فوضى الثورات والمجهول

حجم الخط
0

فتحي العكرمي دخل العرب تاريخا مفصليّا وغريبا إذ أن الثّورات التي قطعت مع بعض الحكّام ما زالت تحمل داخلها عقليّة كانت سائدة وما تزال كذلك في جزء كبير منها تتمثّل في كَمّ كبير من السّلبيات التي كانت وما تزال عائقا أمام تقدّم العرب المرتبط بتغيير كلّي لعقليّة هي ‘الدّرجة الصّفر من الوعي’، وفي نفس الوقت بقيت القطيعة مع هذا الماضي السياسي مشدودة الى ثقافة سيطرت طويلا قائمة على التّبعيّة للحاكم والتّفكير حسب المصلحة الفرديّة الضيّقة والتعصّب لحزب واحد ليس اقتناعا به بل لأنّه يحافظ على منافع المنتمين له. انفتحت البلدان العربيّة التي عاشت ثورات على مجموعة من الصّعوبات المتعدّدة الموروثة عن النُّظم السابقة وأيضا النّاتجة عن الأوضاع الجديدة، يتطلّب الكشف عن هذه الصّعوبات وتفكيكها والبحث عن حلول ممكنة القدرة على فهمها والكشف عن الفوضى غير الخلاّقة التي صاحبت الثورات وما تزال حاضرة وهي ناتجة عن عدم التوقّع لها أي غياب تأطيرها وتوجيهها والتّحضير لها ثقافيّا وسياسيّا وقيميّا ومعرفة الغاية التي تريدها لذلك يتطلّب الأمر قطيعة جذريّة مع ما كان سائدا لقرون من تسلّط وتجهيل وغياب العدالة وسيطرة الحاكم الأوحد، فبعد هروب الرئيس السابق لتونس عاشت البلاد فوضى على مستويات متعددة كشفت عن لحظة إرباك ناتجة عن عدم توقّع النُّخبة المعارضة والمثقفة للثورة أصلا ولرهاناتها بعد إسقاط النظام. وعلى مستوى عربي تتعدد المشاكل وتتقاطع ممّا يتطلّب فهم أسبابها والبحث عن حلول لها بشكل مغاير للسّابق حتّى لا تكون الثّورات هيجانا لا يُنتج جديدا بل يعيد القديم وبطريقة مشوّهة المشكل الاقتصادي: تزامن الاستبداد والتسلّط مع سوء التّخطيط لميزانيّة الدّولة التي انقسمت إلى طبقات متناقضة جوهريّا: الحاكم الذي يستحوذ على كل شيء وفي المقابل يوجد المُعطّلون عن العمل و عن الحياة يعيشون داخل وطنهم كرقم لا معنى له مع القروض والإعانات الخارجيّة التي تجعل الوطن رهينة الصعوبات الاجتماعية: في العاصمة توجد بنية تحتيّة جيّدة مثل الطرقات والمستشفيات والجسور وفي المقابل تتكدّس الأحياء القصديريّة التي يسكنها نازحون من المناطق الداخلية حيث تنعدم كل متطلّبات الحياة وتنتشر الجريمة الناتجة عن بطالة اضطرارية المشكل الثقافي: ما يتمّ تداوله في وسائل الإعلام المحلّيّة يجسّد تمرير ثقافة تقدّس الحاكم ومنجزاته وتاريخه والمستقبل الذي لا يكون ممكنا إلاّ به وفي نفس الوقت تكشف عن احتكام كامل لمنجزات الغرب: الصورة، الأفلام، اللغة، العادات، العلاقات… والنتيجة فقدان المواطن لكل انتماء فلا هو شرقي ولا غربي بمعنى تكبيله باغتراب داخل الوطن وآخر في العالم. التّبعيّة: تبعيّة الحاكم لسياسة عالميّة مرجعيتها القوّة والمحافظة على المصالح تجعله خاضعا لالزامات خارجيّة تُفرَض عليه ليحافظ على مصالحه ونتيجة ذلك تشابك المصالح الفرديّة للحاكم وللدّول التي تقود العالم فيجد المواطن نفسه بلا عنوان ودون هويّة وخارج وطنه وبعيدا عن المواطنة داخل دولته وعن المواطنة العالميّة فيصبح الاغتراب مزدوجا فتتحوّل الدّول والمواطنون والأرض والثّروات والثقافة واللغة والقِيم الدينية والمعرفيّة والأخلاقيّة إلى مجرّد كلمات تتكرر بلا هدف ودون تأثير.

هذه الصعوبات كانت حاضرة في الواقع العربي قبل الثّورات أو هي الأسباب التي دفعت إلى تثوير الواقع، غير أنّ المشاكل الجديدة الناتجة عن وضع ما بعد ثوري حَملت معها إرباكات جديدة تنضاف لما كان سائدا، فالعالم العربي مُطالَب اليوم بعمليّتين ضروريتين وفي ترابط تامّ الأولى فهم وتعقّل وتفسير ما وقع من تحوّلات سياسيّة داخليّة والثّانية ـ بعد الفهم- هي فتح أُفق جديد يجعل المستقبل مغايرا تماما لما عهدناه من سلبيات متراكمة ومن صعوبات متداخلة. الآفاق الممكنة أو المستقبل الصّعب: تكمن الصّعوبات الجديدة التي ظهرت بعد الثورات في تداخل بين تيارات ومذاهب وأحزاب تتقارب حينا فتصبح واحدة لكن بأسماء متعددة وتتناقض إلى حدّ الصراع المادي بينها مثل: التكفير والتّخوين والاتهامات المتبادلة، وهو صراع يُخفي رغبة مُلحّة في الحُكم ومنه التحكّم، وينجرّ عن ذلك تشتّت في المرجعيات والقيم فكأنّ قَدَر العالم العربي أن يوجد دوما في حالة اللااتفاق والتشرذم والتُّهم ونفي الآخر وخاصّة المواطن.

مع ذلك كشف الوضع الرّاهن عن مخزون كبير من الفقر المادّي والقيمي والسياسي كنتيجة لعقود طويلة من الاستبداد والتّجهيل والنفاق فأضحى المواطن رقما سلبيّا في وطن مسلوب. وحين تلقّفت الأحزاب الثّورات لتحصد الغنائم تناست الأسباب التي التي أنتجت الثّورات وتغافلت عن رهانات الوطن والمواطن الذي عبّر عن رفضه القاطع لسياسة قتلت فيه كل أبعاده.

الواقع الدّاخلي الجديد: الصراعات الداخلية في الوطن الواحد التي انكشفت بعد الثورات تزامنت مع رغبة غربيّة في توجيه واحتضان ودعم الحاكم الجديد، إضافة لصعوبات اقتصاديّة متراكمة وتفشّي البطالة وانعدام العدالة بين الأفراد والجهات وداخل العاصمة وأيضا البحث عن السبيل الأفضل لدستور للبلاد يريد أن يكون جديدا مع ما يرافق ذلك من حسابات سياسيّة ‘فكلّ يغنّي على ليلاه’ وليس على المواطن الذي صنع هذا التثوير. فالحملات الانتخابية التي تسبق انتخاب أعضاء المجلس التّأسيسي ترسم ‘الجنّة الموعودة’ والعدالة المطلقة بينما الخطوات الأولى للحُكم تبدأ متعثّرة وضبابيّة ومشدودة إلى حنين يقطن لاوعينا الفردي والجماعي وهو الحاكم الأوحد مع ما يتبع ذلك من استبداد مفرط في القهر.

الصعوبات الخارجيّة: ما يزيد في المسار المجهول للثورات هو انفتاحها على واقع عالمي جديد عدّل حساباته على المُستجد العربي، فبعض الدّول الغربية لم يكن تدخّلها العسكري مُلحّا وسريعا إلاّ في الأوطان التي تمتلك مخزونا من النّفط لذلك لم يتأخّر النّاتو كثيرا في حسم الثّورة الليبية بينما الحسابات الرّوسيّة تطغى اليوم على ما يقع في سوريا، في حين تُركت الشّعوب التي لا تمتلك ثروات نفطية لقَدَرها. والثّورات التي وجدت لنفسها حلاّ داخليّا وجدت القوى الخارجية تنتظرها لتضعها على الطّريق التي تريدها هذه القوى.

هذه الفوضى السّياسيّة والاقتصادية والثقافيّة والحزبيّة التي رافقت الثّورات ستكون سببا في موت هذا الهيجان إذا لم يتمّ الوعي بضرورة تصويبه تجاه غايات أساسيّة تضع المواطن الفرد والمواطنة كقيمة والدّولة كفضاء للنظام والعدل والقانون كمرجعيّة للجميع حيث يتساوى الكلّ.

المستقبل أو الصعوبات المُمكنة: ما يميّز العالم العربي اليوم هو انفتاحه على واقع داخلي وإقليمي وعالمي متغيّر باستمرار وفق مصالح وحسابات قصيرة المدى وبعيدة وانتهاج ذات الطّريق السّابق في السياسة الداخلية والخارجيّة سيعيد الأوطان إلى نفس الوضعية: الفقر، التبعية، الاستبداد، الارتهان للخارج، بيع الأوطان، عشق العرش، احتقار المواطن، اللاعدالة كيف يمكن للأحزاب التي ستقود البلدان أن تُدرك الصعوبات الاقتصادية التي تنتظرها فهل ستوجد حلولا يعيد بعض الاستقلاليّة الماديّة للأوطان؟

هل سيُدرك الفائزون في الانتخابات أنّ ما ينتظرهم هو البداية بتقويض العوائق التي جعلت العالم العربي بهكذا وضعيّة ثمّ بناء الجديد المنتج مع ما يقتضيه ذلك من جهد عقلي ومادي؟ هل أنّ الهدف يقتصر على التشغيل أم أنّ الحريّة لا تنفصل عن هذا المطلب؟ هل سيمرّ تحقيق هذه الغايات عبر سياسة داخليّة مستقلّة أم أنّ التبعيّة ستبقى الميزة الثّابتة في الفعل العربي؟ هل يحمل المستقبل السياسي للأوطان العربيّة تجديدا حقيقيا في كل المستويات أم أنّه سيعيد القديم بمزيد من المشاكل وبكثير من الاستبداد؟ أما زال التاريخ قادرا على تحمّل هزائمنا وانكساراتنا الفرديّة والجماعيّة أم أنّه سينتهي ليس باعتبار بلوغنا لاكتمال سياسي واقتصادي وقيمي وثقافي بل بما صنعناه من رِدّة وجهل وتجهيل وفقر وتعصّب وسوء نيّة ورفض للعقل وتبكيت للآخرين والخوف من الحرية جعلنا ‘أضحوكة في متحف التّاريخ’؟ ‘ كاتب تونسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية