التنوير : «حكمة» يتم التشبع بروحها ولا يمكن نقلها

فكرة التنوير الأساسية، حسب الفيلسوف أيمانويل كانط، تدور حول شعار «لتكن لديك الشجاعة لاستخدام عقلك» ويعني هذا مع المضان الأخرى التي يحملها: خروج الإنسان من قُصوره، الذي اقترفه في حق نفسه على مدار التاريخ، والقُصور هنا تعبير عن عجزه عن استعمال عقله، إلا بتوجيه من إنسان آخر.
كتاب «مدخل إلى التنوير» لعثمان أشقرا، الذي صدر عن منشورات افريقيا الشرق في الدار البيضاء مؤخراً، ناقش هذه الإشكالية التاريخية في الفكر الإنساني. وتابع أحداثاً تاريخية كثيرة ساعدت في نشوء فكر التنوير في أوروبا منذ القرن الثامن عشر، الذي ساهم في بلورته في ما بعد فلاسفة وأهل فكر معاصرون، كجاك غودي وميرسيا إلياد وجيلبير ديران وغيرهم. كما لم يفت كاتبه من طرح الكثير من المعضلات التي واجهت المفكرين العرب في فهم التنوير. وما بذل من قبلهم من محاولات جادة لإزالة الإبهام في فهم الفكر التنويري، كإدوارد سعيد وهاشم صالح والصادق النيهوم وغيرهم. وفهم السياق الإنساني، الذي تم فيه نقل الإنسان من فكرة الوصاية والنعت بالقُصور، إلى وضع النضوج والتحرر من كل وصاية.

المشترك الإنساني

عرف الكاتب التنوير بـ»عمق الصيرورة الإنسانية الصعبة والمعقدة نحو تحقيق الوجود الإنساني في أبهى وأعمق ما فيه، حرية الإرادة وعقلانية التفكير، وقابلية الفعل والسلوك للتحسن باستمرار». وتناول المنعرجات والقطائع عن هذه الصيرورة فتناولها في مبحثين، الأول، في الفكر الشرقي القديم بين الأسطورة والعقل، ووضح فيه ما جاءت به «الكونفوشيوسية» وما مرّ به الفكر البشري من تطور منذ ذلك الحين. والمبحث الثاني عن الديانات السماوية. درس خلاله مسألة العقل والإيمان، كما تناولته «الرشدية» والرشدية بمعنى ـ إدراك الرشد العقلي ـ وهو المضمون الحقيقي للتنوير حسب جون كولر. وتساءل الكاتب في هذا المبحث، كيف تستقيم «الرشدية» مع قصور قدرات البشر في فهم ما يحيط بهم من ظواهر غير مفهومة، ولم يحسم العلم أسبابها؟ فأصحاب الرشدية مضطرون إلى البحث عن إجابات، هي في كل الأحوال تقود إلى فرضيات نظرية مقترحة عليهم من آخرين.
ضم الكتاب ستة فصول، وخلاصة عامة تتبع فيها هذه الإشكالية، وغيرها من خلال تحليل الأسس القائمة على قيم ومبادئ الحرية والعقل والتقدم، وهي قيم التنوير الأساسية. وبها تمت مأسسة الفكر الأوروبي الحديث، ونقله إلى الواقع، ليصير فعلاً حياتياً يمارسه الناس. وضمنه ما طرحه الفيلسوف ماكس فيبر في كتبه وقبله هيغل في كتابه «فنمنولوجيا الروح» حول تاريخ نشوء الحداثة، الذي نص على أن الحداثة ليست أوروبية خالصة، بل هي انصهار لمثال «النهضة وأخلاقيات الإصلاح الديني» وقيم «العقلانية» و»التجريبية» وكلها أفكار ودعوات تفاعلت فيها مؤثرات ثقافية من اليونان القديمة، والحضارة الصينية، والفلسفة الإسلامية. والهدف الأعلى لما توصلت إليه، تحقيق الوجود الإنساني في أبهى وأعمق ما فيه، حرية الإرادة وعقلانية التفكير وقابلية الفعل والسلوك، وتحسين كل ذلك باستمرار.
وأورد الكاتب الكثير من الأقاويل الملفقة حول أوضاع الشرق التي لعبت الدور الحاسم في تثبيت «صورة معينة» عن الشرق تداخل فيها الهوس بالافتتان، وحدد لها الفترة منذ نشر ماركو بولو لتقريره الفاتن عن رحلته إلى الصين، وحمل التقرير الكثير من المغالطات والحكايات الخرافية عن ذلك الشرق الغامض للأوروبيين.

خيانة التنوير

كان موقف فولتير من تلك التصورات الغربية مختلفاً، بما وجده في عملين صينيين هما: «زاديغ» 1748م و»يتيم الصين» 1755. فقد رأى فيهما تمدناً، وعقلانية صينية كونفشيوسية، مقابل أوروبا الغارقة في التعصب والخرافات. واستلهم من ذلك مقالاً في الأخلاق عام 1756. أكد فيه التفوق الأصيل للفلسفة الأخلاقية الصينية، وكذا ذكر تفوق نظام الصين السياسي، الذي حسب زعمه، لا يرتكز على ارستقراطية وراثية، بل على مبادئ عقلانية. وذهب في مقاله إلى حد الجهر بالقول «إننا نجد في الشرق أقدم حضارة على الإطلاق، وأقدم شكل للأديان، ومهد جميع الفنون، لذلك كله، فإن الغرب مدين بكل شيء للشرق.
موقف فولتير من أوروبا يعود إلى هوسه بسحق ما كان ينعته بـ»العار» أي التعصب الديني المهيمن على فرنسا آنذاك، وفضح طغيان الملوك، أكثر مما كان مهموماً بتطوير نظرة موضوعية من قبل الغرب للصين والشرق عامة. ويمكن الاستنتاج من تلك النظرة المعتدلة، كما جاء في فصل «مسارات التنوير ومضمونه» أمران مهمان: الأول لا يجوز استبدال نظرة اختزالية مخيالية مطلقة عن الشرق بنظرة اختزالية» عقلانية» ـ غربية ـ لا تقل إطلاقية وقطعية عنها، ولو كان مراد فولتير الحقيقي، محاربة التعصب الديني، والاستبداد السياسي. وثانياً، ليس الشرق شرقاً والغرب غرباً، ولن يلتقيا أبداً، كما ادعى كبلنغ، لكن هناك الشرق في الغرب، أي حضور ما يمكن أن نسميه بـ»المشترك الإنساني» الذي هو عبارة عن صيرورة تشكل وعي الإنسان بإنسانيته، والمجرى التاريخي الطويل الممتد، الذي انتهجته هذه الصيرورة. التنوير تبعاً لهذا الفهم، الفلسفي العميق لكينونته، ليس أنموذجاً يُحتذى أو يمكن نقل تجربته من شعب إلى آخر أو من زمن إلى آخر، بل هو «حكمة» يتم التشبع بـ»روحها» وتعني: حكمة التنوير، أو بمعنى أشمل وأدق، رفض الوصاية على الفرد، وممارسة النقد والثقة في الإنسان وقدراته. وفي مبحث «مجالات التنوير» تتبع الكاتب مسارات التنوير في أوروبا، ووضح خيانتها لروح التنوير، الذي تنادي به نخبُها الفكرية والثقافية، وتتخذه حكوماتها فلسفة لإدارة مجتمعاتها، وذلك باستعمارها الدول المتخلفة بداية القرن الثامن عشر. وإشعالها الحروب الكونية، وتحقيق العوائد الاقتصادية لدولها، كالحرب العالمية الأولى والثانية. ولتبرير تلك الخيانات أنبرت فلسفات جديدة تصنف نفسها «فيما بعد الحداثة» لتضرب التنوير في صميم روحه، بتشكيكها بالتقدم، وإبراز «الاختلاف» معلنة: «موت الإنسان» و«سقوط السرديات الكبرى» و«نهاية التاريخ» وبذلك تمت خيانة «التنوير» الذي تدعيه باسم «النسبية» و«المحلية» و»الاختلاف» وكل ما ورد من ذرائع لتبرير خيانة روح التنوير لا غير. وطالما ردد المستشرقون والتنويريون في الغرب وروجوا عن روحانية الشرق، وعقلانية الغرب، وكأن الأمر مسلمة لا سبيل منها لفهم ما يدور في الشرق، لكن إدوارد سعيد في كتابه «الاستشراق» الصادر عام 1978 برهن زيف هذا الجدلية، واعتبرها زعماً أيديولوجياً واستيهاماً إثنياً يعمل وفق المفهوم الغربي للمركز والأطراف.
والأجيال الجديدة من المثقفين والكتاب العرب بسبب هذا يخلطون في بعض الأحيان بين التنوير، وفلسفة الأنوار التي شاعت في فرنسا بداية القرن الثامن عشر، وكان لهذه الفلسفة أنصار ومؤيدون ومعارضون وضحايا وخائنون.

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية