بيروت ـ «القدس العربي»: غامرت دار «أطلس» التي تأسّست في سوريا- دمشق عام (1956)، ورخّصت كدار لبنانيّة قبل أربعة أعوام (2011)، بإقامة معرض كتاب طوال أسبوع الأعياد في لبنان ـ بيروت بالتعاون مع وزارة السياحة في الصالة الزجاجيّة في الحمرا، خلال الفترة من 7- 14 نيسان/إبريل 2015، وعلّقت سمر حداد صاحبة الدار على هذه المغامرة بكونها «تأتي كتجربة تحدّ للمدينة المستحيلة».
يفتح تعليق حداد على نقاط عدّة صحيحة في الثقافة اللبنانية/ البيروتيّة بالمعنى المكاني، فهي مدينة تحتفي بالمسرح والرقص المعاصر، ومختلف الفنون البصريّة، لكن لبنان في ثقافة سوريين كُثر كان قبل أي شيء آخر مركزاً أساسيّاً من مراكز صناعة الكتاب في المنطقة، وتحديداً بعد زمن التأميمات في سوريا، حيث هاجر الكثير من المثقفين إلى لبنان، منذ أواخر خمسينيات القرن المنصرم، ففي لبنان نشطت طباعة الكتاب وتجارته مستفيدة من حرية الطباعة والنشر والتسويق، فكان يطبع آلاف النسخ من الكتاب ويصدر لأغلب الدول العربية وغيرها، بينما في سوريا كان طموح الناشر أن يطبع ألف نسخة من الكتاب الواحد وأحيانا يكتفي بعد 500 نسخة فقط! الثقافة المجتمعيّة المتنوّعة والانفتاح على الآخر شجّعا ثقافة الكتاب بشكلٍ عام، حيث احتفت لبنان مبكراً بحفلات توقيع الكتب والندوات الثقافية على هامش معارض الكتب المتوزّعة هنا وهناك، وأهم احتفالات المدينة البيروتيّة يبقى معرضها السنوّي للكتاب.
بأكثر من خمسين عنواناً مختلفاً تناولت شؤون السياسة والفكر وقضايا المرأة، وبحضور خَجِلْ للرواية والمسرح حاولت دار «أطلس» اجتذاب القارئ في بيروت، لكنّ الحضور بقيّ شحيحاً كشتاءٍ بريحٍ من دون مطر، لعوامل متنوّعة من أهمّها ضعف الدعاية للمعرض، ومنها مواكبته في موسم أعياد الفصح المجيد في لبنان، والعطلة الطويلة المرافقة، حيث يغادر معظم قاطني بيروت إلى الخارج، بالإضافة لكونه معرضاً فردياً لدار واحدة، وهي فوق هذا دار سورية في بلد المهجر الصديق.
العلاقة بين لبنان المُضيفة، المُشتهاة لمعظم مثقفي سوريا طوال عقود، وأولئك القادمين بخصوصية ثقافتهم وأزماتهم، العلاقة بين شعبٍ مشحونٍ بثقل ذاكرته المطمورة وآخر يكتشف الحرب وتصاويرها اليوم، حول هذه العلاقة كانت الندوة الثالثة التي أقامتها الدار، على هامش المعرض، بعنوان «طاولة مستديرة» وبعنوان «ما بين سورية ولبنان… تفاعل ثقافي أيضاً». تحدّث في الندوة كل من الناقد المستقل والفنان اللبناني روي ديب إلى جانب مُؤسّسة ومديرة غاليري « Art on 56th» نهى وادي محرم والموسيقي السوري أنس مغربي.
باستفاضة المتابع العارف تحدّث روي ديب عارضاً خريطة مُصغرة بالملاحظات الأساسيّة لخشبات المسرح البيروتي وأشكال التعاون الثقافي والفني مع المسرحيين السوريين، متوقفاً مع «مسرح بابل»، الذي يشغل منصب مديره الإداري شاب سوري، وأثبت خلال أربع سنوات، هي عمر أزمة اللجوء السوري في لبنان حتى اليوم، انفتاحه على التعاون المشترك وتقديم خشبته لعروض سورية، أعاقتها مؤخراً إجراءات الأمن العامة التي عقّدت دخول السوريين إلى لبنان وزادت صعوبات حصولهم على إقامة فيها.
في الوقت الذي استفاد منه «مسرح بابل» من موقعه وسط شارع «الحمرا» عانى «مسرح دوّار الشمس/ الطيونة» من كونه خارج هذه الدائرة النَشِيطَة ثقافياً، وبقيّ جمهور العروض السوريّة فيه محصوراً بأصدقاء العرض والمشاركين فيه، في حين تابع جمهور كل من «مسرح المدينة» و»مسرح بابل» العروض السورية مُشكلاً متفرّجاً أكثر تنوّعاً وعدداً.
بحسب ملاحظات روي ديب، فإنّ خشبة «مترو المدينة» كانت أكثر نشاطاً في الساحة الموسيقيّة، واستضافت عددا كبيرا من الموسيقيين السوريين، وبعض هؤلاء استفاد من وجوده في لبنان للمشاركة مع موسيقيين لبنانيين، مثل أعضاء فرقة «طنجرة ضغط» السورية.
من جهة ثانية تحدّث ديب عن تجربة المؤسسات الثقافيّة، متوقفاً مع بعضٍ منها مثل «مركز بيروت للمعارض» الذي أقام العام المنصرم معرضاً عاد ريعه للاجئين السوريين، وتجربة «أشكال ألوان» التي شهدت العام المنصرم مشاركة سورية واسعة ضمن برنامجها، افتُقِدَتْ هذا العام. والبارز كان تجربة مؤسسة «بدايات» السورية التي تُعنى بدعم الفنانين السوريين المُشتغلين في حقل الصورة (سينما/ فوتوغراف/ فيديو آرت..)، من خلال تقديم فرص التدريب والتشبيك والدعم المباشر في الإنتاج، وقررّت مؤخراً أن تفتح المجال لدعم الفنانين اللبنانيين كذلك.
حديث ديب على أهميّته لم يخرج كثيراً عن إطار المعلومات المرتبطة بالمعارف والعلاقات الشخصيّة، وبقيّ في إطار الملاحظات العامّة، في حين تحدّث أنس مغربي عن تجربته الشخصية كسوري ابتدأ حلمه الموسيقي في سوريا، مؤكداً على فكرة المستويات.
يقول مغربي، الذي يعمل مع أصدقاء سوريين على مشروع «خبز دولة»: «كان المشهد الموسيقي في سوريا منذ عام 2000 تقريباً وحتى عام 2011 غنيّاً جداً وواسعاً ومتنوّعاً، لكنه كان تحت الأرض. كان أحلاماً ومشاريع لا تُبصر النور. ففوق الأرض نحتاج إلى الموافقات الأمنيّة والمعاملات البيروقراطية وإذن الرقابة الثقافيّة ورضاها، قبل أن نفكر حتى بإشكالات التمويل والإنتاج والتسويق. نتيجة ما حدث في آذار/مارس 2011، انسحب كثيرون إلى لبنان مستفيدين من تقدّمها في مجال الإنتاج والتسويق، ومن الفرص الكثيرة الموجودة لتأمين تمويل منحٍ أو مشاريع ثقافيّة، محوّلين أحلامهم المُخبّأة في الأدراج وتحت الأرض في سوريا إلى واقع، وبالتعاون مع الموسيقيين اللبنانيين الذين أظهروا كرماً شديداً في تعاونهم واستقبالهم للسوري القادم».
لم يتقيّد كل من ديب ومغربي بالوقت المخُصّص لهما، وتغاضى مدير الجلسة المسرحيّ السوري عبد الله الكفري عن هذا، خاصة أنّ نهى وادي محرم كانت من المرونة، بحيث انفتح المجال للأسئلة مباشرة بعد تقديمها القصير عن وضع الفن التشكيلي، من خلال تجربتها الخاصة كمديرة لغاليري (Art on 56th)، إلاّ أنّ الحديث العمومي بقيّ مستمراً، لا معلومات دقيقة، لا أرقام، وغياب لدراسة مُمنهجّة وإن كان روي ديب أكثر من قارب حدود الحديث المُنظّم بخطة ونقاط واضحة، أغنتها ملاحظاته القيّمة، لكنها بقيت شخصيّة في أغلبها.
يارا بدر