الحاخام الأمريكي يسرائيل ديفيد وايس لـ «القدس العربي»: «إسرائيل» كيان مجرم نرفض التعاون معه وندعو إلى تفكيكه بسرعة

حاوره: مصطفى الخليل
حجم الخط
3

لا تتطابق السردية الصهيونية القائلة بأن أرض فلسطين هي «أرض الميعاد» التي وعد بها الرب بني إسرائيل، مع رؤية الكثير من التيارات الدينية اليهودية، وتأتي «ناطوري كارتا» في مقدمة الجماعات الدينية المناهضة لفكرة تأسيس دولة قومية لليهود تحت مسمى دولة إسرائيل.
وتنطلق ناطوري كارتا وهي جماعة حريدية من اليهودية الأرثوذكسية، وتعني بالآرامية حارس المدينة، من رؤيتها حول مزاعم الصهيونية من التلمود البابلي والأدب الحاخامي، الذي يرى أن «اليهود طردوا من أرض إسرائيل بسبب خطاياهم» وأن «أي محاولة لاسترداد أرض إسرائيل بالقوة هي مخالفة للإرادة الإلهية، وأن عودة إسرائيل لا تكون إلا بقدوم المسيح».
تأسست ناطوري كارتا في «القدس» على يد الحاخام «أمرام بلاو» عام 1938، وما زال العديد من منتسبيها يعيشون فيها حتى الآن، خاصة في حي «ميا شعاريم» كما يتبع لها الكثير من الفروع في بلدان العالم مثل نيويورك ولندن. اللافت في الأمر، أنه ومنذ انطلاق عملية طوفان الأقصى في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، قام أنصار ناطوري كارتا بتنظيم مظاهرات واحتجاجات مناهضة للكيان الإسرائيلي، بشكل شبه يومي في العديد من عواصم وبلدان العالم للمطالبة بإيقاف العدوان على غزة. معلنين أن «فلسطين أرض عربية» وأن «الصهيونية لا تمثل اليهودية».
في هذا الحوار الخاص مع الحاخام الأمريكي يسرائيل ديفيد وايس الناطق السابق باسم حركة ناطوري كارتا، تحدث فيه عن أسباب استخدام الحركة الصهيونية للدين اليهودي في تنفيذ مشاريعها الاستيطانية، ووجهة نظرهم بالمقاومة والدول العربية التي قامت بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل، وهذا نص الحوار:

□ تقولون إنكم ضد الصهيونية وضد دولة الكيان الإسرائيلي وإنكم تمثلون الديانة اليهودية الحقيقية، لماذا – برأيكم – استخدمت الحركة الصهيونية، الدين اليهودي على وجه التحديد لتنفيذ مشاريعها الاستيطانية في فلسطين؟
■ في بداية الأمر كانت الحركة الصهيونية بحاجة لدعم العالم من أجل إنشاء وطن قومي لأتباعها، ومن أجل الحصول على الدعم لهذا المشروع الضخم، استخدمت الديانة اليهودية، لأن زعماء الصهيونية بالأساس كانوا من أصل يهودي، وقد روجوا بأن التوراة تمنح بني إسرائيل أرض فلسطين، مستغلين بذلك جهل الجماهير اليهودية وعدم تعمقها بمعرفة التوراة. لكن الشعب اليهودي المخلص للتوراة، من الذين يعرفون أنه محرم علينا صراحةً إنشاء دولة، لأننا في المنفى بأمر إلهي، كانوا يعرفون حقيقة المخطط الصهيوني وأخطاره ليس على العالم فقط، بل على أتباع اليهودية الحقيقية.
في البداية أراد الصهاينة إقامة دولتهم في أوغندا، لكنها لم تكن تتمتع بالخصوبة التي تتمتع بها أرض فلسطين، وكان هذا هو السبب الوحيد الذي جعلهم يتجهون إلى فلسطين. لقد واجهت الصهيونية منذ بدء مشروعها في فلسطين معارضة الشعب الفلسطيني من مسلمين ومسيحيين ويهود، واليهود الفلسطينيون لم يرحبوا بهم ولم يرغبوا بهم، كونهم كانوا يعيشون بسلام في فلسطين. لذلك واجهت الصهيونية مشكلة فنية حاولوا حلها عن طريق الاضطهاد والقمع للقضاء على كل من يعارضهم.

□ ما هو تأثيركم في المجتمع الإسرائيلي؟
■ تأثيرنا ينحصر في الناس الذين يبحثون عن الحقيقة من الأتقياء، وهم بالطبع يتبعون الديانة اليهودية الحقيقية، لكن لسوء الحظ يتم تضليل الكثير من أبناء المجتمع اليهودي، لأنهم عرضة لقوة الدعاية الصهيونية التي تستخدم الترويج لتخويفهم. فالصهيونية تعمل باستمرار على تشويه صورة الفلسطينيين والمسلمين، ويدعون أنهم يعادون السامية وهم يساوون الفلسطينيين والمسلمين مع النازيين. للأسف هناك تأثير هائل لدعاية للصهاينة، لكن في الآونة الأخيرة بدأ الناس يعرفون الكثير عن اليهودية الحقيقية، ويعرفون الفرق بينها وبين الصهيونية.

□ ما هي نظرتكم لبعض الدول العربية التي قامت بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل؟
■ ربما يشعرون بأنه من الأفضل لجميع الشعوب أن تعيش بسلام، لكن – حسب اعتقادنا – لا يوجد سلام حيث يوجد الشر. لا يمكن أن يتحقق السلام في المنطقة طالما يوجد الكيان الصهيوني، فوجود هذا الكيان سيكون عائقاً أمام السلام. وندعو الله أن يتم تفكيك هذا الكيان بسلام وبسرعة، وعندها فقط يمكن استعادة السلام.

□ ما هي الصعوبات التي يعاني منها اليهود المتدينون في فلسطين، بسبب الاحتلال الإسرائيلي؟ وكيف يعيشون هناك؟
■ بمجرد وصول الصهاينة إلى فلسطين حاولوا إجبار المجتمعات اليهودية الفلسطينية على قبولهم كحكام جدد مسؤولين عن الأرض، لكننا رفضنا قبول الصهاينة منذ البداية، ولذلك قاموا بالاعتداءات والاعتقالات التعسفية بحق اليهود الفلسطينيين، وفي بعض الحالات قاموا باغتيال العديد من قادتنا وحاخاماتنا. ففي دولة الكيان الإسرائيلي هناك قانون خدمة عسكرية إلزامية للبنين والبنات، لكن المجتمعات اليهودية المتدينة رفضت الخدمة في الجيش الإسرائيلي، والبعض ممن رفض الالتحاق بالخدمة العسكرية ما زال قابعاً في السجون بسبب هذا الرفض. وعندما قام اليهود الفلسطينيون بالمظاهرات رفضاً للقرارات الإسرائيلية ردت الصهيونية برشهم بالمواد الكيميائية وضربهم في الشوارع. وهذه من الأمور التي لا تظهر في وسائل الإعلام، لأن هناك صمتاً عالمياً على ما يتعرض له اليهود الحقيقيون في فلسطين، وهذا ما يحدث لعموم الشعب الفلسطيني، فالعالم يرى كل ذلك، للأسف، لكن لا يبدو أن ذلك يؤثر على صمتهم. ولأننا ضد وجود دولة إسرائيل، ونرفض الاعتراف بشرعيتها، فمن الطبيعي أن نجد الكثير من الناس الذين يكرهوننا. وكما هو الحال في كل مجتمع، هناك أشخاص أكثر سعة في الأفق، وهم يحترمون وجهة نظرنا حيال الصهيونية ودولة الاحتلال، لكن في نهاية المطاف، كيهود، نحن صادقون مع الله، ولذلك نعاني من ظلم الاحتلال الصهيوني، ولسوء الحظ ليس لدينا القوة الكافية على إزالة هذا الاحتلال. لكننا نحاول ما في وسعنا، ولا نصمت أبدا على الرغم من تعرضنا للضرب المبرح من قبلهم تجدنا في اليوم التالي ننهض ونستمر في الوقوف.

□ هل يمكنكم لعب أي دور في تقريب وجهات النظر بين الحكومة الإسرائيلية والفصائل الفلسطينية؟
■ نرفض التعامل مع هذا الكيان الإجرامي، ولم نحاول أبدا على مر السنين العمل بطريقة أو بأخرى مع دولة إسرائيل، حتى أثناء محاولتهم إقامة دولتين أو أي شيء آخر، لأننا نعتبره تمردا كاملاً ضد إرادة الله. وفي رأينا أن الاحتلال بدأ عام 1948 مع قيام دولة إسرائيل في فلسطين، وهذا الاحتلال ضد إرادة أهلها من المسلمين واليهود والمسيحيين. ما نفعله، من خلال سياستنا، هو الذهاب إلى الدول الأخرى في العالم ومناشدتهم كي يعترفوا بأن سياسة الفصل العنصري التي تقوم بها إسرائيل غير مقبولة أبداً، وفي النهاية سيتوقف مسارها، لذلك نأمل زوال هذا الكيان الذي يسمى الدولة اليهودية وليس فقط الحكومة الإسرائيلية الحالية، وهذا هو عملنا المستمر الذي نسعى لأجله، ونتمنى أن يوفقنا الله في ذلك.
ليست القضية هي تقريب وجهات النظر، بل القضية هي إحلال السلام من خلال تحرير شعب فلسطين بالكامل، بدلاً من التشهير به ومحاولة تشويه صورته في أعين العالم. ونعتقد أن التشهير بالفلسطينيين هو أحد أهم الأسباب التي أدت إلى ذبحهم على يد دولة إسرائيل. يجب الاعتراف بالشعب الفلسطيني على أنه ضحية لاحتلال وحشي، وأنه على حق تماماً، ويجب على العالم دعم الموقف الفلسطيني في الحصول على فلسطين حرة، وهذا هو الأسلوب الذي سيجلب السلام تلقائياً.

□ كيف تنظرون للمقاومة الفلسطينية في غزة؟
■ الشعب اليهودي له تعاليمه وتوجيهاته الخاصة المستمدة من التوراة حول كيفية التعامل مع الظلم، وهو يختلف عن الشعوب الأخرى، لدينا نهج مختلف، لذلك لا يمكننا أن نتغاضى عن العنف، لكن بالتأكيد فإن شعب غزة والناس في كل فلسطين منذ اليوم الأول عندما قاوموا هذا الاحتلال، كانوا يريدون حريتهم، ونحن نعلم بوضوح أن سبب سفك الدماء هو الاحتلال فقط، فإذا توقف الاحتلال، سوف يتوقف سفك كل هذه الدماء. لكن ما هو حجم سفك الدماء الذي سيحدث إذا استمر الصهاينة بالاحتلال؟ من الطبيعي أن كل فعل يأتي بردة فعل، وهذا يؤذي الجميع، عندما ترى الناس يموتون بسبب الاضطهاد، فإنه تلقائيا سيصلون إلى موقف( للرد) وذلك بغية حماية أنفسهم من التعرض للموت والمعاناة والاضطهاد، والسبب لأنهم يريدون حريتهم، ونحن لا نتغاضى عن جرائم الصهيونية في غزة وفي عموم فلسطين، ونحن نصلي ونعمل من أجل إزالة هذا الاحتلال، الذي هو السبب الجذري لكل سفك الدماء في فلسطين.

