بيروت – «القدس العربي»: تعددت الفعاليات الإستعادية لندوب الحرب الأهلية اللبنانية بمناسبة 40 عاماً على بدئها. الندوب الإنسانية لا تُحصى. فالحروب تُدمر البشر قبل أن يتمكن مشْعلوها من تحقيق هذا الهدف أو ذاك من النيران التي ينفخون بها. ثمة لبنانيون جعلتهم الحرب في مهب الريح. حولتهم إلى كائنات أقل ما يقال فيها أنها تعيش انعدام الوزن. هم لا صلة لهم بجذور عاطفية أو بيولوجية. هؤلاء هم الأطفال الذين بيعوا خلال الحرب لعائلات تبنتهم خارج لبنان. وكذلك الأطفال الذين تخلى عنهم ذووهم وأودعوهم دور الرعاية. هؤلاء الأطفال الذين صاروا بالغين اليوم عددهم أكبر من أن يحصى، فهم بالآلاف. بعضهم عبّر عن معاناته من خلال عرض مسرحي في مسرح دوار الشمس أطلق عليه عنوان حبل «صرّة». عرض تمّ برعاية جمعية «بدائل» التي تأسست بهدف مساعدة من يعودون إلى وطنهم، بحثاً عن سؤال يؤرقهم «من أنا»؟ وكذلك مساعدة الآلاف المتروكين لقدرهم في دور الأيتام.
في حبل «صرّة» ـ إصرار على الصاد لكونه لفظ شعبي ولرمزية الصّرة في حالات الرحيل ـ تلقى المتفرجون حكايات مرّة من أفواه أهلها. لم يتقمص أحدهم دور طارق الملاّح، بلحمه وشحمه ومشاعره كافة عبّر عن سنوات عمره القاتمة في دار الرعاية. تخلت عنه والدته مقنعة إياه وهو في عمر الثانية «بتبقى هونيك بتاكل وما بتجوع»! دهراً أمضاه طارق وهو يحلم بوجه أمه وبيديها مفتوحان له لحمله بعيداً عن دار الرعاية. راح يبني لها صورة، ورنين صوت وعبارات حب. ينام ويستيقظ مع أمله بلقائها. ولم تأت. في عمر التاسعة نُقل طارق إلى ما يسمى قسم السعادة في دار الرعاية. وفيه بدأت سعادته الحقيقية، والتي سيحمل جروحها على مدى عمره. يصف طارق سريره في عنبر السعادة بـ»كان قصياً». «ذات ليل استيقظت على يد تقفل فمي، آخر يمسكني، وثالث يقف عند الباب. حدث ما حدث منهم معاً. لُملمت الشراشف المبللة بدمي ولذت بصمتي. وما حدث في ذلك الليل تواصل على مدار خمس سنوات وفي كل ليل. أخيراً هربت.. أيه هربت.
حكاية طارق تختصر مئات الحكايات لأطفال يشبهونه ويعرفهم، تركوا برعاية «دور الأيتام» التي تحمل صفة دينية. وإذا بها رعاية مفرطة بالإساءة لإنسانيتهم، ليس التحرش أو الاغتصاب الجنسي سوى صورة مختصرة وبسيطة عنها. بدورها جسدت ساندرا ما تواجهه المرأة التي تحمل من دون رابط الزواج. إذ ليس صدفة أن يكتفي ديكور المسرح بكرسي مرحاض، وبشراشف بيضاء. إن كانت الأخيرة تُمثل «الأيادي البيضاء» الموجودة في المستشفيات لتخليص تلك المرأة من عبء طفلها.
وكذلك تمثل «الأيادي البيضاء» التي تتلقف الأطفال في دور الرعاية، فتنتهك كراماتهم ومشاعرهم. فالمرحاض ليس سوى المكان الذي تتقيأ فيه النساء المتروكات لقدرهن. تسرد ساندرا كيفية استقبالها في المستشفى. ذاك المســـؤول «الحنون» الذي يجد في الإجهاض جريمة وقتلاً للروح، يبحث لمولودتها عن Une bonne famille لتعيش معها برغد الحياة، وببدل مالي كبير له، إذ ليس في ذلك جريمة؟ ويقنع الأم «أن تبقى بنتك معك مش صيت منيح إلها»!.
إذاً هي شهادات حقيقية عن عالم الفصل عن الجذور، تواصلت مع عزف موسيقى حية على البيانو، وبالتزامن مع عرض أرشيف كبير من صور مؤثرة التقطت خلال الحرب لأطفال بكاميرا سامر معضاد. ولمزيد من تسليط الضوء على هذه القضية كان هذا الحوار مع المديرة التنفيذية لجمعية «بدائل» زينة علّوش:
■ هل عدد الأطفال الذين سلخوا عن جذورهم في لبنان كبير لدرجة استدعت وجود جمعية تبحث عن حقهم في المعرفة؟
□ عدد الأشخاص الذين تمّ بيعهم عبر التبني غير الشرعي خلال الحرب في تقديرنا بلغ نسبة خيالية وهو بحدود 10 آلاف طفل. هذا من جهة. ومن جهة أخرى ثمة احصاءات رسمية للأطفال المودعين في دور الأيتام بدون مبرر لهذا السلوك، والرقم هو 24 ألفا من أصل 28 ألفا تضمهم تلك الدور. إذ تقول دراسات للأمم المتحدة أن أربعة آلاف فقط من هؤلاء الأطفال يجب أن يكونوا في تلك الدور، في حين أن الآخرين يوجدون فيها بسبب الفقر. في المحصلة هناك 2 في المئة من أطفال لبنان يعيشون انسلاخاً عن جذورهم.
■ كجمعية تشاركون في الذكرى الأربعين لحرب نيسان ما هي خطواتكم في هذا الإتجاه؟
□ نلنا رخصة جمعية «بدائل» في أيار/مايو سنة 2014. وكانت فعاليتنا الأولى في ذكرى إقرار اتفاقية حقوق الطفل في تشرين الثاني/نوفمبر تحت عنوان «الحق بالجذور» وذلك بالشراكة مع المفكرة القانونية. وحينها أيضاً لجأنا للعرض المسرحي الذي يساعدنا في رواية تفاصيل الحكاية، وطرح القضية التي نحن بصددها. سمي ذاك العرض «وهي طارت». وقد شاركنا في تلك الفعالية حوالي 15 شابا وصبية أتوا من هولندا، سويسرا وفرنسا، للبحث عن جذورهم اللبنانية. أما نشاطنا الحالي فقد جاء من ضمنه إطلاق العمل لوضع قانون مدني يرعى عملية الفصل.
■ ما هي في رأيكم أسس التبني القانوني التي تطالبون بها؟
□ أولاً ندعو لقانون مدني يحكم هذه العملية. كما ولا نسميه تبنياً، بل هو إيداع للطفل مع أسرة أخرى. فعلى الدولة أن تواصل مسؤوليتها القانونية عن هؤلاء الأطفال. ولأن القانون غير موجود، فهو يتم عبر المحاكم الروحية، وعبر سبل ليس فيها احترام لاتفاقية «هاغ» التي تنص على عدم التبني عبر الحدود. هذا طبعاً في حال وجدت الحاجة للتبني. يفترض أن يحافظ هذا الطفل على أصوله وجذوره، وثقافته ليتم ابعاد معاناة الغربة عنه، وكذلك الاضطهاد والاختلاف. وفي الوقت عينه كي تبقى له في يوم ما امكانية التعرّف إلى أهله البيولوجيين. وتقول اتفاقية «هاغ» بحفظ واضح وسليم للملف الخاص بهذا الطفل بحيث يطلع عليه حين يبلغ عمر الـ18 سنة. وهذه الإجراءات يجب أن تبتعد عن أي شكل من أشكال دفع المال، فهو حينها سيكون واحداً من أشكال الاتجار. كما أنه يؤدي لنوع من التسابق للحصول على هؤلاء الأطفال من قبل العائلات التي ترغب بالتبني. ومن يرغب في التبني تكون هذه أولويته، وليس مساعدة طفل ليكون في واقع أفضل، وهنا يكمن الفرق. لهذا وفي القانون الذي ندعو لإقراره نرى أن التبني أو وضع الطفل في مؤسسات رعاية، يجب أن يتم عبر قرار قاض مدني. فهو سينظر أولا لمصلحة الطفل، ويتأكد من نوع الرعاية البديلة التي يجب أن تؤمن له. فليس جميع الأطفال تنطبق حالهم على التبني. وليس جميع الأطفال يفترض أن يكونوا في دور رعاية. كما أن لهذا القاضي أن يبحث في معايير الرعاية التي يجب توفرها في تلك المؤسسة. من أطر حماية، مراقبة ومساءلة. وهذا ما نفتقده جملة وتفصيلاً.
■ ما هو شكل التبني الحاصل عندنا والذي ترك الآلاف من الأطفال تائهين بدون جذور؟
□ هي في الغالب عملية إتجار. لسبب من الأسباب تجد امرأة نفسها مع حمل لا تعرف كيف تتصرف فيه. هؤلاء النساء ينتمين لفئات مهمشة، فيقعن ضحية الأطباء والمستشفيات، فيتم استدراجهن حتى الولادة والتخلي عن الطفل بالترغيب والترهيب.
■ تماماً كما في دور ساندرا في عرض «حبل صُرّة»؟
□ صحيح هي جسدت مشاعر تلك النساء والضغوط التي يتعرضن لها. لدينا وثائق مطابقة لما قالته المسرحية، كذلك لدينا الفواتير التي دفعها الأهل بالتبني، حيث وصل بعضها إلى 75 ألف دولار أمريكي.
■ كم هي الوثائق التي تملكونها والتي تدين المتاجرين بالبشر؟
□ حتى الآن بين أيدينا حوالي 300 وثيقة. لقد توقفنا عن طلب تلك الأوراق الثبوتية لأنها في الوقت عينه تدين الأهل بالتبني المتورطين بدورهم في مخالفات قانونية. أما المقاضاة فبيد صاحب العلاقة. ونحن أمام نوعين من المقاضاة. ففي وضع طارق ملاّح نقاضي دار الرعاية التي كانت مسؤولة عنه وفيها تعرّض للإعتداء المتمادي. إنه الآن في عمر الـ21 وهو من طلب مساعدته في المقاضاة. والغريب في دار الرعاية تلك أن طارق هرب في عمر الـ14 سنة إلى بيت جدته، لكن أحداً من الدار لم يسأل عن الطفل الذي اختفى! حتى قبل أن نتعرّف إلى طارق فهو كان حتى عمر الـ19 سنة ويطرق باب دار الأيتام مراراً وتكراراً سائلاً عن حقوقه ولماذا تعرض للإغتصاب؟ ولا يجد من يجيب. حين تعرفنا إليه كجمعية «بدائل» وكذلك المفكرة القانونية، تم التعاون في مراسلات إلى دار الأيتام ووزارة الشؤون الاجتماعية. فليست القضية محصورة في طارق كشخص، بل بنوعية الرعاية التي تضع الكثير من الأطفال في خطر التعرض لمثل تلك الممارسات. وهذا ما نعرف عنه الكثير. وطارق يعرف زملاء له تعرضوا لما تعرّض له.
■ هل خضع طارق للعلاج؟ وكم تماثل للشفاء؟
□ نتيجة الانتهاكات التي حصلت بحق طارق وجسده، ففي عمر الحادية عشرة توقف تحصيله العلمي وصار يعاني من الرسوب المدرسي الدائم. وعندما هرب لجأ إلى جدته الفقيرة. عمل طارق لفترة زمنية في مؤسسة مختصة بـ»دايت سنتر» حيث صاحبة تلك المؤسسة من مشاهير القوم وهي عضو مجلس أمناء في دار الأيتام، وبمجرد أن باح علنياً بما تعرض له، تمّ طرده من العمل. ولهذا نحن نتابع دعوى عمّالية خاصة به كونه تعرّض للطرد دون سبب مهني. طارق ومنذ تعرفنا إليه تمّ تأمين متابعة نفسية له، أولا بهدف تحديد مدى الضرر الذي لحق به، وثانياً لمساعدته على الشفاء. وحالياً نعمل على خطة مهنية بهدف تدريبه ليمتلك عملاً يساعده على بناء مستقبله.
■ لماذا تمّ اخيار هذه القصص للعرض المسرحي دون غيرها؟
□ هي حكايات معبرة. فمن المعروف بالنسبة لي كمختصة اجتماعية أن نادراً ما نجد طفلاً في دار الأيتام لا يعرف والدته لم يجرّب الهرب، بالقفز عن سور أو من نافذة. هي ملامح أساسية يمر بها معظم الأطفال، وليس بالضرورة أن تكون متطابقة مئة في المئة. لهذا كان اصرارنا على تسمية «عرض مسرحي» وليس «مسرحية». رغبنا في إظهار الأوجه الصغيرة المأساوية في حياة هؤلاء الأطفال.
■ وماذا عن مقهى «جذور» التي تمّ تأسيسه من قبل جمعيتكم؟
□ لسنا نمتلك مقهى. فنحن نعمل من دون تمويل. لم يرض أحد بمدنا بالمال. في فندق «ويست هاوس» في شارع المقدسي في الحمراء مكان لعرض الأفلام المختارة. سألنا المعنيين أن نعرض أفلاماً بدورنا، وأن نلتقي ونتحاور في قضايانا، فرحبوا بنا. وهكذا كان العرض الأول لفيلم المخرجة صوفي الديك التي وثقت سبع حالات للتبني غير الشرعي في هولندا وهو بعنوان «الذاكرة مجهولة». كنا بحدود الـ20 مهتماً، وجرى نقاش. هي فكرة مثمرة، وسنتواصل باللقاء في هذا المكان الذي يصبح اسمه حين تواجدنا فيه «مقهى جذور».
■ هل من أمل بخطوات عملية قريبة؟
□ هو طريق طويل لأنه يتناول اصلاح قطاع رعاية برمته. إذ ليس هدفنا الفضائح، ولا المحاكمات ولا إيصال المعنيين إلى العقاب، هدفنا حماية الأطفال. فحالات التبني غير الشرعي لا تزال قائمة. لنتمكن من الحماية حالياً من الضروري أن نظهر ما حصل في الماضي من انتهاكات لحقوق الأطفال.
زهرة مرعي