غرفة أبي

حجم الخط
0

علال بورقيةكانت بالنسبة له أكثر من غرفة تخصه. كانت غلافه الصدفي، ينحشر بداخله هو الحلزون القديم، مع إطلالات متقطعة قصيرة على الخارج (حجرة المعيشة أو الحمام). هي غرفة نومهما السابقة، لم تعد كذلك طبعا، منذ أن ارتحلت أمي عن الدنيا. هجر أبي الغرفة في الشهور الستة الأولى من وفاتها، خشية أن يجد للموت بقية بين حوائطها. سار يقضي أيامه ولياليه منطرحا على الأريكة القطيفة المستهلكة، موليا ظهره المقوس لباب الغرفة الموصد. فكر كيف سيكون الحال اليوم لو لم يعد من طنجة أبدا ويجرجر معه أسرته الصغيرة عنوة. كان الوحيد بيننا (نحن زوجته وأولاده) من انتشى بقرار العودة إلى المدينة المتربة التي ولد وعاش صباه وشبابه فيها. وعلى عكسه تماما كنا نعيش خروجنا من طنجة كإنزال من الجنة. كانت أمي من يتولى ــ نيابة عنا ــ تذكير أبي بمباهج طنجة ولذائذ الحياة التي فقدناها بسببه. تكلمه عن طزاجة الأسماك والبقولة وجاراتها الخمس وأتراب الأولاد وعن بحر طنجة والغابة الأمريكية وشارع فاس الذي سكنّاه. لكن أمي الشاكية لم تكن تواجَه سوى بصمته الطويل الذي تبتره في النهاية جملته المعهودة:

لا يمكن أن نعيش إلا ما يُقدّر لنا.

وبعد خمسة عشر عاما من خروجنا من طنجة، انطفأت أمي. أرجعت أختي فتحية موت أمي إلى ما أسمته حسرة طنجة التي لازمتها كل تلك السنين. صدّقنا أختنا الكبرى بحكم مكانتها ككاتمة أسرار أمي وبديلتها في حال مرضها. كثيرا ما تساءلت حينها وأنا صغير كيف تقتل ألفة طنجة أمي على هذا النحو. وبعدها بشهرين فقط شاهدنا انحدار أبي صوب هاويته. تولاه شعور عارم بالفراغ ليخطفه منا بالتدريج، وجعله يعيش بيننا لكن في منطقة العزلات الكبرى التي لا يعرفها سواه. كنا نرقبه باهتمام بارد وهو يحدّث نفسه ويومئ إلى شخوص وهميين وكأنه لا يرانا. كانت جاذبية الحياة تسحبنا بعيدا عنه، إلى حيث كل واحد منا غائص في مشاغله. عزاؤنا الوحيد كان في وجوده الجسدي بيننا برغم ما صار عليه.

وذات صبيحة فتح أبي باب الغرفة بنفسه، بعد أن ظلت مغلقة طيلة ستة شهور كاملة. دخلها وكأن تصميما استبد به ليلا أو كأن صوت أمي الغائبة أشار عليه بفتحها ليُخرجه من غرفة نفسه. دخل الغرفة ومكث بها لأكثر من سبع سنوات، لم يبرحها إلا ميتا نحو مرقده الأخير. لم تكن سنواته السبع زمنا بالقياس المعروف، بل كانت زمنا داخليا عاشه بكثير من السرية والكتمان. لذا كان أبي مجهولنا الكبير نحن أولاده. لحظات صمته الرهيب وهو يحدق في الفراغ بعينين صقريتين وبوجه علته الدهشة (ممّ الدهشة يا ترى؟) كانت توحي لنا أن هناك تعبير خيبة، وكأنما يرسل إلينا إشارة تقول: إنني آسف لكوني في منحدر السبعين، أعتذر إليكم أولادي الأحياء عما صرت عليه.

عندما كنت أدخل الغرفة عليه، أجده ساهيا كعادته. أتنحنح قبالته وأفتح الطاقة الصغيرة كي تدخل أصوات شارع موسى بن نصير. حينها يكتشف وجودي معه. ينظر إلى أسفلي ثم يصعّد نظرته بطيئا ناحية وجهي. يربّت على حيّز بجواره فأفهم أنه يدعوني للجلوس حدّه. آخذ يده المعروقة الراعشة بين يديّ. أكلمه عما يراه، أقصد عما يدور بداخله. يعبر ظل ابتسامة ذاوية وجهه خطفا ويقول لاشيء.. لا شيء… ثم يسألني كما عادته عن الساعة فأسحبها من فرجة جانبية في جلابيته، وأنا أعاين الوقت. أوشوش في أذنه:

لا يزال الوقت مبكرا.

الزمن عند أبي سيولة من الانفعالات والمشاعر والصمت والهدير الذي لا يُسمع، وكل هذا يجري بدون أدنى حساب للوقت. لكن سؤاله الدائم كم الساعة يبقى سرا من أسراره الكثيرة. هو لا يصلي، لأن الصلاة تُذكّره بالموت الذي يخشاه أكثر من أي شيء آخر. وهو لا ينتظر أحدا يأتيه، فصديق طفولته ‘سي محمد’ مات منذ عام تقريبا. هو حقا في حالة ثبات دائم كنهر عجوز ركد بعد حياة صاخبة. هذا في الأقل ما يشي به ملمحه الخارجي. لكن ما حال الداخل؟ أسأله مفكرا في أمور كثيرة قد تبهجه إن كان يريد شيئا. لكنه يكتفي بأن يغمغم:

زبادي الفراولة. هل هذا هو أقصى ما يتمناه رجل في عمره أم هي الطفولة برغباتها تكبر فيه من جديد؟.

في أغلب الأوقات يظل باب الغرفة مواربا عليه. يُرى جانب منه وهو جالس على طرف السرير يعبث في متعلقاته التي تلزمه كظله: الساعة المدوّرة ذات السلسال، العدسة المكبِّرة التي يستخدمها في قراءة صحيفة العلم، (نفس الصحيفة المقروءة دائما كدليل وفاء كسائق خاص قديم لرئيس فرع حزب الاستقلال بطنجة) حافظة أوراقه الثبوتية والمالية، وأشياء صغيرة أخرى. بوسعه أن يظل لساعات طوال مقلّبا في أشيائه، وكأنه يُجري حوارا معها. الأشياء التي لم يحب يوما أن تمسَّها يد أخرى غير يده. ‘هذي حوايجي’، كان يقول بنبرة من يحرس مجاله الحيوي.

في الشتاء يدفن أبي نفسه في البطاطين، ممددا فوق السرير وسط دكنة الغرفة، يقطعها بالكاد بصيص نور متسرب من زجاج الطاقة. يمر الشتاء عليه مصمتا وكابيا ليقرّبه أكثر من ليل عزلاته، حتى ليبدو لنا أبعد من عالمنا الواقعي. يأكل في غرفته وحيدا (هذا ما يرغب فيه بجنون). كان يبدو وهو منحن على طبلية الأكل الصغيرة، ملفوفا في بطانيته أشبه بطائر القطرس. وعندما ينهي أكله، يدفع بالطبلية إلى الأمام في حركة تعبّر عن تقزز مما فضل من طعام. وكثيرا ما كان يرد عليّ وأنا أعاين حركته: إن الشهية نفسها شاخت.

وفي الصيف يهاجمه الصهد، فيشعر بضيق في التنفس ويبدأ بالتعرّق برغم هزاله. يحتمي بالمروحة الكهربائية، يضعها في مواجهته على التسريحة. تسأله أختي هل يؤذيه أزيزها فيومئ نافيا. طبعا هو لا يسمع سوى أصواته الآتية من بعيد والتي تحملها نفسه المهجوسة. كانت عيناه تنجذبان إلى الذباب الطائر في الغرفة. لا يحاول اصطياد إحداها أوسحقها بلفة الصحيفة، لأنه لا يسمع طنينها الذي يولّد سعارا من الكراهية لدى الآخرين حيال هذه المخلوقات الهشة الصغيرة. هل هي دهشة آخر العمر تتكشف في أحوال أبي؟.

ظل أبي ينام دوما على جانب واحد من السرير. هو موضعه القديم ذاته أيام كانت أمي على قيد الحياة. ترك مكانها على السرير خاليا حتى وهي ميتة. لم يتجاسر أحد منا على سؤاله، وظللنا موقنين أنه هو نفسه لا يعرف السبب. لكن أبي عاد في آخر جولات عراكه مع الموت ليحتل مكان أمي لأول مرة، وكأنه يريد التوحد بها وهو يتقيأ ما تبقى من حياته.

الآن وأنا أخرج من غرفته ومن هذا النص أيضا، تداهمني فكرة كم يحتاج أبي اليوم إلى كتاب يليق بأسراره، كتاب بسعة العالم الذي احتواه في غرفته.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية