زار رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو هذا الاسبوع مقر هيئة الاركان للجيش الإسرائيل ي، والمكاتب الرئيسية للموساد والشاباك، ولجنة الطاقة الذرية، وشرب هناك كأسا على شرف ذكرى الاستقلال الـ 67. وحسب بيان المتحدث باسمه فان نتنياهو قد مدح العاملين بالمنظمات الاربعة على مساهمتهم في أمن الدولة.
كعادته، فضل نتنياهو التشديد على المخاطر التي تواجه إسرائيل، والتي تشكل فقط بعدا واحدا للواقع الآخذ بالتشكل. البعد الاخر، والذي قد يكون الاهم، هو أن وضع إسرائيل الامني الاستراتيجي قد تحسن كثيرا في السنوات الاخيرة، لكن رئيس الحكومة لم يتطرق لذلك مثلما يفعل عند ظهوره العلني.
اذا افترضنا ان نظرة نتنياهو هذه غير نابعة من اعتبارات سياسية، وانها بالفعل قناعاته وما يشعر به، فانها تتناقض أو على الاقل لا تلائم قناعات المسؤولين في المؤسسات التي زارها. هؤلاء المسؤولين الذين هم مسؤولون عن معرفة وتحليل الواقع المحيط الاقليمي والدولي الذي تعمل فيه إسرائيل، يقدمون صورة «استخبارية» مختلفة عن تلك التي يقدمها نتنياهو. أربع دول على الاقل في الشرق الاوسط تمر بعملية تفكك العراق، سوريا، ليبا واليمن. الانظمة المركزية فيها غير قادرة على فرض سلطتها وسيادتها على جميع مناطق الدولة وفقدت جيوشها الكثير من قدرتها وقوتها.
الجيش الاكبر الموجود امام إسرائيل هو الجيش المصري. لكنه منشغل مع اجهزة الامن المصرية بمحاربة واجتثاث الإرهاب الجهادي (وبنجاح) في سيناء وامام الحدود المخترقة مع ليبيا. اضافة لذلك فانه ومنذ وصول السيسي للحكم في القاهرة فقد زاد التعاون الامني والاستخباراتي. للدولتين يوجد اعداء مشتركون: مجموعات الإرهاب «مقاطعة سيناء» لداعش وحماس في غزة. عمليا، لا يوجد اليوم تهديد عسكري من قبل اية دولة على إسرائيل، وان كانت دولة مثل إيران تُسمع تهديدات، فلا توجد لديها القوة العسكرية لتحقيق هذا التهديد، توجد لدى إسرائيل مئات صواريخ شهاب قادرة على المس بإسرائيل، وهي تستطيع العمل من خلال مبعوثين مثل حزب الله. بنظر إسرائيل، حزب الله ومع وجود مئة الف صاروخ فانه العدو الاكثر خطورة، لكن هذه المنظمة الشيعية اللبنانية تنزف بسبب القتال في سوريا، حيث تتسلل الحرب من هناك باتجاه لبنان، وهو ايضا يشارك وبناء على الرغبة الإيرانية في الحرب بالعراق واليمن.
اذا تحقق اتفاق تقليص خطة التسلح النووي الإيراني، ستدرس امكانية عدم صرف مليارات الشواقل من جديد بسبب التهديد النووي.
على خلفية زوال التهديد السياسي العسكري، تظهر على الساحة منظمات إرهابية مثل داعش او القاعدة (جبهة النصرة التي تسيطر على الحدود في هضبة الجولان وتنظيم مقاطعة سيناء على الحدود المصرية). لكن هؤلاء لا يشكلون تهديدا حقيقيا في هذه المرحلة، وتستطيع إسرائيل في يوم الاستقلال ان تشعر ليس فقط انها الاقوى في الشرق الاوسط بل ايضا ان الهدوء موجود على جميع حدودها. والاعتقاد السائد هو ان كل التنظيمات ليس لديها مصلحة باحداث توتر وتسخين للحدود.
معروف ان هذا الوضع قد يتغير بسبب حادثة واحدة، ويقود إلى تصعيد لا يريده احد. باختصار يجب ان نكون متيقظين ولكن يجب قول الحقيقة للجمهور.
القلق الاساسي لدى قوات الامن هو العلاقات السيئة مع السلطة الفلسطينية بغياب الافق السياسي. والهدوء النسبي في الضفة والقدس يتم خرقه بين حين وأخر بعمليات «الإرهاب الشعبي» وبمبادرة من افراد ليس لديهم انتماء تنظيمي، التعاون الامني مستمر ولكن إلى متى؟
سلاح ومجوهرات
في الرابع من اذار خرج المجوهراتي البلجيكي، الإسرائيل ي سرج مولر من مكاتب الوكالة الحكومية للخصخصة في بودغوريتشا عاصمة مونتينيغرو، دلوة صغيرة في البلقان والتي كانت آخر من انفصل عن يوغوسلافيا، دخل إلى السيارة من أجل ان يأخذ السائق إلى تيرانا، عاصمة البانيا، من اجل الطيران إلى مكان آخر في اوروبا الحدودي من قبل شرطة مونتينيغرو حسب أمر اعتقال دولي اصدره ضده الانتربول وبناء على طلب من شرطة بلجيكا.
الشبهات ضده قوية وصعبة: التجارة بالكوكائين، العلاقة مع عناصر اجرامية منظمة وتبييض أموال. وهو ينتظر في السجن منذ عدة اسابيع. حيث يحاول محاموه منع تسليمه إلى بلجيكا. لم يطلب مولر ومحاموه تدخل وزارة الخارجية، لكن الاخبار حول اعتقاله وصلت لوزارة الخارجية ويتم فحص الموضوع. لا يوجد لإسرائيل سفير يسكن مونتينيغرو، وتقوم السفارة في بلغراد بمتابعة أمورها.
والحاخام الرئيس في ايلات يوسف هخت مهتم بمولر، وقد توجه للحاخام الرئيس لمونتينيغرو ياسا الفنداري، وطلب منه الاهتمام بان يحظى مولر بأكل ملائم لعيد الفصح، قال لي الحاخام هخت: «انا اعرف عائلة مولر 30 عام وفي ظروف مختلفة، بما في ذلك زياراتها لايلات، عندما علمت بنبأ الاعتقال توجهت إلى الحاخام الفنداري كي يهتم بحصوله على فطائر عيد الفصح. ومنذ ذلك الحين لست متصلا ولا متابعة للقضية».
لكن هذه ليست قصة تاجر مجوهرات بلجيكي إسرائيل ي آخر والمشتبه بتورطه باعمال جنائية. انها قصة صناعات السلاح الإسرائيل ي.
سرج مولر يبلغ 59 عاما وهو ابن لعائلة مجوهرات معروفة ومحترمة من انتفرفن، وتاجر خلال سنوات بمجوهرات خام اشتراها من دول افريقية مثل سييراليون وجنوب افريقيا. احدى شركاته تدعى «ركس مايننج» وعملت ايضا في كندا. وحسب مصادر في قطاع المجوهرات، فقد كان للشركة العائلية قبل عدة سنوات ايضا فرع في إسرائيل.
عندما تاجر بالمجوهرات في سيراليون بسنوات التسعين اقترن اسمه ايضا بموضوع تزويد احدى المجموعات المتمردة بالسلاح، والتي كانت على صلة بالحرب الاهلية الدموية التي اندلعت بالدولة.
وثائق من المحكمة البلجيكية والتي قدمها الصحافي البلجيكي سلفاتورا دي روسا، تظهر ان اسم الشركة ركس مايننج التابعة لمولر قد طرح في سياق شبهة التجارة بالمخدرات في جنوب امريكا. وقد تم التحقيق مع مولر لمحاربة المخدرات. وقد انتقل للعيش في السنوات الاخيرة إلى إسرائيل.
ان ظروف وصوله إلى بودغوريتشا غامضة نوعا ما. الصحافيين اللذين يحققان وهما ايفا انجلوفسكي ودوشا طوموبتش اللذان نشرا تقريرا حول القضية بموقع الاخبار البلقاني كتبا انه وصل بودغوريتشا من اجل المشاركة في الاستقبال بمناسبة شراء شركة سلاح حكومية صغيرة باسم «M D I».
الذين اشتروا شركة السلاح هم شركة إسرائيلية وشركة من صربيا، ومبلغ الشراء 680 الف يورو (أقل من ثلاثة ملايين شيكل) وفي اللحظة الاخيرة الغيت مراسم الاستقبال التي كان من المفترض ان تتم في الفندق في بودغوريتشا.
وبدلا من ذلك أجريت مراسم متواضعة في مكاتب الوكالة الحكومية للخصخصة، والتي وظيفتها بيع شركات حكومية إلى رجال أعمال ومستثمرين خصوصيين.
المشترون من إسرائيل هم شركة أتلانتيك للتكنولوجيا م- ض (أي.تي.إل) من تل أبيب والتي وقف على رأسها أغمون شاكيد وهي شركة صغيرة وحسب موقعها الالكتروني فانها تشغل مكاتب في جنوب افريقيا وبلغاريا. وتعمل ببيع السلاح والادوات الامنية. ولديها تصاريح للعمل في هذا المجال من قبل قسم المراقبة على التصدير في وزارة الدفاع. والمتحدث باسم وزارة الدفاع رفض التطرق إلى الموضوع بحجة «اننا لا نعطي معلومات حول تصديراتنا الامنية».
مصادر ذات صلة بالتصدير الامني في إسرائيل تقول انها تعرض القليل عن نشاط الشركة (أي.تي.إل) لا تبادل إلى الحديث في التفاصيل، وفي موقعها الالكتروني يوجد وصف عام وغير تفصيلي لنشاطها، تعرف نفسها على انها «مختصة بالمنتوجات الامنية ولها خبرة كبيرة في الميدان وصفقات لمدة تزيد على 20 عام». لا توجد معلومات حول زبائنها او الدول التي تعمل فيها.
في التقرير التحقيقي للبلقان وتقارير نشرت في بلجيكا قيل أن مولر «مرتبط» بالشركة منذ 2002 وان هذا هو سبب وصوله إلى مونتينيغرو. وقيل ايضا أنه بالسنوات 2013 ـ 2014 كان مولر صاحب الشركة التابعة لـ «أي.تي.إل» في بلغاريا، وقيل ايضا ان «أي.تي.إل» نشرت في الماضي على موقعها عنوان آخر لاحد فروعها: مبنى في بورصة المجوهرات في انتفرفن حيث تواجدت هناك ايضا عدة شركات تابعة لسرج مولر، وحسب التقرير فقد تمت ازالة العنوان من موقع الشركة الإسرائيلية.
«أي.تي.إل» تنفي بشدة اية علاقة مع مولر، نائب المدير العام المحامي نيف رفيف قال ردا على سؤالي: «لا نعرف عن اية قضية (سلبية) مرتبطة بشراء 50 في المئة من شركة «ام.دي.ال» من قبل شركة «أي.تي.إل». تمت عملية الشراء بشكل قانوني وباعقاب عطاء من قبل حكومة مونتينيغرو التي هي الجهة المراقبة والمصادقة لعملية الشراء وهي التي صادقت على الصفقة. ولا توجد اية علاقة بين اعتقال مولر وبين «أي.تي.ال» بشكل مباشر أو غير مباشر. وكل محاولة مصطنعة لخلق صلة هي غريبة وغير مقبولة، ولا تعرف شيئا عن ملابسات اعتقال مولر».
توجه ممثلي «أي.تي.ال» إلى السفارة الإسرائيلية في صربيا وطلبوا منها ارسال دبلوماسي كي يشارك بمراسيم توقيع شراء الشركة من مونتينيغرو. ووجود دبلوماسيين إسرائيل يين في مناسبات ذات طابع اقتصادي هو أمر اعتيادي ويعتبر جزء من دور السفارة في تقدم الاقتصاد الإسرائيل ي. لكن السفير يوسي ليفي ونائبه قررا هذه المرة عدم الاستجابة للدعوة.
توجهت شركة «أي.تي.ال» إلى الحاخام الفنداري وطلبت حضوره للمراسيم. وهو يقف على رأس جالية يهودية عددها 100 يهودي وقد استجاب وحضر المراسيم.
«ام.دي.اي» هي اختصار لكلمات (مونتينيغرو دفنس اندستري) (أي الصناعات الدفاعية لمونتينيغرو) وهي شركة صغيرة تواجه مصاعب وارتبط اسمها في الماضي بصفقات سلاح مشبوهة، حيث باعت سلاح لمجموعات متمردة إسلامية في سوريا وليبيا. مخترقة بذلك قرارات الامم المتحدة. والشركة الصربية الشريكة متهمة ايضا بمحاولات بيع سلاح لمتمردين إسلاميين في ليبيا.
على الخط للامارات
شركات إسرائيلية ورجال أعمال بمجال الاستشارة الامنية وتصدير تكنولوجي متقدم، يحاولون في الاونة الاخيرة عقد صفقات مع جهات في دول الخليج، يحاولون دخول هذه الاسواق في ظل تصريحات خارجية تقول ان العنصر الإسرائيل ي الاكثر شهرة في ابو ظبي، رجل الاعمال ماتي كوخابي، قد قلص من اعماله.
حسب أخبار سابقة، بما في ذلك امورا تحدث بها كوخابي نفسه، فقد قام في العقد الاخير بعمل صفقات قيمتها مئات ملايين الدولارات، وتركزت صفقاته على تزويد تكنولوجيا وادوات تتصل «بالدفاع عن الوطن» لحماية مواقع الغاز والنفط ومراقبة الحدود لابو ظبي. وقد شغل في هذه الصفقات مسؤولين سابقين من الموساد، الشاباك والاستخبارات العسكرية وجهات امنية اخرى، واحد المدراء المهمين في شركته هو عاموس مالكا، رئيس الاستخبارات العسكرية سابقا، وبعض رجال كوخابي انتقلوا جوا وبشكل اسبوعي من تل أبيب إلى ابو ظبي. وهذه الاعمال تمت بموافقة وزارة الدفاع.
يشار أن ابو ظبي هو الدولة التي أغري بالوصول اليها العقيد الحنان تننباوم عام 2001 من أجل صفقة مخدرات. وهناك خطف من قبل حزب الله واطلق سراحه بعد ثلاث سنوات بتبادل بين حزب الله وإسرائيل.
الفاعلون في مجال الصفقات الإسرائيلية والذين يحاولون الدخول إلى سوق الامارات هم دافيد ميدان الذي اقام شركة تحمل اسمه. وآفي ليئومي واللذان زارا هناك من اجل هذا الامر. ترأس ميدان عدة اقسام في الموساد، وبعد انتهاء عمله عينه رئيس الحكومة نتنياهو كمبعوث له حول الاسرى والمفقودين. وقد عمل على صفقة جلعاد شاليط مع حماس.
ليئومي كان المؤسس، صاحب الاسهم والمدير لشركة الطائرات بدون طيار وتصنيع اجهزة دفاعية ومقرها في يبنا. قبل عدة سنوات دخل صراع قانوني ومالي مع شريكه السري الذي استثمر بالشركة، وهو الهندي ساودري تشاودري، رجل اعمال ووسيط في صفقات سلاح ولقبه «باني» وفي نهاية المطاف باع ساودري حصته وبعد ذلك ترك ليئومي الشركة وتحول إلى رجل اعمال مستقل. لم يستجيب دافيد ميدان لتوجهنا من اجل الرد، وكان من الصعب الحصول على رد ليئومي.
العمل المخزي في مطار بن غوريون
يوم الاحد الماضي نزل في إسرائيل منتج الافلام الفرنسي ماتيو بلهيتي قادما من باريس، وبدون أي سبب واضح (باستثناء ان جده ولد في المغرب واسم عائلته على ما يبدو) تم تأخيره ثلاث ساعات واستجوابه من قبل ثلاثة اشخاص في المطار. قال ليس بلهيتي انه فوجيء واهين عندما سئل عن دينه. وهو انسان غير متدين. أبوه كاثوليكي، وجده ولد كمسلم في المغرب وهاجر إلى فرنسا، وولد بلهيتي مثل امه وأبيه في فرنسا. وهو متزوج من يهودية.
خلال المسائلة كانت لخطات محرجة اخرى، حين سئل عن سبب قدومه لإسرائيل، اجاب انه ينتج فيلم عن رجل الموساد الإسرائيل ي رافي ايتان. «هذا ليس صحيحا» قالت له المحققة. «رافي ايتان ميت». واقترح عليها ان تتصل ببيته او مكتبه واعطاها رقم هاتفه. رفضت ذلك. من الممكن انها تشوشت وظنت انه يقصد رفائيل ايتان الذي توفي قبل عدة سنوات. لكن رافي ايتان كان عضو كنيست ووزير في حكومة إسرائيل لا زال على قيد الحيا ويبلغ من العمر 89 عاما.
دولة إسرائيل التي تشتكي من العنصرية تجاه اليهود في اماكن عدة من العالم، وتقول ان اوروبا معادية لها تعمل كل شيء على ما يبدو من اجل توفير أدلة وعلى أبواب الدخول اليها. إلى أن تخرج صورة الدولة المغلقة بشأنها، وتعيش حالة من الخوف والهوس بكل ما يتصل بالامن، والتي اقامت دين جديد ـ دين الامن. لحسن حظنا، فان بلهيتي انسان فكاهي، حيث قرر عدم تقديم دعوى ويتعامل مع الحادثة بنوع من التسامح.
معاريف 26/4/2015
يوسي ميلمان