كيف يمكن «إعادة الأمل»… بحزم؟

حجم الخط
1

أعلنت السعودية وقف «عاصفة الحزم»، لكن الحرب لم تتوقف.. لماذا؟
لأن اتصالات ما زالت تجري في الكواليس لتحديد أسس الحوار المرتقب بين الاطراف اليمنية المتصارعة، ولأن السعودية تحاول بغاراتها المتواصلة على مواقع خصومها ومرافق البلاد، التأثير في الاتصالات الكواليسية الجارية لمصلحة حلفائها.
إلى ذلك، ثمة ثلاثة مواقف لافتة صدرت عن الثلاثة الكبار: الولايات المتحدة وروسيا والصين، فقد انتقد ثلاثتهم استمرار الغارات ودعوا إلى بدء الحوار. ممثل الأمم المتحدة في اليمن باولو ليمبو، بدا اكثر وضوحاً واملاً بقوله إنه يتوقع عقد مؤتمر للحوار مع جميع الاطراف لأن «لا مفرّ من محادثات السلام». مبعث تفاؤله اعلان الامين العام للأمم المتحدة بأن كي مون تعيين الدبلوماسي الموريتاني إسماعيل ولد شيخ أحمد مبعوثا جديداً إلى اليمن خلفاً لجمال بن عمر، وأن تعيينه سيصبح سارياً اليوم (الاثنين). وفي انتظار محادثات السلام التي «لا مفر منها»، يستمر اطراف الصراع في جدل عقيم عمّن انتصر في الحرب.
خلافاً لما يقوله أطراف الصراع، ما من رابح في حرب اليمن.. لو لم يشعر الجميع بأنهم خسروا، بمقادير متفاوتة، لَما توافقوا، سراً وعلناً، على إنهاء الحرب والاتجاه إلى تسوية سياسية.
الخسارة لا تنحصر في الساحة اليمنية وحدها، بل تشمل ساحات الصراع جميعاً من شواطئ البحر المتوسط شرقاً إلى شواطئ بحر العرب جنوباً. لذلك لن يتفاجأ احد إن اتجه اطراف الصراع الدوليون والإقليميون إلى اتصالات وحوارات في الكواليس، تمهيداً لمفاوضات معلنة تتناول حروباً عالقة في سوريا والعراق وليبيا.
اجل، الجميع خسروا: من اليمن الذي لم يبقَ سعيداً بالدمار الهائل، الإنساني والعمراني الذي لحِقَ به، مروراً ببلاد الشام وبلاد الرافدين التي تنزف بشرياً واقتصادياً منذ نحو خمس سنوات، إلى اوروبا التي تعاني من مآسي اللاجئين اليها والغارقين في عرض بحارها، لدرجة أن الناطق باسم منظمة الهجرة التابعة للامم المتحدة جويل ملمان حذّر اخيراً من أن عدد الضحايا « قد يصل، في حال استمرار الامور على هذا المنوال، إلى 90 الف ضحية حتى نهاية السنة الجارية».
طالما أن اطراف الصراع جميعاً خسروا واتجهوا إلى تسويات سياسية للحروب والازمات العالقة، كيف يمكن «إعادة الامل» بحزم ودونما عواصف إلى بلاد العرب التي يخوض حكامها وشعوبها حروباً اهلية، تُشعل نارها احياناً وتستغلها دائماً قوى خارجية طامعة؟
ثمة ثلاث مسائل تنهض في هذا السياق: الاولى، مَنْ يفاوض مَنْ، بغية التوصل إلى تسويات سياسية. الثانية، أيُّ موضوعات ستكون محور المفاوضات. الثالثة، مكان المفاوضات.
في المسألة الاولى، هويةُ المتفاوضين، يقتضي التنبّه إلى دروس صراعات سابقة انتهت إلى الانحسار، والاتعاظ بها. لعل اهم الدروس المستخلصة أن احداً من اطراف الصراع لم يستطع أن يفرض على الآخر (او الآخرين) مَن يفاوضه. ذلك أن فرض المفاوضين من جهة طرفٍ على آخر لا يمكن أن يتمّ إلاّ في حال استسلام الطرف المهزوم. والحال في اليمن أن احداً من الاطراف المتصارعين لم يستسلم بعد. وعليه، يكون من حق الاطراف المتصارعين جميعاً المشاركة في المفاوضات دونما اقصاء او استبعاد لأحد. ذلك أن التوصل إلى نتائج في المفاوضات لا يكون بالتصويت بل بالتوافق، ما يقلّل من اهمية عدد المتفاوضين.
في المسألة الثانية، موضوعاتُ المفاوضات، يقتضي التحلّي بالمنطق السليم حيال الاختلاف المتوقع بين الاطراف المتصارعة، حول تقدير الموضوعات الاكثر اهمية وإلحاحاً. ذلك أن الامر يتأثر بظروف كلِ طرف من الأطراف ومصالحه وهواجسه. وعليه، يكون من حق الأطراف جميعاً طرح الموضوعات التي يرون وجوب التفاوض بشأنها بصرف النظر عمّا اذا كانت تسويتها ممكنة او متعذرة. فبقاء بعض الموضوعات او المشكلات عالقاً ليس نهاية العالم.
في المسألة الثالثة، مكان المفاوضات، يقتضي التحلّي في شأنه بالمنطق والواقعية. فالصراعات غير المحسومة، وهو واقع الامر حاليّاً، لا تولي ايّاً من اطرافها سلطة تحديد مكان المفاوضات وفرضه على الآخرين. بإمكان اطراف الصراع التوافق على مكان المفاوضات واذا تعذّر ذلك، فالأفضل اعتماد المكان المخصص بحكم طبيعته ووظيفته وهو الامم المتحدة.
في انتظار التوافق على تسويات مقبولة للمسائل الثلاث المار ذكرها، سيثور جدل سياسي وإعلامي طويل حول الأسباب والدوافع التي أدت إلى إنهاء «عاصفة الحزم» ومباشرة «إعادة الامل»، كما حول العوامل التي قد تعرقل المفاوضات ووصولها إلى تسويات سياسية مقبولة.
لعل الدافع الرئيس لوقف الحرب والاتجاه إلى التسوية هو اقتناع اطراف الصراع، ولاسيما الولايات المتحدة، بأن اعتماد اسلوب «الحرب الناعمة «، أي أشكال مختلفة من العمل العسكري المحدود، العقوبات، الحصار، العمليات الاستخبارية، والميليشيات المدعومة بالمال والسلاح، قد وصل إلى طريق مسدود بعد أن تجاوزت تكلفته الباهظة مكاسَبه المحدودة.
كان هذا الفهم العقلاني للواقع قد تجلّى بتوصل الولايات المتحدة ومجموعة دول 1+5 مع ايران إلى «تفاهم تاريخي» في لوزان حول برنامج ايران النووي، على أن يقترن قبل اواخر شهر يونيو المقبل باتفاق نهائي. هذا «التفاهم التاريخي « سوف ينسحب، على الأرجح، على سائر ساحات الصراع في المنطـــقة، ولاسيما على الحروب الدائرة في سوريا والعراق وليبيا، فضلاً عن اليمن بطبيعة الحال.
إلى ذلك، فإن ولوج الأطراف المتصارعة، كباراً وصغاراً، طريق المفاوضات والتسويات السياسية يؤدي، بالضرورة، إلى اندلاع جدل سياسي (وفكري) بين الحكام كما بين قادة الرأي وقادة قوى المقاومة والاحزاب السياسية، حول ترتيب أولويات المرحلة المقبلة بغية تقرير أيٍّ من القضايا والتحديات هو الأكثر مركزية وأهمية من غيره، وكيف السبيل إلى مقاربته او مواجهته.
هذا الجدل المرتقب قد يترجم نفسه إلى منازعات وصدامات وربما إلى صراعات ساخنة.

٭ كاتب لبنأني

د. عصام نعمان٭

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية