«فبصرك اليوم حديد» للشاعر السوري موسى عباس الشعر والفن التشكيلي والتراث

حجم الخط
0

 

لا يسعى الشاعر موسى عباس في مجموعته الصادرة حديثاً إلى الدخول في عالم الشعر عبر المختلف والمغاير، بل يحاول أن يدخل هذا العالم المحيِّر من زوايا هادئة، لا تريد أن تكسر المألوف، فلا يحمل الشاعر معه أوهاماً أو طموحات في إمكانية أنه سيغيّر العالم بالشعر، أو أن العالم سيتمّ «فتحه» شعرياً. يدخل الشاعر بوابة الشعر من أبواب التعبير عمَّا يجول في داخله، يدرك الشاعر أن مجموعته تلك تُطْبَعُ في زمن الصورة، وأن ماعجز عن تحقيقه الشعر باتت الصورة تحققه، من حيث الأثر وأداة التعبير.
يستحضر الشاعر أدوات الشعر التقليدية، محاولاً أن يترك أثره من خلالها، لا يلتفت إلى المغاير، بل إلى أدواته التقليدية، حيث يسرد حكاياته مع الشعر، والتجارب النفسية والعاطفية مع عوالم تستنجد به، فيلبيها عبر لغته التي تحاول أن تقول كل شيء.
من الصعوبة أن يُقبل القارئ، على مستوى الفكرة المجرّدة، مجموعة شعرية يدخل الحديد في عنوانها، وربَّما ليس من السهولة على شاعر أنْ يُلين الحديد، لا موقف مسبقاً من كلمة»الحديد» بما أنَّها الرمزُ الأشهر للصلابة، لكن، كيف يمكنها أن تقدّم عالمًا من الشعر يقوم على المخاتلة والمراوغة وتقليب وجوه القول؟ لابدَّ من السياق إذًا، كي يروّض الشاعر موسى عباس في مجموعته «فبصرك اليوم حديد» الحديدَ، ويحوّله من وحشة تلك القساوة إلى مرونة الإيحاء الشعري، بحيث تغدو جمله حمالة أوجه، تنفتح على عالم الدلالة وفقاً لقراء متعدّدي الثقافات والرؤى يبحثون عن مداليلهم في تلك النصوص.
يُثْقلُ الشاعر نصَّه بإرثه الشعري والدينيّ، حتى يفوحَ عطرُ التراث من تلك النصوص، لكنه في الوقت نفسه يغوص عميقًا في وجع الواقع: «وحنيني لبلادٍ لم أزرْها تمطر العشاق من أوّل غيمة». تلك الدراما التي يقدّمها الشاعر تكاد تكون أبرز ملامح مجموعته، فالصراع مع الذات مُنطلقٌ للصراع مع الآخر المُترع بالخيبة، يُعْمِل الشاعرُ حروفه في استبطان أغوار تلك الشخصيات؛ ليصل إلى حالة اتحاد مع مكوّنات الطبيعة لاستغوار مكنوناتها: «أنا ونجم القطب توأمان»، فتنتفي الحدود بين العام والخاص، فلا طعمَ للعشق بين حبيبٍ وحبيبة، دونَ أبعاده التاريخية، ولا مكانَ لرسالةٍ يوجِّهها الشاعر لحبيبة اليوم، دون أنْ يتذكر قيس وليلى، ووقوف امرئ القيس على أطلال حبيبته.
تغدو الذاكرة في هذا الموضع أكثر حضورًا من الواقع، حيث يكون أثرُ القراءات حاجزًا بين حريّة التعبير لمن يحبُّ، وتلك القراءات المُقيِّدة، فيفرض النص على متلقيه حالة من الانفتاح في الدلالة كي يبقى التواصل ممكناً بينهما، دون أن يجور أحدهما على الآخر.
تحضرُ موتيفات الفنان حسن حمام لتتشابكَ مع دلالات النص الشعري عبْر تفاصيل خطوط وجوه شخصيّاته بالأسود والأبيض، حيث ترغب بالتماهي مع ما يريده الشاعر، لتكونَ نصًا قارئًا وليس موازيًا للنصّ الأساسي، كأنَّ الرسَّام هنا يقرأ بعينيْ الشاعر نفسه، لكن بـ (نوتة) التشكيل: «ياامرأة طال ركوعي بين يديك/ ودمي تتوضأ فيه الأشجار». لا بدَّ أن تصل الرسائل إلى قارئه دون مواربة، لكن بإيقاع عالٍ ولغة جزلة، مع حنين مرتفع نحو عالم السرد، برؤى شعرية، حتى يصلَ المتلقي إلى مرحلة ينتظر فيها حكايات كلّ نص محمَّلة بالصور الصوتية والبصرية التي لا يشوبُها الغموض، وانطلاقاً من هذه الرؤية قرأ الفنان التشكيلي النصوص الشعرية، وحاول أن يستوحي منها دلالات محددة، صاغها بالأسود والأبيض أو عبر الألوان.
أنتج الواقع المرُّ حزناً خيَّم في أجواء النصوص، مما حوَّل الكثير منها إلى حالة من الرثاء والفجيعة، إذ يمكنُ للمتلقّي أن يقبض عليها في كل مقطع، لتقنع قارئها أنها مكتوبة في أجواء الشرق الموّارة بالألم، تستحضر روحه وحزنه وأوجاعه وحروبه، فلا تخطئ عينا القارئ في أن كاتبها يهجس بهذا الوجع الأليف:

«تنثرنا أسطورة في مطلع الشمس
وفي آخر الليل المرايا
تجمع المنثور من حديث الغول والعنقاء
والخلّ الوفي
ربما كنت أنا آشور أو نوح الذي استوى
في قمة الجوديّ يا قلبي
سفينة

وكانت باسم الله مجراها ومرساها».
ورغم كل هذه المقدسات التي يحيط بها هذا المشرقيّ حياته، إلا أنها لم تستطع أن تدرأ عنه رياح الحروب والقتل والطغيان، وكأن لسان حاله يقول، لو لم ألذْ بتلك التمائم الحياتية لكان وجعي أكثر إيغالاً في تاريخ الوجود البشري.
يحضرُ الحبُّ موضوعاً مركزيًا تدور في فلكه أفكار كثيرة، لا مشكلة إلى من يتجه هذا الحب، قد يكون لامرأة جميلة هزَّ جسدها قلب الشاعر، أو حنينٌ لأرض سُرِقت أمام عينيْه، في أجواء فجائعيّة تهيلُ بثِقلها على الشاعر، فيغدو منظارُه للعالم منظارًا فَقْديًّا، إذ يفقد الحبيبة والوطن والذكريات، ويختار مواقف محدّدة على حافة النهاية مع ظروفه، فتقف الكثير من النصوص على حافة الرحيل، تريد أن توقف آلة الزمن للحظات، لعلها تثبِّتُّ سيلان المشاعر التي توغل فيها الكثير من نصوص الشاعر، هاربة بنفسها من لحظات الفقد والحرمان، تسعى لفتح منافذ لحياة سرية أو علنية لم تشأ الاعتراف بقوة الفقد في سيرورتها، تريد فتح صفحة جديدة في تاريخها، لا تعترف بقوة الرحيل أو الهجران الذي بات على المشرقيّ أن يعيشه كل يوم.
في قصائده القصيرة جدًّا تُمْحَى الحدودُ بين عالميْ الشعر والسرد في محاولة إعادة ترسيم لها بلغة الشعر لا بالعنف، حيث صراع الماضي والحاضر، الماضي الزاخر بالجميل والحاضر المُتخم بالفقد، والمستقبل المجهول الذي لايبدو أيّ أفق له بالانتظار. يبدو الشاعر هاهنا أقرب إلى استعادة بعض المواقف من قصائده الطويلة، كأنَّ تلك الدفقات الشعرية في النص الطويل لم تكتمل، يريد أن يشبعَها لغويًّا، أو يستمتع في استذكارها ثانية، حيث يتناول الظل والدم والشيخ، ليوغل في تكريسها بصفتها لحظة خاصة في سيمفونيّة وجعه الفيَّاضة بالحكايات.
تبدو نصوصه القصيرة جداً أقرب إلى نفثات قلب تحرقه تفاصيل حياتية، لا يريد لها أن تتوغل كثيراً في أمداء روحه كي لا تستبدّ بتفاصيله، وتغدو الحياة أصعب مما هي عليه، فيزفرها عبر جمل لغوية قصيرة، هارباً منها، لم يشأ أن يهرب من تثبيتها بصفتها لحظة من لحظات عيشه أو وجعه، وفي الوقت نفسه لا يريد أن يستفيض باستغراقها له.
تكشف المجموعة تغيَّر دلالات الحياة السورية، بعد الذي حدث، فالمكان اليوم ليس كمكان الأمس، والزمان كذلك، التفاعل مع ما يحدث هو أقرب إلى إعادة تأويل لتفاصيل كانت تمرُّ دون أن يكترث بها، باتت تفرض حضورها أكثر في أرجاء حياتنا: «لأوّل مرة/ أسماؤنا عبء ثقيل نحمله/ وحتى الصمت صمتنا/ لا بدّ من تفسيره». يتحوَّل المقدَّس الدينيّ عند عباس من كونه نصًّا محفوظًا لا تقْرَبه دون أن تتوضأ إلى نص قريب يصبح جزءًا من الشعر والكتابة، كأنَّه يريد أنْ يُعيده إلى تفاصيل الإنسان، أو ليقول إنّه وُجِد لأجل الإنسان، وليس ليبقى في دُور العبادة، لا يقاربه الشاعر من نافذة «الحلال والحرام» بل من نافذة فاعليته وعمقه في نسيج الحياة التي نعيشها، من أجل ذلك لا يتردّد في توجيه رسالة إلى عامل الخليفة مع كمّ كبير من المفارقات المُوجعة: «سيدي ياسيد الوطن المبجل/ هل بكى طفلك من أجل الثياب المدرسيّة؟/ وتواريت عن الجيران في ليالي العيد كيلا تكشف المستور؟». يتقاطع عامل الخليفة مع زعامات معاصرة فضَّلتْ أن تبيد بلاداً بأكملها من أجل الركض وراء سراب لا يمكنه مُعاندة حركة التاريخ التي تنتصر دائماً لإرادة الشعوب، وإنْ جاءت متأخرة قليلاً أو كثيراً.
يحرصُ الشاعر على بناء جملة مألوفة يقترب بها أكثر من القارئ، دون أن يجشَّم نفسه عناء المغامرة اللغوية، التي قد تقطع التواصل مع متلقِّيها، معوِّضًا عن ذلك بغناها التراثي، مستحضرًا في مجموعته عددًا من المفردات المفتاحية التي يمكن اتخاذها مداخل لقراءة المجموعة (نهر الفرات، البدوي، الماء، الفقد، الظل).
ويمكن النظر إلى هذا التوصيف من منظاريْن رئيسيين متكاملين: الأول أثر الأنواع النثرية الأخرى التي يقتحم عوالمها الشاعر موسى عباس، حيث إن منظاره ورؤيته تتشاطرها أجناس أدبية عدة؛ والمنظار الثاني، كون علاقة الشاعر مع اللغة علاقة هادئة لاتتسم بالصراع والتحدي وهو ماينظر إليه الكثير من النقاد والمتابعين بصفته عنصراً يخدش وجوديّة الشعر!

موسى عباس: «فَبَصرُك اليوم حديد».
دار فضاءات، عَمَّان 2015

أحمد الحسين

اشترك في قائمتنا البريدية