صحيفة عبرية: 7 أكتوبر ينهي مفهوم “العالم تعب من الفلسطينيين”.. وإسرائيل أمام خيارين أحلاهما مر

حجم الخط
1

“وينك يا غزة؟ راحت غزة”. صرخة من هذا القبيل تنبعث من أفلام كثيرة ترفع في الشبكات الاجتماعية الفلسطينية في الأشهر الأخيرة، وأساساً من قبل من يعودون إلى مناطق سكناهم ويكتشفون حجم الخراب. في شريط ملأ الشبكة، يظهر فلسطيني يدور في مركز مدينة غزة، حيث كان النصب التذكاري للجندي المجهول وإلى جانبه مبنى البرلمان، ويكتشف بأن المنطقة أصبحت ساحة كبرى مليئة بالأنقاض وأرضاً حرثتها جنازير الدبابات.

رغم التقتيل والتدمير غير المسبوقين، في نظر فلسطينيين كثيرين تفوق إنجازات الحرب أضرارها. يقبع في المركز الفخار بأن حماس، الجهة التي تعد ضعيفة نسبياً في نظر إسرائيل، أوقعت بها الضربة الأكثر إهانة في تاريخها. وثمة إنجاز إضافي، وهو انهيار العقيدة القائلة إن العالم تعب من الفلسطينيين، وأن بإمكانه تحقيق التطبيع حتى دون حل مشكلتهم. الحرب، كما يفتخر الفلسطينيون تجسد قوتهم على إشعال الشرق الأوسط من لبنان وحتى اليمن، بل وإحداث اضطراب في العالم كله.

يحيى السنوار يرى فيها مهمة حياته، وخطط لها على مدى نحو عقد بشكل عقلاني وليس انطلاقاً من الجنون كما يميل لوصفه الكثيرون عندنا. ففي ضوء معرفته العميقة بالمجتمع الإسرائيلي – بعد 23 سنة في السجن – ربما قدر بأنه لن يهزم إسرائيل في 7 أكتوبر، لكنه تطلع إلى أهداف أخرى: إنتاج صدمة وعدم أمان في الدولة، واغتراب في المجتمع وبينه وبين الحكم، وكذا حساب دموي حاد بين الشعبين يمنع أي إمكانية لتسوية سياسية. المعركة التي تطورت كانت على ما يبدو أشد مما توقع، وأظهر المجتمع الإسرائيلي مناعة أكبر مما قدر، لكن واضح أنه نجح في تحقيق بعض من أهدافه الاستراتيجية.

 وبالفعل، تجمل حماس الحرب في ميزان مختلط يميل إلى الإيجاب. من جهة، صفي عدد كبير من النشطاء والمسؤولين (7 من أعضاء المكتب السياسي وعلى رأسهم مروان عيسى؛ وثلاثة قادة ألوية؛ وبالطبع صالح العاروري)، وتضررت قوة المنظمة عسكرياً، وبخاصة المنظومة الصاروخية. إضافة إلى ذلك، لم تنضم ساحات أخرى إلى الحرب؛ الأمر الذي تسبب بخيبة أمل لدى حماس: في الحدود الشمالية، التصعيد محدود أكثر مما يتطلع السنوار؛ وفي الضفة لم تنشأ انتفاضة ثالثة؛ وفي البلدات العربية والمختلطة في إسرائيل والتي اشتعلت في حملة “حارس الأسوار” بقي هدوء نسبي.

بعض من قادة حماس تلقوا ضربة شخصية – عائلية قاسية في الحرب، مثلما برز هذا الأسبوع في تصفية ثلاثة أبناء وبعض أحفاد إسماعيل هنية. وهكذا، ينضم رئيس المكتب السياسي إلى سلسلة طويلة من كبار مسؤولي حماس الذين فقدوا أقرباء لهم في المواجهات مع إسرائيل مثل محمد ضيف، الأمر الذي يعزز صورتهم في الشارع الفلسطيني بقدر كبير. كما أن الخطوة رفعت إلى السطح حواراً ثاقباً داخل إسرائيل في ضوء التخوف من تشويش محتمل لصفقة تحرير المخطوفين.

لكن حماس تتفاخر بالصمود؛ فالمنظمة تحظى بعطف جماهيري واسع وتكاد لا تلقى انتقاداً داخلياً: قسم مهم من قيادتها نجا وعلى رأسها السنوار وضيف؛ والمنظمة ذات الجينات المرنة والمتكيفة تواصل إدارة القتال، بما في ذلك في شمال القطاع، وتجتث محاولات إقامة بدائل في شكل عشائر أو عودة السلطة، وتشكل عنواناً للمفاوضات في مسألة المخطوفين. هذا ما لاحظه نسيبة بلذع: “الهدف الأول الذي أعلنت عنه إسرائيل هو تصفية حماس. نحن في الشهر السادس للمواجهة. فمع من يتباحث الجميع؟ حماس! مع من تجلس قطر ومصر المخولتان بإدارة المفاوضات عن الولايات المتحدة وإسرائيل؟ مع حماس!”.

الحل غير قابل للتطبيق

استطلاعات المركز الفلسطيني للسياسة ومسوح الرأي العام برئاسة د. خليل الشقاقي تعكس الميول المنصوفة. أظهر استطلاع نشر مؤخراً أن أكثر من 70 في المئة من عموم المستطلعين في الضفة وغزة يؤيدون هجمة 7 أكتوبر، نحو 90 في المئة ينفون أن حماس ارتكبت مذابح، نحو 70 في المئة راضون عن أداء المنظمة في الحرب، ونحو 60 في المئة معنيون بأن تحكم غزة في اليوم التالي. هذا، إلى جانب التقدير تجاه كل جهة تعادي أو تمس بإسرائيل (اليمن، حزب الله، إيران، وروسيا) والاحتقار لمن يدعمها، حتى لو كان يساعد الفلسطينيين (الولايات المتحدة أساساً)؛ تأييد الكفاح المسلح كاستراتيجية وطنية رائدة (46 في المئة مقابل 32 في المئة يؤيدون المفاوضات)؛ وكذا تأييد الزعماء الكفاحيين مثل مروان البرغوثي الذي ينتصر في كل سيناريو تنافسي على الرئاسة، إلى جانب النفور من أبو مازن (93 في المئة من المستطلعين في الضفة يتطلعون لأن يعتزل).

يوضح الشقاقي نفسه في حديث معي هذا الأسبوع، فيقول: معظم الفلسطينيين يرون في 7 أكتوبر خطوة ولدت من أصل سنوات من المواجهة والقمع. هم يؤيدون الهجوم ويعتقدون بأنه أعاد القضية الفلسطينية إلى مركز الخطاب العالمي. هناك انتقاد داخلي على تداعيات الهجوم، لكن واضح أن الأصوات ضعيفة في ضوء أجواء الحرب.

أما بشأن المستقبل فيشرح الشقاقي: “حتى لو أبيدت قدرات حماس العسكرية، فإنها ستواصل وجودها في المستوى السياسي والاجتماعي، ومعقول أن تحصد إنجازات معتبرة في انتخابات مستقبلية، لكن ليس هناك يقين في الفوز فيها”.

 البروفيسور سري نسيبة، من المفكرين البارزين في الساحة الفلسطينية ووزير سابق في السلطة يشرح: “الحرب أعادت الشعبين إلى نقطة الصفر في النزاع. في الحالة المتفائلة والأقل معقولية، ستؤدي المواجهة إلى تسوية سياسية؛ أم المعقولة والمتشائمة فستؤدي إلى دولة واحدة يقاتل فيها أحد الشعبين المتعاديان الآخر. الفلسطينيون غير ناضجين للاستقلال وملزمون بمعالجة الأمراض الداخلية، وعلى رأسها الفساد العميق”. ومثل الشقاقي، يؤكد نسيبة بأن “النقد ضد حماس قائم، لكنه يقف في ظل ارتفاع المعنويات من الإنجاز العسكري والتباهي بوجود تأييد عالمي واسع للفلسطينيين.

البروفيسور شلومو بن عامي من أوائل “الصاحين” في إسرائيل – في أعقاب فشل محادثات كامب ديفيد ونشوب الانتفاضة الثانية – يعرب عن نهج متشائم في ضوء وضع الشعبين، وخاصة الفلسطينيين. “حل الدولتين غير قابل للتطبيق”، ويضيف: “أنا آخر من ينفي بأن يكون التوسع الاستيطاني والجنون المسيحاني هما أحد الأسباب، لكن المشكلة العميقة كانت وتبقى – غياب فكرة فلسطينية إيجابية أصيلة، لبناء وتنمية مادية وبشرية، مثلما كانت الصهيونية في طريقها لإقامة الدولة. لو كانت للقيادة الفلسطينية رؤية كهذه، لما رفضت مقترح السلام الذي يعطيها 97 في المئة من الأرض بدلاً من 100 في المئة. حتى الآن لا يوجد مؤشر على أن أحداً ما في القيادة الفلسطينية – ناهيك عن حماس – غير موقفه إزاء مخطط السلام الذي طرح من قبل. فضلاً عن ذلك، لا تزال م.ت.ف تدرس الوحدة مع حماس، الأمر الذي لن تقبله إسرائيل أبداً. لا احتمال لتسوية بروح الدولتين دون حسم فلسطيني داخلي، وواضح أنه مطلوب من إسرائيل قرارات حاسمة أيضاً”.

يستخلص الإسرائيليون بالتدريج استنتاجين متضاربين من 7 أكتوبر: الأول أنه لا منفعة من وجود دولة واحدة وبأن الاختلاف في القيم الأساس بين المجتمعين لا يسمح بحياة مشتركة؛ والثاني بأن حرية فلسطينية كاملة معناها تهديد وجودي كما ثبت في غزة منذ فك الارتباط في 2005. ستكون قيادة إسرائيل مطالبة بمناورة واعية بين القطبين: من جهة تدفع قدماً بفاصل مادي، لكن من الجهة الأخرى تتأكد من ألا تنشأ تهديدات من جهة الفلسطينيين، ما يستدعي مثلاً تحكماً إسرائيلياً ببواباتهم إلى العالم. إن استمرار تجاهل الموضوع الفلسطيني فضلاً عن النقاش في قرارات تاريخية حاسمة، مثلما يسود في إسرائيل حتى قبل نحو نصف سنة، وبدلاً من ذلك تفضيل “طرق الوسط” بروح إدارة النزاع – نهايته أن توقع على الإسرائيليين ضربات صادمة أخرى من نوع 7 أكتوبر.

د. ميخائيل ميلشتاين

 يديعوت أحرونوت 12/4/2024

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية