غياب الإنتاج وتردّي الذائقة الفنية ساعد في نخر الجملة الموسيقية

حجم الخط
0

عمان ـ «القدس العربي»: ظهرت الأغنية الملتزمة في بداية الستينيات لتعبر عن هموم الجماهير الشعبية ومطالب الثوار والمثقفين بحياة أفضل، ومن ثم تبلورت لتعكس الانتماء للوطن والقومية العربية. إلا أن الساحة الفنية اليوم خالية من مثل هذا النوع الراقي من الفنون، إذ تغيرت النظرة، وأصبحت سلطة الجسد المعيار الوحيد لرواج هذه الأغاني الفارغة من المضمون، التي طغت في أغلب القنوات الفضائية لدرجة أصبحت فيها هوسا وهاجسا عند الكثير من الشباب.
أين هي الأغنية الملتزمة؟ لماذا لا تستطيع أن تفرض نفسها أمام الأغنية الرومانسية الهابطة؟ ولماذا لا تجد الأغنية الرومانسية الملتزمة والراقية الدعم لتثبت حضورها في الساحة الفنية العربية والأردنية؟ توجهت صحيفة «القدس العربي» بهذه الأسئلة لمجموعة من الفنانين والملحنين وكان هذا التحقيق.
يؤمن الموسيقار هيثم سكرية بأن الشعب الأردني يتميز بقوميته ووطنيته التي ولدت معه بالفطرة، وانعكس ذلك على تذوقه للموسيقى والغناء، حيث هوى الأغاني الوطنية، خصوصًا تلك التي تحمل في طياتها الهوية الأردنية، كنمط موسيقي أو مفردات مستمدة من البيئة، مضيفا: «لقد تغنى الأردنيون بأغانيهم الوطنية في مختلف مناسباتهم الخاصة والعامة، فنراهم يرقصون على أنغام الأغاني الوطنية في حفلات الزواج والتخرج والنجاح وأعياد الميلاد وفي أي مناسبة تجمعهم.
وقد لاقت الأغنية الوطنية الأردنية محليًا نجاحًا كبيرًا، وهذا النجاح ألقى ظلاله على باقي أنماط الغناء، مثل الأغنية الرومانسية، الشبابية، القصيدة… وما إلى ذلك، فكان نجاح الأغنية الوطنية هو سبب فشل باقي الأنماط، فلم يتقبل الجمهور الأردني أي نمط آخر غير الوطني من الفنان الأردني، بينما تقبل تلك الأنماط من الفنانين العرب، فنرى أهم الفنانين الأردنيين الذين اشتهروا بالأغنية الوطنية لا يجدون النجاح نفس والرواج نفسه لأغانيهم الأخرى».
ويرى سكرية أن هذه الظاهرة تحتاج إلى تأمل ودراسة وإعادة التفكير في كيفية تسويق الأغنية الأردنية المتنوعة في أنماطها، جنبًا إلى جنب مع الأغنية الوطنية، وهنا يأتي دور وسائل الإعلام وشركات الإنتاج الملتزمة والمسؤولة.
أما في ما يتعلق بالأغنية الملتزمة فيؤكد سكرية أن الأغنية الأردنية من أكثر الأغاني العربية التزامًا، وذلك لعدّة أسباب أهمها ارتباطها بالوطنية والبيئة والانتماء والولاء وحب الوطن والتغني بأريافه وباديته ومدنه، والسبب الثاني طبيعة الشعب الأردني الأكثر وعيًا والتزامًا بين باقي الشعوب العربية، ولا يتقبل المتذوق الأردني أن يستمع إلى أغنية غير ملتزمة من فنان أردني، في حين أنه قد يتقبل ذلك أحيانًا من فنان عربي غير أردني.
بينما يكون نجاح الأغنية الرومانسية العربية، الإنتاج والتسويق وهذا ما نفتقده في الأردن، فليس لدينا ما يسمى بصناعة النجم، من حيث الإنتاج والتسويق والترويج على الفضائيات المختلفة وإقامة الحفلات، بينما يوجد العديد من هذه الشركات التي قدمت عشرات الفنانين العرب، وربما تكون لذلك نواح إيجابية وأخرى سلبية، فوجود شركات صناعة النجوم، على الرغم من تقديمها لمواهب عديدة مهمة ومساهمتها في نجاح تلك المواهب، هي نفسها من أفسد الذوق العام من خلال تقديم نماذج لدخلاء على الفن والغناء، يقدمون أغاني تخدش الحياء ولا ترتقي إلى أقل معايير الفن والإبداع، وتعتمد على الفيديو كليب الذي لا يراعي ثقافتنا وأخلاقنا وعاداتنا العربية الأصيلة الملتزمة.
وفي الحديث مع الملحن الأردني فتحي الضمور يقول: «الموسيقى بمعناها الحقيقي مشتقة من التركيب اليوناني «موسو قا» وتعني إله الروح، ولا يمكن للروح أن تقبل إلا ما هو جميل. ولا يعني إجماع الناس على مطرب، أو مطربة أنّه قد تحققت أدوات الجمال والإمتاع في فنّه أو فنّها؛ فالذي جلس على مدرج مسرح جرش التاريخي ساعات طويلة، لحضور حفلة شعبان عبد الرحيم، هو ذاته الذي قضى ساعات أخرى في انتظار إطلالة السيّدة فيروز على المسرح نفسه.
وعلى النقيض من ذلك، لا اعتبر الذي تبنّى فكرة أن الزمن الفني الجميل انتهى، بانتهاء المشوار الفني لعمالقة الفن، كسيّد درويش، وأمّ كلثوم، وعبد الوهاب، وفيروز، والصافي وحليم وفايزة أحمد ونجاة ووردة والكثير من مطربي ومطربات هذا الزمن الشهيّ، هو لم ينتهِ، بدليل وجود كبار الفنّ إلى وقتنا هذا، كملحم بركات ومارسيل خليفة ولطفي بشناق والكثير غيرهم.
أمّا في ما يتعلق بالأغنية الوطنية، يوضح الضمور: «ليس انتشار الكثير من الأغاني الوطنية، يعني عذوبتها، لأنّ تردّي الذائقة الفنية عند الناس ساعد في هذا الانتشار الذي نخر الجملة الموسيقية، وحوّلها إلى صناعة، بدلا من حالة إبداع! وهذا لا يعني أيضاً عدم وجود أغانٍ جميلة. فمن جملة الأغاني الوطنية ذات النغم الممتع العذب، أغنية فيروز «أردن أرض العزم» و»زهرة المدائن» ولنجاة الصغيرة «ارخت عمّان جدائلها» ولإسماعيل خضر «أنا الأردن» ولفائزة أحمد «ليلة قرشية» والكثير من الأغاني التي تغنّى بها المطربون العرب عن الأوطان العربية. لكنّك إذا ما حاولت المقارنة بين هذه الأغاني، والأغاني الوطنية التي يرددّها الناس الآن، لوجدت الفارق كبيراً؛ فالآن أصبحت الأغنية الوطنية أشبه بالمظاهرة التي لا يستخدم فيها سوى الصراخ والصوت العالي الصاخب».
ويؤكد الضمور أن مستقبل الأغنية الملتزمة في أمان، إذا ما التزم المطربون الجدد بمدارس هؤلاء الكبار، إلى جانب مطربي الأغنية الوطنية الجميلة، وهم حاضرون في الساحة الفنية ومن أعمالهم: أغنية «اصبح عليك الخير يا بلدنا» التي أداها كلّ من الفنان هيثم عامر والفنان رامي خليل، إضافة إلى الأغاني الوطنية التي انسابت لحنا عذبا بصوت الفنان لطفي بشناق، ومعظم الأغاني التي جاءت بإحساس الفنان الملتزم مارسيل خليفة والفنانة أميمة خليل والعديد من مطربي الفن الملتزم، الذي يجمع الأغنية الوطنية بالأغنية العاطفية ذات الكلمة العميقة واللحن الجميل.
ومن جانبه اعتبر الموسيقار أيمن تيسير أن الأغنية الوطنية تمثل هوية البلد، تؤدي إحساس الانتماء وعلاقة الشعوب بأراضيها، لكن تختلف أشكالها مع مرور الزمن، وذلك يعود إلى ثقافة الفنانين والثقافة السائدة في المجتمع. بالتالي ثقافة الفنان مرتبطة مع الشاعر والمنتج الذي يتعاون معهم، فحين يلتقي شاعر ومطرب يملكان الفكر، سيخرجان بالتأكيد بعمل وطني ذي قيمة والعكس صحيح.
بينما يرى تيسير أن الأغنية الرومانسية الملتزمة، نوع من أنواع الأغاني التي تعبر عن وجهة نظر كبيرة من الشعوب العربية، كونها متنوعة الفكر والثقافة والاتجاهات السياسية، هذه الأفكار تعبر عنها الموسيقى دائما، لكن الزمن اختلف كثيرا.

آية الخوالدة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية