جاء رمضان وحل العيد ومضى على غزة، كان رمضان داميا وعيدا معفرا بلون الدم، أرسل فيه قادة إسرائيل الفاشيين رسائل تنم عن رقصة حرب فارغة، لم يتوقف قتل العزل والأطفال الأبرياء في صورة عن الانحطاط الذي وصلت إليه الطبقة السياسية ومعها قطاع كبير من الإسرائيليين الذين حملوا معهم نبي الانتقام إلى غزة، سرقوا ونهبوا ودمروا الممتلكات. وقال جندي إن كل واحد من أفراد وحدته سرق آلة صناعة القهوة من بيوت الغزيين، هذا إلى جانب تصوير الجنود أنفسهم وهم يسرقون الممتلكات، ونشر السرقة على منصات التواصل الاجتماعي، إنهم يعيثون الفساد في كل مكان في غزة، كما يشعل المستوطنون الذين تحولوا إلى رعاة أغنام في الضفة الغربية ويبحثون عن العجل المقدس لتحقيق حلمهم التوراتي. وما حدث يوم الجمعة في بلدة أبو فلاح والمغير قرب رام الله من إشعال السيارات وحرق البيوت واستهداف السكان صورة عن الفوضى التي يشعلها بنيامين نتنياهو ووزارؤه المتطرفون باسم حماية الأمن.
إنه مجتمع يقف على حافة الهاوية، فمن أجل حماية نفسه والبقاء في السلطة يشعل نتنياهو النيران بالمنطقة ويحاول افتعال حروب وجر الولايات المتحدة ورئيسها العجوز إلى معاركه. واللافت أن جو بايدن، هو من تولى مهمة الإعلان عن موعد رد إيران على استهداف قنصليتها في دمشق الأسبوع الماضي وقتل قائد بارز في الحرس الثوري. ورغم الإحباط من تصرفات إسرائيل التي تصرفت بدون إنذار أمريكا حسبما ورد في صحيفة «واشنطن بوست» (11/4/2024) إلا أن وزير الدفاع لويد أوستن أرسل قائد القيادة الوسطى الجنرال إريك كوريلا من أجل تنسيق الرد الإسرائيلي على الرد الإيراني الذي قال بايدن إنه قريب جدا محذرا إيران بلهجته المعروفة «لا تفعلي» تماما كما يحاول والد تعنيف ابنته، لكن إيران ليست ابنته.
والغريب أن الرئيس الأمريكي لا يزال يعيش في سنوات السبعينات، حيث انتخب لأول مرة كسناتور وزار إسرائيل في أثناء الحرب الباردة، وعلقت في ذاكرته القديمة قصة لقائه مع غولدا مائير ولكن الزمن تغير، كما قال رشيد خالدي في مقال مطول نشرته صحيفة «الغارديان» (11/4/2024) وها هي أجيال من الأمريكيين تعيد النظر في العلاقة الإستراتيجية مع إسرائيل، فما تفعله بالمنطقة وغزة والفلسطينيين تحديدا يعرض مصالح الولايات المتحدة والجنود الأمريكيين بالمنطقة للخطر، ولم تعد والحالة هذه الرصيد الإستراتيجي الذي تتحدث عنه واشنطن ومعها منظومة من الدول الغربية التي تتداعى للدفاع عن إسرائيل في كل مرة ترتكب فيه جريمة أو تزعزع استقرار المنطقة. ومع ذلك أرسلت واشنطن بوارج بحرية لكي تخيف إيران. تغير الزمن ولكن العادات القديمة من الصعب موتها، كما يقول المثل الإنكليزي.
فشل الجيش الذي لا يقهر
وقد كشفت حرب غزة عن فشل أخلاقي واستراتيجي للجيش الإسرائيلي، ونشرت في الأيام الأخيرة تقارير في الصحافة العبرية والأمريكية والبريطانية وغيرها تتحدث عن هذا الفشل، وقالت مجلة «إيكونوميست» (11/4/2024) إن الحرب في غزة كشفت عن ضيق نظر إسرائيل، لأن القوة وحدها ليست السبيل نحو الأمن. فلطالما تباهت إسرائيل بجيشها الذي لا يقهر، وهي الأسطورة التي انتشرت في الغرب بعد هزيمته الكاسحة لجيوش أنظمة عربية في وقت سريع عام 1967 واحتلاله أراض عربية، وأهمها مصر، زعيمة العروبة في حينه. إلا أن إسرائيل وبعد 58 عاما من احتلال الأرض الفلسطينية لم تعد تلك القوة التي لا تقهر، ولم تعد تنتصر بسرعة البرق، لا جيشها ولا أنظمتها الإستخباراتية، وقد أثبتت هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر خطأ النظرية عن الجيش المدجج بالسلاح، ومع ذلك فقد ذهب إلى غزة بفكرة أنه سينتصر وستكون حربه فيها جيدة. إلا أنه فشل حتى الآن في تحقيق أقل قدر من أهداف الحرب التي رسمها الساسة والجنرالات في حكومة الحرب، وهي «تدمير» حماس وإخراجها من معادلة الحكم في غزة وتحرير الأسرى لديها. وتقول «إيكونوميست» إن الفشل الإسرائيلي هو استراتيجي وأخلاقي، ذلك أن إسرائيل تخلت عن مسؤولياتها كقوة محتلة لحماية المدنيين وتوفير الضروريات لهم كما تقتضي قواعد الحرب، بل وأدى اعتماد جيشها على القوة المفرطة إلى سقوط الآلاف وتدمير البنية التحتية في غزة وتشريد معظم السكان الذين تركوا رهنا للجوع والعطش والأمراض، بشكل خلق مجاعة كان يمكن منعها. وكالعادة وأمام رفض نتنياهو فتح المعابر البرية والسماح لآلاف الشاحنات التي تنتظر على الجانب المصري الدخول، لجأ إلى الإنزال الجوي والإعلان عن رصيف بحري قبالة شاطئ غزة، سينتهي كما يقول المراقبون تحت السيطرة الإسرائيلية، ولم يتحرك بشكل عملي ولوح بشروط على المساعدات العسكرية إلا عندما قتلت إسرائيل عمال الإغاثة التابعين للمطبخ المركزي العالمي.
حاصروهم حتى الموت
ولكن أمرا لم يتغير على المساعدات الإنسانية. ذلك أن إسرائيل تمنع تقريبا كل شيء، وحسب قائمة نشرتها صحيفة «واشنطن بوست» (11/4/2024) فقد منعت دخول العكازات وأكياس النوم ذات اللون الأخضر (لأنه لون غير محايد سياسيا) ومقصات الأظافر والخيوط الطبية والستر الواقية لحماية الصحافيين وعمال الإغاثة والأهم من ذلك «الكرواسان بالشوكولاتة» والسبب أنه طعام فاخر لا يتناسب مع الحرب. ولطالما تبنت إسرائيل فكرة تجويع الناس في غزة وحرمانهم من كل شيء وإطعامهم بدرجة لا يموتون فيها. وكشفت صحيفة «ديلي تلغراف» (11/4/2024) أن الضابط نوشي ماندل الذي سرح من وحدة ناحال بعد مقتل عمال الإغاثة السبعة، دعا إلى محاصرة غزة تماما، وأرسل الضابط المستوطن في الضفة الغربية رسالة وقعها 130 من جنود الاحتياط طالبوا فيها الجيش بمنع دخول المساعدات الإنسانية ووقف عمل المستشفيات في مدينة غزة بعد إخلائها. وجاءت فكرة الحصار الشامل من أجل إجبار حماس على الإفراج عن 130 أسيرا إسرائيليا. وجاء في الرسالة :»كما نفهم، فقوانين الحرب تسمح وتبيح، فرض حصار على مناطق معينة، بشرط فتح ممرات خروج للمواطنين الذين يعيشون فيها». وقال المحامي البريطاني مايكل مانسفيلد، مدير نيكس تشامبرز إن الرسالة مهمة للمحققين الذين يحققون في حادث مقتل عمال الإغاثة، والذي قالت إسرائيل إنه بالخطأ، وهو ما رفضه مؤسس المطبخ ودول قتل أبناؤها في الحادث. وأكد مانسفيلد أن الرسالة لا تستهدف حماس فقط ولكن كل غزة من خلال استخدام الإغاثة كسلاح. وما ورد في تحقيق الصحيفة، ليس جديدا، فقد بدأت الحملة لتجويع الغزيين بتصريحات وزير الدفاع يواف غالانت عن «الحيوانات البشرية» في غزة وفرض حصار عليها ومنع كل شيء من ماء وطعام ووقود وغير ذلك، وتكشف قائمة «واشنطن بوست» عن حجم الممنوعات إلى جانب العمليات البيروقراطية التي تؤخر دخول الشاحنات إلى القطاع لأسابيع أن لم تكن لأشهر.
ولعل الفشل في تحمل إسرائيل مسؤولياتها بحماية السكان كان سببا في الكارثة الإنسانية إلى جانب استخدام القوة المفرطة، وكما كشف تحقيق لمجلة +972 ولوكال كول والغارديان، فقد استخدمت إسرائيل تقنية الذكاء الاصطناعي لتحديد قائمة قتل، وتوصلت إلى 37.000 هدف استخدمها الجيش بدون فحص أو تدقيق لطبيعة الهدف، حيث تم قتل الهدف بين ومع أفراد عائلته. ورغم نفي إسرائيل استخدام التقنية وتأكيدها على أن البشر هم من يتخذون قرارات الاستهداف، إلا ان الانضباط قد انهار في صفوف الجيش، فكان كل قائد وحدة أو منطقة يصدر أوامر القتل والهدف بأي ذريعة، سواء العثور على كلاشينكوف في بناية أو كتاب ديني يعتقد الجنود أنه من أدبيات حماس. وكما قال أحد الضباط إن استدعاء قوة جوية تتراوح من مسيرات قتالية إلى أف-35 لم يحدث أبدا في حرب خاضها الجيش الإسرائيلي ما أدى للدمار وقتل المدنيين. وتقول «إيكونوميست» إن قادة إسرائيل والضباط السابقين منهم تبنوا فكرة القوة والقصف والرصاص كبديل عن الرؤية السياسية لنهاية الحرب، وبهذا تجاهلوا قاعدة مهمة في مبادئ الحرب التي رسمها منظر الحرب كارل فون كلاوزفيتز، وهي أن الحرب هي استمرار للسياسة. ومن هنا أدت تصرفات الجيش في غزة لخرق قوانين الحرب والقوانين الإنسانية، ما يعني أن الدول التي ساعدته وخاصة أمريكا باتت متواطئة في حرب الإبادة وجرائم الحرب.
الطريق إلى رفح
ورغم الفشل الإستراتيجي والأخلاقي للجيش الإسرائيلي وبالضرورة النخبة السياسية الحاكمة في إسرائيل والمجتمع بشكل عام الذي بات يدعم كل أهداف الحرب، بما فيه تهجير الفلسطينيين وعودة الاستيطان إلى غزة، أعلن نتنياهو عن موعد الدخول إلى رفح، بهدف القضاء على ما تبقى من كتائب حماس هناك وهي أربع كما يزعم. وعندها سيجد الفرصة لإعلان نهاية الحرب والادعاء بأنه انتصر على حماس، حتى لو بقي قادتها على قيد الحياة ولم يتم العثور أو الإفراج عن الأسرى الإسرائيليين لديها. كل هذا رغم تحذيرات الولايات المتحدة والمحللين، سواء داخل إسرائيل أو خارجها من تداعيات الحرب الكارثية. وقالت صحيفة «وول ستريت جورنال» (12/4/2024) إن إسرائيل تواجه احتمال خسارة هذه الحرب، مع فقدان القتال زخمه وعدم وجود خطة متماسكة لما بعد الصراع. وأضافت أن عملية غزو قطاع غزة باتت متعثرة مع سحب القوات الإسرائيلية من خان يونس في 7 نيسان/إبريل أي بعد ستة أشهر من بداية الحرب، ما فتح الباب أمام حماس للعودة إلى المناطق وفشل الجيش الإسرائيلي بتحقيق أهداف الحرب. وفي فوضى القرار السياسي، حمل قادة الجيش والسياسيون نتنياهو المسؤولية لرفضه تقديم خطة اليوم التالي، ما ترك فراغا سياسيا تستغله حماس لإعادة فرض نفوذها على القطاع. وبدون خطة سياسية تترجم ما تم تحقيقه من إنجازات عسكرية على الأرض فستخسر إسرائيل الحرب. ورغم إعلانها تحقيق نجاحات ضد حماس، إلا أنه في السر، يشعر العديد من الضباط والجنود العاديين بالقلق إزاء احتمالات تبديد نجاحاتهم التكتيكية ضد حماس بسبب التردد السياسي. وكلما طال أمد الحرب زادت عزلة إسرائيل الدولية وتوترت العلاقات مع الولايات المتحدة وزادت الخسائر العسكرية والاقتصادية في بحث نتنياهو عن وهم النصر الزائف.
انسوا غزة
وكان توماس فريدمان، المعلق في صحيفة «نيويورك تايمز»(10/4/2024) واضحا في موقفه حيث دعا لوقف إطلاق النار والخروج من غزة وبعدها إعادة النظر في كل شيء، بل وكان فريدمان الحريص على أمن إسرائيل منفتحا على فكرة ترك غزة لحماس التي يرى أنها القوة الضعيفة لكنها المتماسكة بعد الحرب والقادرة على إدارة غزة بدلا من تحول القطاع إلى صومال جديدة على البحر المتوسط. ويعرف عن فريدمان عداءه لسياسة نتنياهو وهو مثل غيره يحمله مسؤولية الكارثة الإسرائيلية في غزة، قائلا: «إنه خطير ومزعج لدرجة أن الخيار الأفضل أمام إسرائيل، في نهاية المطاف، قد يتلخص في ترك بقية قيادات حماس في السلطة في غزة». وأضاف: «قلت في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي إن إسرائيل ترتكب خطأ فادحا بالاندفاع المتهور إلى غزو غزة، كما فعلت أمريكا في أفغانستان بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر. اعتقدت أن إسرائيل كان ينبغي عليها أن تركز أولا على استعادة رهائنها، ونزع الشرعية عن حماس بسبب هياجها القاتل والكاسر في 7 تشرين الأول/أكتوبر، وملاحقة قيادة حماس بطريقة مستهدفة، شبيهة بالرد على هجوم ميونيخ وليس مثل ما فعلت أمريكا في درسدن في الحرب العالمية الثانية». وطالب إسرائيل في البداية أن تخوض هذه الحرب «بأقل قدر من الأضرار الجانبية التي تلحق بالمدنيين الفلسطينيين، وأن ترفقها بأفق سياسي لعلاقة جديدة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، مبنية على الدولتين». وأكد أن نتنياهو وأركان قيادته من العسكريين السابقين اختاروا الأسوأ وهو نهج التدمير الكامل أو «نهج درسدن» وكانت استراتيجية مجنونة تماما، أدخلت إسرائيل في حرب لا يمكن كسبها سياسيا، وانتهى بها الأمر إلى عزل أمريكا، وتعريض مصالحها الإقليمية والعالمية للخطر، وتقويض دعم إسرائيل في الولايات المتحدة، وكسر قاعدة الحزب الديمقراطي للرئيس بايدن. ودعا والحالة هذه إلى تغيير في مسار السياسة الإسرائيلية وترك غزة لأهلها، أو كما قال ليحيى السنوار الذي سيواجه غضب الناس بعد الحرب. ورجا إسرائيل بألا تنجرف إلى أوحال رفح واحتلال غزة بشكل دائم، لأن ذلك سيشكل كارثة.
وبنفس المثابة قال المعلق ديفيد فرينتش بمقال في صحيفة «نيويورك تايمز» (7/4/2024) إن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يرتكب في غزة نفس أخطاء الولايات المتحدة في العراق. وأشار إلى فشل إسرائيل في تقديم المساعدات الإنسانية، مضيفا أن حرب المدن والعصابات تجعل من المحتوم على الجيش الغازي تقديم المساعدات الإنسانية للسكان، لأنه ضرورة عسكرية، فالحصيلة الرهيبة من القتلى والمجاعة التي تلوح بالأفق في غزة مأساة إنسانية وهما نتاج الحرب، و«كما تعلمنا من حروبنا في الخارج فلن يستطيع الجيش الإسرائيلي الانتصار حتى يوفر الاحتياجات الأساسية للغزيين». وأضاف أن أمريكا ارتكبت أخطاء في العراق بعد نصرها الحاسم على صدام ما قادها للتورط في واحد من أطول النزاعات في تاريخها، ذلك أن الجيش الأمريكي في العراق، كما الإسرائيلي في غزة، خلق فراغا سهل على الطرف الآخر ملأه. ويعتقد أن الفشل في تحمل إسرائيل واجباتها القانونية والأخلاقية تجاه الشعب الذي تحتله في غزة يعني مواجهة إسرائيل هزيمتها الكبرى.
وحده بيني موريس
الصوت النشاز في جوقة المحذرين والمتهمين كان المؤرخ الإسرائيلي المعروف بيني موريس والذي اشتهر مع «المؤرخين الجدد» وهي مجموعة من الباحثين الذين كشفوا عن وهم أسطورة النشوء الإسرائيلي، وكان موريس من أبرزهم في كتابه «نشوء مسألة اللاجئين الفلسطينيين» والذي اعتمد فيه على الأرشيف الصهيوني. وقد تغيرت أحوال موريس في السنين الماضية وانقلب على أفكاره الأولى وأصبح من دعاة التسفير للفلسطينيين، حيث لم يبق من هذه المدرسة سوى المؤرخين إيلان بابيه وأفي شلايم، الذي تحدث في مقابلة مع صحيفة «فايننشال تايمز» (31/4/2024) عن الحصار الذي يعانيه من الجامعات بسبب مواقفه من إسرائيل والاحتلال. وجاء في مقالته بصحيفة «نيويورك تايمز» (11/4/2024) أن أمن إسرائيل يعتمد على غزو رفح. وناقش فيه «للأسف بنيامين نتنياهو على صواب، وأقول للأسف لأنه من أكثر رؤساء الوزراء الإسرائيليين عجزا وفسادا ومدعاة للانقسام وكما يعتقد الكثيرون في إسرائيل، لكنه محق في أنه من المهم غزو إسرائيل رفح وتدمير كتائب حماس الموجودة في المدينة الواقعة على الطرف الجنوبي لقطاع غزة والمحمية بدرع بشري من 1.4 مليون من السكان واللاجئين من الشمال».
ويزعم أنه لو لم يحدث هذا، فستخرج حماس لمواصلة القتل والاغتصاب ويظهر السنوار لإعلان النصر وينتهي حلم السلام ويتزعزع استقرار المنطقة.
وموريس ليس متأكدا إن كان غزو لرفح سيحدث وفيما إن كانت العملية العسكرية ستنجح. وأشار للمعوقات أمام أي عملية عسكرية، منها البعد البشري والضحايا الذين سيزيد عددهم أكثر من الرقم الحالي، إلى جانب عرقلة المساعدات الإنسانية من مصر إلى غزة، بشكل سيضاعف من الشجب الدولي ويهدد بفرض عقوبات على إسرائيل.
وهناك البعد المصري، حيث أخبرت مصر إسرائيل أكثر من مرة بعدم شن هجوم يؤدي إلى دفع الفلسطينيين إلى أراضيها. كما أن الحملة العسكرية في رفح ستكون طويلة مثل خان يونس. وهناك امكانية لتأجيل الحملة ضد رفح لأشهر إن لم تكن سنوات. فنتنياهو يواجه ضغوطا من أهالي الأسرى للتوصل إلى صفقة مع حماس إلى جانب أن استدعاء جنود الاحتياط من جديد للمشاركة في عملية أخرى سيؤدي لضغوط على حكومة التحالف المتطرف. ورغم كل هذه الأسباب القوية «يجب على إسرائيل السيطرة على رفح لو أرادت تدمير حماس كقوة عسكرية ومنظمة حكم، وبالنسبة لإسرائيل فالنتيجة المحتملة تتفوق على المخاطر».
فلو خرجت حماس منتصرة في رفح فإنها ستعيد تنظيم نفسها وتمتد عبر الأنفاق شمالا وتسيطر من جديد على القطاع. وأي فشل إسرائيلي في رفح سيجعلها ضعيفة أمام أعدائها وربما أغرى حزب الله بشن حرب شاملة. وقال إن الفشل يعني اختفاء أي فكرة عن جيوش عربية، إماراتية/سعودية مع قوات السلطة الوطنية للسيطرة على القطاع بعد خروج القوات الإسرائيلية، لأنه سينظر إليها كمتعاونة مع إسرائيل وتتعرض لضربات من حماس. وتعني نجاة الأخيرة محاولتها مرة ثانية لضرب البلدات والمستوطنات الجنوبية في إسرائيل، حيث لا يزال 70.000 من سكانها في حالة منفى داخلي.
ويعتقد ان هجمات حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر كانت بمثابة تحد للفكرة الصهيونية التي نشأت قبل 140 عاما لتوفير ملجأ لليهود بعد قرون من الاضطهاد على يد الأغيار. ومن شأن السماح بخروج حماس المحطمة منتصرة، التأكيد على فشل الصهيونية، وسيشعر نقاد التطبيع العربي بالجرأة ويرفضون أي علاقة مع إسرائيل. ويقول: «كشفت مئة عام من النزاع مع الشعوب العربية والإرهاب والذي وصل ذروته في هجمات حماس الوحشية أنه يمكن اعتبار إسرائيل وبالتأكيد في هذه اللحظة أنها أكثر الأماكن أمنا لليهود في العالم. وغزو رفح هو مهم لمحو حماس وإعادة الأمن، ولا تحتاج لأن تحب نتنياهو حتى ترى هذا».
في الحديث عن حرب المئة عام، شتان بين ما يقوله مؤرخ ضيق النظر وما يراه المؤرخ خالدي من أن الحرب في غزة ستترك كدماتها على الجميع، إسرائيليين وفلسطينيين والعالم، فهذه أول حرب عالمية تشاهد حية على الهواء وعبر كم هائل من «ستريم» للصور والفيديوهات. ويؤكد ما قاله موريس رؤية المحامي الفلسطيني والكاتب رجا شحادة في مقاله بصحيفة «الغارديان» (9/4/2024) من أن الحرب الحالية فضحت ضعف الليبراليين العلمانيين في إسرائيل واحتشادهم شبه الكامل وراء ما يفترض أنها عظمة الجيش الإسرائيلي، وفشلهم في الوقت نفسه بالتفكير بالتداعيات طويلة المدى لجرائم جيشهم المفرطة. فهناك افتقار محزن للجاهزية بين السكان الإسرائيليين اليهود لعقد سلام مع جيرانهم، والتزامهم المطلق باستخدام القوة لتدمير الفلسطينيين مهما كان الثمن.