القاهرة ـ «القدس العربي» من رانيا يوسف: في إطار فعاليات الدورة الثالثة عشر من مهرجان المسرح العربي الذي تقيمه جمعية هواة المسرح، عقدت ندوة خاصة بعنوان «مخرجو الألفية الجديدة» بمشاركة عدد من مخرجي المسرح الشباب والهواة، قال الناقد المسرحي ناصر العزبي مدير الندوة، إن مسرح الهواة هو ضمير الأمة الحقيقي، لأنه بعد أحداث الثورات العربية تراجع واختفى المحترفون والرسميون، وتألق الهواة أكثر من المحترفين الذين يخشون عادة على مناصبهم، ولكن الهواة هم الذين يمثلون ضمير الشعب، وهم من أثروا المسرح بأعمالهم، وحصدوا جوائز كثيرة في المهرجانات العربية والدولية، واستمروا في العمل في ظل الأوضاع الأمنية والاقتصادية الصعبة التي مرت بها مصر بعد ثورة يناير/كانون الثاني.
وأضاف أن المهرجان وجه الدعوة لعدد كبير من المخرجين، لكن بعضهم لم يجد أن مشاركته في الندوة مثمر، لأن المخرج مكانه المسرح، لكن في الحقيقة لابد أن يظهر صناع العمل المسرحي في ندوات ويناقشون عملهم مع الجمهور، العمل المسرحي ينتهي بمجرد انتهاء عرضه على المسرح، وما يبقى هو كل ما كتب عنه.
المخرج المسرحي عمرو دوارة مدير المهرجان قال، إن مخرجي الجيل الأول كانوا يعتمدون على الموهبة والتنميط والتقليد مثل، يعقوب صنوع ومارون النقاش وعزيز عيد، الذي شارك في فرقة نجيب الريحاني وعلي الكسار، ثم أسس فرقة رمسيس، وكان له فضل كبير في تأسيس فرقة فاطمة رشدي ويوازيه في ترسيخ فن المسرح الأكاديمي في مصر المخرج زكي طليمات، الذي أسس المعهد العالي للفنون المسرحية وشاركوا مع المخرج فتوح نشاطي في تأسيس أول فرقة رسمية هي المسرح القومي عام 1945، ثم بعد ذلك ظهر جيل آخر من المخرجين مثل، نور الدمرداش وسيد بدير، وظهر جيل عبد الرحيم الزرقاني ونبيل الإلفي وكمال ياسين، ثم جيل الستينات مثل، سعد أردش وكرم مطاوع، الجيل الذي صعد مع نجيب سرور. أما جيل السبعينات فمر بظروف صعبة، سواء على مستوي الإبداع أو الإنتاج، مثل شاكر عبد الحميد وعوض محمد ومحمود الإلفي ومجدي مجاهد وسيد طليب، رغم أعمالهم الكثيرة في المسرح، لكن تظل لكل مخرج منهم دورة أو درتان فقط هي الباقية بين هذه الأعمال. وأضاف دوارة أن هناك جيلا وسطا مثل المخرج سمير العصفوري والمخرج فهمي الخولي، إلى أن ظهر جيل جديد منتصف الثمانينات، مثله كل من المخرج عصام حلمي وعصام السيد ومحمد الخولي وناصر عبد المنعم وهشام جمعة، هذا الجيل ترك بصمة حقيقية في تاريخ المسرح المصري، رغم قلة الإمكانيات التي كانت تحاصره. وأضاف دوارة أن جيل التسعينات والألفية الجديدة تمتع بروح مختلفة عن الأجيال السابقة، حيث تمرد على الأنماط السائدة واستطاع أن يبتعد عن التقاليد السائدة، مثل تجارب المخرج سعيد سليمان، رغم أنه كان يعمل داخل حدود مسرح الدولة، لكنه اكتشف أن المؤسسة الرسمية لن تستطيع أن تلبي طموحاته، فخرج وكون فرقة جديدة مستقلة.
هذا هو الجيل الذي واكب الثورة، أكثر من تجربة قدمت روح ثورة يناير، منها تجربة المخرج مازن الغرباوي في عمله المسرحي «هنكتب دستور جديد» الذي حصد العديد من الجوائز. وتجربة المخرج خالد توفيق في «انتظار اليسار» وغيرها من التجارب، أكثر ما يميز هذا الجيل أنه يتواصل مع بعضه، ونحن سنصبح مجرد ذكرى لهم.
المخرج المسرحي سعيد سليمان قال، إنه أسس فرقة «احتجاج» المستقلة لتكون لديه فرصة أوسع للتجريب والاكتشاف والهروب من وحدة النص، الذي يقدم على المسارح التابعة لوزارة الثقافة، وأشار إلى أن من أهم سمات العروض التي قدمها في فرقة الهواة، أنه ذهب للاهتمام بالطقوس الشعبية المصرية، وحصل على عدة جوائز عن عروضه، «ياسين وبهية» و»عرس الدم»، كما قدم لأول مرة أوبرا شعبية عن قصة ياسين وبهية و»بيت برنارد البا»، وأشار إلى أنه قدم العرض المسرحي «النافذة» عن التحولات الاجتماعية للإنسان المصري بعد ثورة يناير.
ويوضح سليمان أن اهتمامه انصب في التجارب التي تبحث عن الهوية الإنسانية أوائل فترة التسعينات، بدأت بتجربة مسرحية اسمها «الصرخة» كانت تقترب في طابعها من منهج الدادية، عرضت في أحد مراكز الشباب، كانت عن الصرخة النفسية لحال جيل كامل من الشباب وعن الأوضاع الاجتماعية العامة التي تحيط بهم، ثم انتقل بعد ذلك إلى العمل على استنباط أو استلهام التراث الشعبي وإعادة صياغته، التراث الشعبي كان غنيا جدا في استلهاماته، خاصة الطقوس الشعبية القديمة، بدأ يعيد إحياء أعمال سينكا، وتعرف على التجربة البولندية التي يرى أنها الأهم في استلهام الطقس الشعبي البولندي.
ويضيف المخرج سعيد سليمان، أن نظرته إلى العادات والتقاليد الشعبية المصرية بكل طقوسها ومواويلها ومناسبتها واحتفالاتها، وكيفية الاستعانة بها كانت مختلفة، فهو أراد أن تكون موضوعا رئيسيا للحدث، وليس مجرد جزء مكمل للموضوع، وأكد على أنه عمل على أن تكون العلاقة بالمواجهة وليس بالتماس، وهو ما يتناسب مع حالة التمرد والغضب بما أن المنهج الذي نسير عليه هو التمرد والاحتجاج على الفكر المصري الميت، أو السلبي غير المتمرد. ويؤكد على أن غايته كانت مواجهة هذا الطقس وليس التماس معه، التجربة كانت نوعا من أنواع التمرد على الشكل، لذلك صغت أسلوبا جديدا اسمه أوبرا شعبية، رغم أن الكثيرين هاجموني، قدمت على مدار ساعة ونصف الساعة عرضا لنجيب سرور، مسرحية حولتها إلى عمل غنائي في إطار من الأوبرا الشعبية أو الطقسية، وحصدت نجاحا كبيرا وقيل عنها إنها تجربة رائدة وقتها. ويضيف: «بعد ذلك بحثت في التراث الشعبي وعملت تجربة أخرى صوفية، لكن لدينا أزمة في الممثل العربي،
هو لا يمتلك التدريب الكافي ليقود عرضا موسيقيا طقسيا كاملا بمفردة، تفاصيل هذه العروض تلقي العبء بالكامل على الممثل، فهو يغني ويرقص ويمثل ويجسد تفاصيل هذه الطقوس وهذا يتطلب تدريبا وتواصلا كبيرين. ورغم أن هناك محاولات سابقة لكن الممثل لم يأخذ الجانب الأهم في التوجيه ولم يبرز موهبته، العقبة لدي كانت أنني أرغب في العمل على مسرح قائم على التراث، لكنه غير قائم على الحوار التقليدي، بالمقابل كان الممثل يحتاج إلى تطور في الأداء وتوسع في استيعاب الدور يواكب التغير العالمي في شمولية الممثل، وكيف يكون هذا الممثل شاملا بمعنى الكلمة من الداخل والخارج.
ويوضح: «قدمت تجربة قريبة من هذا الجانب بعنوان «السيد زرزور» ترد على مسرحية «الفرافير» قائمة فقط على الممثل، تصب هذه الثقافة الشعبية في القدرات الأدائية للممثل فقط الذي كان يقوم بكل هذه الطقوس دفعة واحدة، كأنه فنان شعبي أصيل، لكنه متطور ومنفتح على التدريبات العالمية للممثل، بعد ذلك واجهتني عقبات لازالت موجودة، هي البحث والاستلهام من التراث، لكن المنظومة الحكومية في مصر تعوق الفنان، لذلك يجب أن تكون هناك فرق مستقلة بديلة تقود هذا التغيير وتكسر القيود الروتينية، نحن نعيش مرحلة مختلفة تماماً، البحث في التراث الشعبي مرهق ونادر جدا، لذلك استعنت ببعض النصوص الغريبة مثل، أعمال لوركا وشكسبير، هذه التجارب كانت تحديا كبيرا بالنسبة لي، في استلهام مسرح شكسبير وإعادة تقديمه بما يتناسب مع الطقوس المصرية والعربية، قدمت ماكبث في حلقة زار متلبسا بالعنفوان والدم والغضب والعنف الداخلي في طقوس الزار المصري، كما قدمت أيضا عملا مزجت فيه بين أعمال اسخيليوس يوروبيديس وابن عربي، في تجربة اسمها «كيف تكلم ابن عربي» دمجت فيها بين خمسة نصوص من ثقافات مختلفة، جمعت أعمال ليوربيديس مع الحلاج ومع المسيح مع عابدات باخوس اختلطت الثقافات وتشابهت في توجه الحب العالمي، التجربة قائمة على هذه التداخلات، حلمي هو الوصول للجوهر ومحاولة للاكتشاف المستمر، لا يوجد سقف ولا نهاية للتراث العالمي.
المخرج المسرحي خالد توفيق قال، إنه اكتشف خلال رحلته التي تصل إلى 38 عرضا مسرحيا، أن جوهر الفن هو بساطة بلا تسطيح وتعقيد بلا إبهام، المسرح يعتمد على المتلقي اكثر من أي شيء، ويضيف توفيق أنه يضفي جزءا من المشاركة بين العمل والمتلقي، حيث يجعل المتلقي شريكا اساسيا في العملية الإبداعية، المتفرج جاء ليتشارك العمل مع صانعه، انتظر أن يستقبل الإشارات والدلالات حتى إن غادر المسرح هذا أيضا في حد ذاته تفاعل لأنه أعلن عن وجهة نظره، في أنه ليس متواصلا مع العرض.
الكاتب والمخرج المسرحي المغربي عبد المجيد شكير قال، إن فرق الهواة المسرحية هي التي ساندت وجود مسرح عربي طوال السنوات الماضية.
وأضاف أن هذه الفرق هي التي كان يتم اعتقالها بعد كل عرض في المغرب وكانت هي الترجمات الحقيقية لتعريب عدد كبير من نصوص المسرح العالمي، الذي من الصعب أن تهتم بتقديمها فـــرق المسرح الخاص، ويضيف أن فرق الهواة هي التي كانت تحاول وتجرب.
في العالم العربي نلاحظ أن تجارب الهواة كانت تمارس العمل المسرحي من منطلق العشق، لذلك كانت على مستوى الأداء الفني والآيديولوجي والجمالي أكثر حرفية. في الفترة من 1985 و1990 كان مصطلح محترف يؤخذ بسخرية، وكان مصطلح محترف معادل للمسرح التجاري الذي لا يحمل عمقا أو رسالة، التجربة المغربية اختلفت بعد تأسيس المعهد العالي المسرحي أخذت إشكالية تعريف المحترف تنضــــج وتتغير أكثر، وكانت كلمة محترف تعني الدماء الجديدة ووجود الفرق الحرة والهواة وفهم الجيد لمعنى الاحتراف اختلفت مقاييسه، وأصبح المحترف هو من تلقى تعليما أكاديميا وله أعمال كثيرة ناضجة، ويؤكد أن الهواية ليست معناها التجريب، ولكن العشق والحرفية في العمل، الهواية هي الزاد الحقيقي للفنان.