اسطنبول – «القدس العربي»: باتت السواحل التركية بمثابة مقبرة تبتلع سنوياً المئات من الشباب والنساء والأطفال الفارين من الموت والفقر في بلادهم، في مسعى للوصول إلى أوروبا للبحث عن الحياة المنشودة التي تنتهي غالباً بالغرق أو الاعتقال أو الذل في مخيمات اللجوء في اليونان والدول الأخرى.
موجات الهجرة «غير الشرعية» تضاعفت بشكل كبير في السنوات الأخيرة بسبب تصاعد حدة الحروب والنزاعات في الدول العربية، لا سيما في سوريا والعراق، وبات السوريون وفلسطينيو سوريا يمثلون نسبة كبيرة من راكبي البحر الذين يحاولون الوصول إلى الضفة الأخرى.
أعداد ضخمة
تعد تركيا المعبر الرئيسي الأول للعديد من الفارين من ويلات الحروب في المنطقة العربية، ومحطتهم الأولى في طريق اللجوء للدول الأوروبية باتجاه اليونان، ولهذا تشهد سنوياً محاولات عديدة للهجرة غير الشرعية، ومن هذه الحالات ما يتم إلقاء القبض عليه من قبل قوات خفر السواحل التركية، ومنها من ينجح ويصل الضفة الأخرى، وآخرين تقبض عليهم قوات خفر السواحل أما أثناء محاولة عبور البحر، أو حين تتعرض مراكبهم للغرق، فتنقذهم القوات ذاتها. وقد بلغ عدد المهاجرين غير الشرعيين – الذين ألقي القبض عليهم خلال محاولتهم العبور من بحر «إيجه» باتجاه اليونان خلال العام الماضي- «7540» شخصاً، و»44» شخصاً متورطين في الاتجار بالبشر. ويقدر عدد المهاجرين غير الشرعيين الذين وصلوا إلى الدول الأوروبية من تركيا وليبيا ومناطق أخرى خلال العام الماضي، بحوالي 278 ألف شخص، منهم 170 ألف شخص استخدموا الأراضي الإيطالية، بينهم 142 ألف شخص اجتازوا الجزيرة قادمين من الأراضي الليبية.
كوارث متتالية
لا يكاد يمر أسبوع دون أنباء عن غرق قارب مهاجرين أو انتشال جثث لغرقى، أو انقاذ قارب مهاجرين وسط البحر أو اعتقال عشرات المهاجرين داخل الأراضي التركية أثناء تحضيرهم لركوب البحر أو تجاوز الحدود براً لليونان أو بلغاريا.
والأحد الماضي، أنقذت فرق خفر السواحل التركية قرابة 35 مهاجر، بينهم أطفال، بعدما غرق مركب كانوا يستقلونه في طريقهم إلى جزيرة «كوس» اليونانية.
ومنتصف الشهر الماضي، أوقفت شرطة خفر السواحل التركية باخرة، قبالة سواحل ولاية جنق قلعة شمال غربي البلاد، كانت تحمل على متنها نحو 400 مهاجر غير شرعي، يعتقد أنهم سوريون.
وأوضح والي المحافظة أحمد تشينار، أن الباخرة انطلقت من سواحل اسطنبول، عبر بحر مرمرة، وكانت تحمل مهاجرين غير شرعيين، وأن الشرطة قامت بإطلاق النار على الباخرة، لرفض قائدها إيقافها رغم التحذيرات التي وجهتها الشرطة.
وبداية العام الجاري، أوقفت قوات خفر السواحل التركية 333 مهاجراً غير شرعي، كانوا يحاولون الوصول إلى السواحل الأوروبية عبر المتوسط، على متن سفينة تجارية تحمل علم جمهورية «توغو» قبالة سواحل مرسين، جنوب تركيا.
وأفادت ولاية مرسين في بيان لها أن قوات خفر السواحل رصدت في الآونة الأخيرة – في منطقة شرق البحر المتوسط – عمليات نقل لمهاجرين غير شرعيين إلى إيطاليا بواسطة سفن النقل التجارية، وأنها لاحظت نقل كميات كبيرة من الأغطية والمواد التموينية إلى سفينة «بورتشن» تفوق حاجة طاقم السفينة، كما لاحظت نقل عدد كبير من المهاجرين غير الشرعيين من الساحل إلى السفينة بواسطة قوارب الصيد.
وأوضحت الولاية أن معظم المهاجرين كانوا من السوريين، فيما تم خلال العملية اعتقال 15 من المهربين، بينهم 4 أتراك، مشيرةً إلى أن خفر السواحل التركية أوقفت العام الماضي ألفاً و 754 مهاجراً غير شرعي، قبالة سواحل مرسين فقط.
ونهاية العام الماضي، قتل 28 مهاجرا في حادثة غرق القارب الذي كان يحمل على متنه مهاجرين غير شرعيين في مضيق البوسفور في تركيا، كما انتشلت جثث 18 مهاجراً في حادث غرق مركب آخر في المياه الدولية في بحر إيجه، غرب تركيا.
لكن الفاجعة الأكبر كانت نهاية عام 2012 عندما غرق مركب مهاجــرين قرب سواحل مدينة إزمير التركية وتوفي قرابة 61 شخصا بينهم 3 أطفال رضع و28 طفلا صغيرا، و18 أمرأة، معظمهم فلسطينيون وسوريون وعراقيون.
طرق الهجرة
وبحسب شهادات لأشخاص خاضوا التجربة أوضحوا لـ»القدس العربي» أن الساعين للهجرة من الأراضي التركية إلى أوروبا يتبعون العديد من الطرق في معظمها تكون نقطة الانطلاق الأولى هي سواحل تركيا الغربية المطلة على البحر المتوسط، للوصول إلى إحدى الجزر اليونانية القريبة ومن ثم بدء رحلة جديدة لدولة أوروبية أخرى.
وفي إحدى الطرق يتم استخدام قوارب مطاطية صغيرة للانطلاق من سواحل مدن إزمير ومرسين على الأغلب باتجاه إحدى الجزر اليونانية في مقابل مادي يتراوح بين 1000 و1500 يورو. ويتم دفع المبلغ المقرر من خلال مكاتب تأمين منتشرة في إسطنبول التركية والمدن اليونانية، وفي حال نجاح عملية التهريب يحصل المُهرب على المبلغ من مكتب التأمين.
وبعد وصول المهاجرين إلى اليونان، تتحفظ عليهم السلطات اليونانية، حيث يُوضعون في «كامب» (مخيم خاص للمهاجرين)، ويتم «تبصيمهم» ومن ثم يُمنحون «خارطية» (وهي ورقة طرد من اليونان)، ويُطلق سراحهم لتبدأ رحلة البحث عن مُهرّبين ينقلونهم إلى الدولة الأوروبية المنشودة.
وعن طرق الانتقال من اليونان إلى الدول الأوروبية الأخرى، أوضحت مصادر لـ»القدس العربي» أن ذلك يتم من خلال هوية أو جواز سفر مزوّر تُوضع عليه الصورة الشخصية للمُهاجر. وتُكلف بين 2500 ـ 3000 يورو للمُهاجر الواحد.
لكن هذه الطريقة كثيراً ما تفشل. خاصةً إذا كان الأمن في المطارات اليونانية مُشددا، حيث يقضي بعض المهاجرين من 7 ـ 8 أشهر في اليونان وهم يحاولون الدخول إلى إحدى دول أوروبا الغربية.
الموت أيضاً بـ«الأنهار»
التدابير الأمنية المشددة التي اتخذتها اليونان في الآونة الأخيرة على حدودها مع تركيا دفعت المهاجرين غير الشرعيين المتوجهين إلى أوروبا إلى تحويل وجهتهم إلى بلغاريا، عبر ولاية «قرقلر إيلي» الحدودية، شمال غربي تركيا.
ومن جملة التدابير التي أقدمت عليها اليونان بناء سياج شائك على طول حدودها مع تركيا، كما قام الإتحاد الأوروبي من خلال وكالته لأمن الحدود الخارجية بزيادة عمليات المراقبة الحدودية.
ويقطع المهاجرون غير الشرعيين نهر مريج في ولاية «أدرنة» والذي يشكل حداً طبيعياً بين تركيا واليونان من المناطق التي ينخفض فيها منسوب المياه، إلا أن الحركة تضاءلت في هذه المنطقة عقب حالات غرق لبعض المهاجرين، الذين استعاضوا عن ذلك بالعبور من بعض القرى الحدودية باتجاه اليونان.
وتزايدت في الآونة الأخيرة حركة عبور المهاجرين غير الشرعيين من المناطق الحرجية المجاورة لمعبر «دره كوي» الحدودي مع بلغاريا، حيث يتخفى المهاجرون في هذه المناطق، ريثما يحل الظلام، ليتابعوا طريقهم نحو الأراضي البلغارية.
وتشير تقارير تركية رسمية أن عدد الموقوفين في ولاية «أدرنة» ـ خلال محاولات تجاوز الحدود بطريقة غير شرعية ـ بلغ 16 ألفا و383 شخصاً، وتظهر التقارير أن السوريين يشكلون غالبية المهاجرين غير الشرعيين الذين حاولوا العبور إلى اليونان، منذ عام 2012، فضلاً عن مواطني إيران وأفغانستان وميانمار وباكستان.
إسماعيل جمال