□ ما هو موقفكم من الأماكن المقدسة في فلسطين، مثل القدس والمسجد الأقصى وحائط المبكى؟
■ الحاخام الأكبر لفلسطين، الحاخام يوسف حاييم زوننفيلد (1848 – 1932) كتب عن «موقف اليهود والتوراة التقليدي من الأقصى» وفي عام 1929، أصدر بياناً رسمياً، وجاء فيه: «إن اليهود لا يريدون بأي حالٍ من الأحوال أن يأخذوا ما ليس لهم، وهم بالتأكيد لا يريدون الاعتراض على حق السكان الآخرين في الأماكن التي يشغلونها، والتي يعتبرونها شريفة ومقدسة، وعلى وجه الخصوص لا أساس للإشاعة القائلة بأن اليهود يريدون الاستيلاء على جبل الهيكل». وعلى العكس من ذلك، منذ أن تم نفينا من الأرض بسبب خطايانا، تم تدمير هيكلنا المقدس، ونحن نفتقر إلى الطهارة المطلوبة، ولذلك يُحظر على أي يهودي أن يضع قدمه على الأرض، أراضي جبل الهيكل. وللمضي قدما، في قضية القدس وحائط المبكى قال الحاخام دوشينكي: «نحن لا نريد أن يكون هناك أي حكم يهودي في أي جزء من الأرض المقدسة، وبالتالي نريد ببساطة أن تكون القدس تحت رعاية حكم السكان الأصليين، الشعب الفلسطيني، ومثلها حائط المبكى، فكما نعلم طوال مئات السنين، كان تحت الوقف ( الإسلامي ) وقد سمحوا لليهود بالصلاة هناك عند حائط المبكى». وهكذا كان الأمر حتى بدأ الصهاينة باستفزازاتهم، وللأسف بعض الأشخاص الذين يشبهون اليهود المتدينين، يسيئون استخدام التوراة لتبرير كل هذه الاستفزازات. لكننا نستنكرها ونقول إن كل ما تمثله الصهيونية مخالف للتوراة.

□ ما الذي تودون قوله للعالم الإسلامي؟
■ نريد أن نشكر المسلمين على مضي مئات ومئات السنين لأنهم يستضيفوننا في أراضيهم، وكانوا كرماء معنا، مما منحنا ملاذاً آمناً، لنتمكن من العيش والازدهار في أراضيهم. ونحن ممتنون جدا للعالم الإسلامي، ونحن بالطبع، لا نعتبر المسلمين معادين للسامية كما تروج الدعاية الصهيونية، ونتألم جدا بسبب قيام الدعاية الصهيونية بمحاولة تشويه سمعة المسلمين، ونشعر بالحرج والإحباط بسبب ذلك. واليهود المتدينون في فلسطين وفي كل أنحاء العالم يعانون مثلما يعاني بقية الشعب الفلسطيني، خاصة اليوم، نتيجة ما يتعرض له شعب غزة من عدوان همجي، ونحن لسنا صامتين على هذا العدوان، وندعو الله كل يوم من أجل إنهاء الاحتلال نهائياً، وكان الله في عوننا. جهودنا في هذه الفترة تنصب نحو هدف واحد فقط، وهو تحقيق السلام بسرعة، ولأجل ذلك نقوم بشكل مستمر بالتظاهرات والاحتجاجات المناهضة للعدوان الصهيوني على غزة، في فلسطين وفي القدس وفي نيويورك ولندن وكندا، وكذلك نتجول باستمرار بلا كلل في الكثير من عواصم ومدن العالم، منذ خمسة شهور وحتى الآن، لتوضيح حقيقة الصهيونية وخطرها على العالم. ولأجل ذلك حضرنا العديد من المؤتمرات الهادفة للتضامن مع غزة، في إيران وفي جنوب افريقيا وتركيا، ونناشد العالم أجمع كي يدرك أنه من غير المقبول ومن غير الشرعي أن يستمر هذا العدوان.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية