قوارب الموت: عندما تكشف «زيف» الاتحاد الأوروبي وانهياره الأخلاقي

حجم الخط
0

لندن – «القدس العربي»: تداعى قادة الاتحاد الأوروبي في بروكسل يوم الخميس لبحث أزمة «قوارب الموت» التي باتت تضرب السواحل الأوروبية بشكل شبه يومي جالبة معها كوارث وموتا ومعاناة إنسانية. وليست هذه المرة الأولى التي تجد أوروبا نفسها أمام مشكلة المهاجرين غير الشرعيين الذين يعبرون الصحارى ويهربون من جحيم الحروب الأهلية في بلادهم بحثا عن «حياة جديدة» في أوروبا. فقد شهد البحر المتوسط خلال الأعوام الماضية ومنذ اندلاع ثورات الربيع العربي 2011 حوادث غرق لقوارب بدائية يسافر عليها المهاجرون الذين يستغلهم المهربون ويتركونهم في عرض البحر يواجهون مصيرهم. ففي الأسبوع الماضي غرق ما يقرب من 1200 مهاجر جاءوا من إريتريا وأثيوبيا وسوريا والصومال ومالي والنيجر وأبعد من هذه. وقد دفع كل واحد منهم مبالغ كبيرة للمهربين طمعا في وصول آمن للشاطئ الجنوبي للبحر المتوسط ومنه إلى أوروبا. وما حدث الأسبوع الماضي وإن كان صادما إلا أنه جزء من حركة تاريخية طويلة للهجرة والتحرك عبر المتوسط. وقد أضحى البحر البوابة الوحيدة للعبور إلى أوروبا بعدما اتخذت دول مثل تركيا واليونان إجراءات لمنع التهريب عبر أراضيها كما أصبح عبور جبل طارق بالقوارب المطاطية صعبا ما يعني تضييق مناطق العبور في منطقة واحدة وهي إيطاليا التي باتت تستقبل آلالاف اللاجئين الذين ترميهم القوارب أو ينقذهم خفر السواحل. ورغم تكرر حوادث الموت في عرض البحر إلا أن المهاجرين يصرون على قطع الرحلة الشاقة والموت في سبيل الوصول إلى أوروبا. ومنذ عام 1993 مات ما يزيد عن 30.000 شخص وهم يحاولون قطع المتوسط إلى الحدود الجنوبية لأوروبا، وبالتأكيد فالعدد أكبر من هذا.

ذعر ثم نسيان

والغريب أنه في كل مرة يموت فيها مهاجرون في البحر المتوسط يتداعى الأوروبيون لبحث الطرق لمواجهة الأزمة ويتبادلون الإتهامات فيما بينهم ويبحثون عن رمز للشر يوجهون له التهمة ويحملونه مسؤولية مآسي المهاجرين. وفي هذه المرة اختاروا رمز «المهربين» حيث تحدث المسؤولون في الاتحاد الأوروبي عن خطة من عشر نقاط تقوم على استهداف قوارب المهربين عسكريا وتدميرها. لكن المهربين قد تعلموا من الخبرة أن يغيروا قواربهم في عرض البحر وفي الفترة الأخيرة باتوا يتركونها تغرق لأن لديهم المال لشراء قوارب جديدة وبالتالي تسيير رحلات موت أخرى. وفي الغرب يتحول كل نقاش حول المهاجرين غير الشرعيين إلى سياسة محلية حيث تستغله حركات اليمين المتطرف لتوسيع قاعدتها الإنتخابية على حساب الأحزاب التقليدية. ففي بريطانيا التي ستشهد انتخابات عامة بعد اسبوعين يتجنب الساسة موضوع المهاجرين بسبب تحوله لجزء من برامج الأحزاب المتطرفة مثل حزب الإستقلال اليميني الذي يأمل في الحصول على بطاقة التأهل للبرلمان من خلال نقد سياسات حكومة الإئتلاف (المحافظون والليبراليون الديمقراطيون). والوضع نفسه في فرنسا ودول غرب أوروبا التي ازدهر فيها اليمين بسبب العداء للمسلمين والمهاجرين. ويحسن الساسة في الغرب لعبة تبادل اللوم حول من يتحمل مسؤولية موت المهاجرين، وينعكس هذا على طبيعة الحلول المقدمة. فالجميع- أي الساسة- لا يريدون مزيدا من المهاجرين على حدودهم، ومن هنا جاء الحديث عن دور «المهرب» الشخصية القاسية الذي يغلب شهوة المال على مصلحة الناس. وكعينة من المقترحات التي ترد في تحليلات الصحف فقد اقترحت صحيفة «دايلي تلغراف» (20/4/2015) معالجة المشكلة من جذورها في بلدان المهاجرين أي حل مشاكل الحرب والفقر في أفريقيا ومساعدة اقتصاديات الدول، لكن المقترح يظل مثاليا ولن يمنع المهاجرين خاصة الشبان الباحثين عن تجربة للسفر إلى مناطق جديدة. وأشارت في السياق نفسه صحيفة «إنديبندنت» إلى انهيار الدولة الليبية ودور بريطانيا في الفوضى التي تبعت انهيار نظام الزعيم اللييبي معمر القذافي حيث تركت الولايات المتحدة ودول حلف الناتو البلد نهبا للصراعات الداخلية. ورغم أن رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رينزي قد ألمح لأصل المشكلة النابع من ليبيا واستعداد بلاده للقيام بعمل عسكري ضد المهربين إلا أنه عاد وأكد أن الخيار العسكري ليس على الطاولة. والمشكلة التي تواجهها أوروبا في التعامل مع موجات الهجرة تكمن في غياب التعاون بين بلدانه وسياساتها وهو ما أشارت إليه صحيفة «فايننشال تايمز» (16/4/2015) عندما دعت الأوروبيين لتمويل عملية إنقاذ جادة في البحر المتوسط خاصة أن هناك أعدادا متزايدة من المهاجرين الذين يحاولون الوصول إلى جنوب أوروبا. ودعت لشجب الكيفية التي ردت فيها الدول الأوروبية على الأزمة. واعترفت أن الفوضى التي تعم شمال أفريقيا قد حولت مشكلة هجرة مزمنة إلى أزمة. مشيرة إلى أن عام 2014 شهد وصول 220 ألف مهاجرة بزيادة أربعة أضعاف عن العام الذي سبقه. وأشارت إلى عملية «ميرنوسترام» (بحرنا) للبحث والإنقاذ التي مولتها الحكومة الإيطالية وأوقفتها فيما بعد بسبب الكلفة المالية الباهظة 9 مليون يورو في الشهر. وقد شجعت العملية كما يقول معارضوها على تدفق المزيد من المهاجرين. وحولت الحكومات الأوروبية فيما بعد انتباها على ضبط حدودها. ولكن وقف عملية «ميرنوسترام» لم توقف دفعات المهاجرين. وترى «فايننشال تايمز» أن تخلي الحكومات الأوروبية عن مهام البحث والإنقاذ غير أخلاقي فإن كان الناس يخاطرون بحياتهم فيجب على أي دولة متحضرة أن لا تتهاون في إنقاذهم.

أزمة أخلاقية

وإلى هذا أشار الكاتب والمعلق البريطاني كينان مالك في مقال نشرته «نيويورك تايمز» إلى نتائج إلغاء عملية «ميرنوسترام» واستبدالها بعملية أصغر «تريتون». وحلل فيه سياسات الاتحاد الأوروبي الفاشلة في التعامل مع أزمة الهجرة، مشيرا إلى أن الاتحاد الأوروبي قام بتشكيل سياسات خاطئة أولاها، ما وصفه نقاد «أوروبا القلعة» جدار محمي بدوريات برية وبحرية ونظام مراقبة عالي الدقة. ولاحظ صحافي من مجلة «دير شبيغل» زار غرفة الرقابة في وكالة الحدود الأوروبية (فورنتيكس) أن اللغة التي استخدمت فيها «ندافع عن أوروبا ضد العدو». الأمر الثاني أن الاتحاد الأوروبي كما يرى مالك تعامل مع المهاجرين كمشكلة جنائية مما يعني أنه لا يستهدف فقط المهربين. مشيرا لحادث عام 2004 الذي قام فيه طاقم سفينة ألمانية بإنقاذ 25 أفريقيا كانوا على متن قارب مطاطي. وعندما وصلوا إلى ميناء صقلية تم اعتقالهم لتقديمهم المساعدة لمهاجرين غير شرعيين. ولم تبرأ ساحة الطاقم إلا بعد معركة قضائية استمرت 5 أعوام. وفي عام 2007 منعت السلطات الإيطالية قاربي صيد تونسيين أنقذا مهاجرين من عرض البحر ومنعت طاقمهما من الرسو على لامبوديزا، الجزيرة الواقعة بين تونس وصقلية. ولم تتم تبرئة ساحة التونسيين إلا عام 2011. وفي ملمح ثالث وقاصر محاولة الاتحاد نقل المشكلة إلى شمال أفريقيا بالتعاون مع الأنظمة هناك وتحويل خفر سواحلها لوكلاء يمنعون المهاجرين، كما فعلت إيطاليا مع القذافي عندما دفعت له قبل عام من الإطاحة 50 مليون يورو لمنع المهاجرين. وفعل الأمر نفسه مع المغرب وتونس ومصر. ويعتقد مالك أن خطة استهداف قوارب المهاجرين غير أخلاقية وستدفع المهاجرين للبحث عن طرق أخرى. وأمام هذا الفشل في السياسات يتساءل ما الحل؟ إلغاء فكرة «اوروبا القلعة» وتخفيف القيود على حركة المهاجرين وفتح المجال القانوني لهم للهجرة. قد يقول البعض أن هذا سيفتح الباب أمام تدفق المهاجرين، لكن تحصين أوروبا لم يمنع تدفقهم أيضا. ويقول إن «أوروبا القلعة» لم تؤد فقط لبناء حاجز نفسي حول القارة بل أقامت حاجزا عاطفيا حول حس أوروبا بالإنسانية وحتى يتغير هذا فسيظل البحر المتوسط «مقبرة المهاجرين».

خطة فاشلة

وفي هذا السياق توافق مجلة «إيكونوميست» على أن الإجراءات التي تقدم بها الاتحاد الأوروبي لن تنجح. فهناك مليون مهاجر في جنوب القارة ينتظرون الحصول على فرصة حياة أفضل من الواقع الذي يعيشونه. فالعالم العربي في حرب انهارت فيه دول وشعوب، وقد تمتد نزاعاته لعقود طويلة، وفي أفريقيا تعاني شعوبها من الفقر والكوارث الطبيعية. والغريب أن أوروبا المستقرة لم تفهم بعد طبيعة الخيارات الصعبة المطروحة على سكان الدول القابعة جنوبها. وترى أنه من الصعب التعامل مع أزمة اللاجئين لأن وجودها دليل على وجود الحرب. فأنت لا تستطيع وقف موجات الهجرة لأن تحقيق الأمن في ليبيا وسوريا وإرتيريا مثلا صعب. وفي الوقت نفسه لا تريد الدول الأوروبية السماح لكل المهاجرين لأنها تريد أن تختار من يهاجر إليها لا أن يختارها المهاجرون. لكن أوروبا وبعد جرائم الحرب العالمية الثانية لا يمكنها الإمتناع عن تقديم المساعدة لأي لاجئ. وترى المجلة أن الموقف الأوروبي خلال العام الماضي بدا مترددا ويعبر عن انهيار في الأخلاقيات لأن الدول الأوروبية لم تضع إلا نسبة قليلة من الجهود من أجل إنقاذ اللاجئين. فقد ناقشت دول بمن فيها بريطانيا أن زيادة نسبة نجاة اللاجئين ستكون عاملا في زيادة موجات المهاجرين. ووراء استعداد الدول الأوروبية الوقوف أمام موت المهاجرين على أمل منع البقية من المحاولة عدم تعاون بين دول الاتحاد الأوروبي نفسها. وترى أن قادة الدول يتباحثون في شؤون الهجرة واللجوء في بروكسل لكنهم دائما ما يحاولون حماية مصالحهم الوطنية وعدم إثارة جدل أو السماح للأحزاب المعادية للمهاجرين بتوجيه أصابع النقد لهم. وتعتقد المجلة أن محاولات دول الاتحاد منع المهاجرين أدت إلى نتائج غير محسوبة، فجدار عازل بين تركيا واليونان جعل المهاجرين يعتمدون على التهريب. ولأن سياسة اللجوء في أوروبا تعني أنه يجب وصول المهاجر إلى الأراضي الأوروبية يخاطر المهاجرون بحياتهم للوصول إلى جزيرة لامبوديزا لتقديم طلب اللجوء. ومن هنا لا يمكن وقف قوارب الموت. وتقترح أن تتم معالجة المشكلة في المعسكرات التي يتجمع فيها المهاجرون قبل ركوبهم البحر، ودراسة طلبات اللجوء، فعندما يجد المهاجر أن طلبه نظر به فلا حاجة والحالة هذه لدفع المال للمهربين ومواجهة خطر الموت في عرض البحر. وتقول إن أوروبا لا يمكنها أن تضع حدا للعنف والفقر الذي يدفع الناس للهجرة ومع ذلك عليها أن تدعم جيرانها في الجنوب، وتدفع لتسوية في ليبيا بشكل سيؤدي إلى محاصرة المهربين. وعندما تبدأ أوروبا باستيراد المحاصيل المنتجة في شمال أفريقيا فقد تمنع المهاجرين الإقتصاديين من محاولة عبور البحر طالما أن هناك فرص عمل متوفرة. وفي المحصلة فحل مشكلة قوارب الموت تبدأ من أوروبا، فبدلا من التضييق على المهاجرين ووضع القيود إرضاء لمصالح انتخابية ضيقة على أوروبا التفكير بحكمة واحترام حاجة وإنسانية من دفعتهم الفاقة للبحث عن فرصة عمل شريفة، وتدفعه لركوب الطائرة بدلا من الجلوس في قوارب قديمة مزدحمة بالبؤس والتعب تتلاعب بها الأمواج ويحوم حولها ملاك الموت. وأهم ما كشفت عنه أزمة القوارب هذه «وهم» فكرة أوروبا التي تقدم نفسها كنموذج للدول الوطنية التي تعمل معا من أجل المصلحة المشتركة. وفي الوقت الحالي كشفت قوارب الموت عن خطل هذه الفكرة.

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية