظمى، كما سنبين في أهم موضوعة انتقاد للانحراف السياسي والثقافي.
ومن الانتقادات المهمة ما ارتبط بمفهوم الأدب ذاته، كما في المجتزأ الآتي:»انتهى العرض (…) سحقا لم يعد شيء كما كان، كانت للأدب مهمة حقيقية وهدف سام للبحث عنها لا أن يجرعونا زخم التعايش بزناخة سلامهم المزعوم، عم يتحدث هؤلاء الأغبياء ومن موَّلهم، أين اختفت الأعمال الأدبية المؤكدة على الإيمان بانتصار وضبط الثورة المنظمة الصارمة، وأي منطق ذاك الذي تحدثوا عنه، ليس هناك شيء اسمه المنطق، تلك خرافة بشرية مبنية على نقطة قدّرها العقل البشري للتوقع، وهو ما يمكن للعقل تصوره وتقديره وتوقع حدوثه فقط، أما ما يحدث الآن فليس من المنطق في شيء.» ص (137-138).
في المجتزأ السردي إشارة قوية إلى تأثُّر الأدب (العرض المسرحي) بالموقف السياسي، وهذه قضية جوهرية وجذرية أسالت الكثير من المداد؛ قضية الأدب والسياسة، هل هناك علاقة ما بينهما؟ هل الأدب يتطور في تبعيته للسياسي أم في استقلاله وتحرره ليتقدم الموقف؟ من يؤثر في الآخر؛ الأدب أم السياسة؟
وفي المجتزأ تأكيد على أن الموقف السياسي أو اختيار النهج السياسي يؤثر في الأدب وبالتالي يؤثر في الحياة العامة وفي مفهوم الأدب ومفهوم الثقافة، فالأدب «الرسمي» أدب يؤكد على النهج السياسي ويدعمه، بينما الأدب «المختلف» فينجذب نحو الفئات الأضعف، الفئات غير المستفيدة من السلطة والتحول السياسي.
إذن، كل تحول سياسي، أو اختيار حزبي وعقدي، يؤثر في الأدب وتذوقه فيُقَسِّمه إلى تيارين كبيرين متناقضين؛ تيار موالٍ، يسعى بكل الوسائل الدعائية (الإعلامية) والأدوات القهرية (القوانين) والإمكانيات (السلط) المتاحة له فرض مفهومه الجديد للأدب وللثقافة (الحضارة عامة)، بما يرسخ تجربته ويخلق له أتباعا وموالين؛ وتيار غير موالٍ، يسعى إلى «تصحيح» التحول أو «الانحراف» الذي وقعت فيه التجربة السياسية وبالتالي «الأدب». هناك دائما في كل مجتمع وفي المراحل الفاصلة أدب «رسمي» وآخر «مختلف» كل منهما يدافع عن مبادئه ومواقفه وأتباعه، يسعى الأدب الرسمي إلى تعزيز مكانته السيادية والسلطوية باستغلال الإمكانيات الهائلة المتوفرة لديه، ويسعى الأدب المختلف أو الأدب «الشعبي» الذي ينتسب إلى القواعد الشعبية المقهورة إجتماعيا والمبعدة سياسيا من القرار السياسي إلى الدفاع عن حقه في امتلاك السلطة والكلام نيابة عن المقهورين الذين لا لسان لهم.
إذا كانت رواية القاسم تدين التحول الشديد والانحدار السريع في الأدب الرسمي (ص: 137-134)، فإنها تقدم عبر النص عددا من الإشارات المُتَضَمَّنَةِ إلى أهمية الأدب والفن، بل تضع نصوص الأغاني في لحمة السرد، للتدليل على مقولة مارت روبرت، بأن الرواية خطاب جامع، يحتوي جل أشكال الخطاب المتداولة. فالخطاب الروائي خطاب غير متجانس وما يوحده ويمنحه الانسجام والترابط ليس غير المكونات الروائية للقصة (الشخصيات الروائية والوقائع والفضاء الروائي والعقدة).أما الصيغ الخطابية فتتنوع وتختلف باختلاف المذاهب والرؤى وكذلك اللغة فهي غير متجانسة، كما يتضح من مجموع الأساليب السردية وغير السردية المتضمنة في المتن السردي الروائي، لذلك نجد اللغة السردية تتضمن نصوصا باللهجة العامية من قَبيل: «عايل يا الأسمر عايل صبح ضعنكم شايل/ ما اكَدر على ثمنكم تسعين بكره وحايل…» ص (51)؛ أو باللغة العربية الفصيحة مثل كلمات النشيد الوطني أو العلم: «موطني.. موطني.. الجلال والجمال.. والسناء والبهاء…» ص (38)؛ أو كلمات أغنية فايزة أحمد: «لا تسلني يا حبيبي/ كيف هذا الحب جاء…» ص (59).
لم يؤثر التحول السياسي في القضية الفلسطينية إلى انقسام الأدب إلى «رفيع» و»وضيع»، كما بينت في كتابي «المتخيل المختلف: دراسات تأويلية في الرواية العربية»، بل غيّر حتى في مفهوم الوطن، والوطنية، والنضال، والمواطنة. ومن أخطر الموضوعات وأهمها التي تناولتها رواية القاسم موضوعة: «المنظفون الوطنيون» أو «الأشباح»؛ وهم فئة من المناضلين الذين تم استغلالهم باسم الوطنية وتحت شعار «تنقية الوطن من الخونة المتعاونين ضد الوطن مع العدو الصهيوني المحتل». إنهم أشباح بلا هوية محددة، يعيشون بين الناس متخفين وراء أسماء حركية وهمية ويأتمرون بأمر سيادات وقادة يحملون بدورهم أسماء مزيفة وحركية يرمز إليها بالحرف الأول من الاسم واللقب، ومهمتهم الرئيسية «تنظيف الوطن من الخونة». إنه الفكر الجديد الذي أنتجته السياسة الجديدة وأنتجه التحول في القضية الأم والمركزية، أي قضية تحرير الأراضي المحتلة وعودة اللاجئين المشردين في شتات الأرض.
مرمر القاسم: «مدينة الحب والخطايا».
منشورات فضاءات،عمّان 2014؛
206 ص
محمد معتصم