بصفتي طبيباً فقد اطلعت على ظروف العلاج في المستشفى الميداني بمنشأة الاعتقال “سديه تيمان”. وبصفتي طبيباً في جهاز الصحة، شاهدت الصعوبة في استيعاب المعتقلين في المستشفيات وتطبيق سياسة إطلاق سراح مبكر، والتي كان هذا الأمر يضر بنوعية العلاج والمعالجين فيها ويناقض المنطق الطبي الأساسي. مؤخراً، نشرت شهادات كثيرة عن البدء في حوار مهم حول الأخلاقيات الطبية بشكل عام، وعن تعامل إسرائيل مع المعتقلين الفلسطينيين.
منذ فترة غير بعيدة، نشر الدكتور يوسف وولفيش، رئيس مكتب الأخلاقيات المهنية في “الهستدروت الطبية” الإسرائيلية، للمرة الأولى، مقالين تطرق فيهما إلى هذه الادعاءات: رسالة رسمية للأطباء في إسرائيل (الهستدروت الطبية في إسرائيل)، ومقال في موقع “أطباء فقط” (21/4). متابعة وولفيش للحوار أمر حيوي، لكن يثور خوف من أنه بدلاً من أن يتطرق لهذه الأمور بشكل معمق ومهني، كما هو متوقع من رئيس مجال الأخلاقيات في الهستدروت الطبية في إسرائيل، اختار الدفاع ورفض الادعاءات بشكل سطحي.
وولفيش يذكر الأطباء بأن حتى مخربي حماس لهم حق في العلاج المتساوي والمنطقي، ويدعم ذلك باقتباس بيانات دولية حول حق أي شخص في الحصول على العلاج وواجب احترام كل مريض دون صلة بانتمائه السياسي. إزاء المناخ العام وتصريحات جهات رفيعة في جهاز الصحة، بما في ذلك وزير الصحة، بأنهم يعارضون إرسال المعتقلين إلى المستشفيات العامة، فإن أقواله تذكير مهم. ولكن حتى هنا انتهى الجزء الإيجابي؛ فإضافة إلى التزامه بالمبادئ الأساسية للأخلاقيات الطبية، فإن ما قاله وولفيش لوصف واقع العلاج يعكس الانحراف عن هذه المبادئ التي اقتبسها في رسالته.
في الواقع المعقد داخل “سديه تيمان” وفي المستشفيات العامة، لا يكفي توجيه “يجب علاج الجميع بشكل متساو”. في الرسالة الرسمية التي نشرها مكتبه، لم يستخدم وولفيش قط كلمة “معالجين” في تطرقه للمعتقلين الفلسطينيين. وأطلق عليهم بدلاً من ذلك (مخربو حماس). وهذا يدينهم فعلياً، وكأنه قد تمت محاكمتهم وإدانتهم. في خلاف مطلق مع القاعدة الأساسية للأخلاقيات الطبية، “الواجب هو الحفاظ على الحياد الطبي. ويمنع إن يكون للاتهامات، حتى للإدانات، أي تأثير على طبيعة العلاج وتوفيره، حتى لو تم الأمر بالإشارة”.
المقال الذي نشره وولفيش في مجلة “أطباء فقط” والذي توجه فيه إلى الأطباء في إسرائيل، وبدأه بتصريح سياسي، بصفته شخصاً عادياً، فإن من حق وولفيش أن يكون له موقف. ولكن في الوقت الذي يفعل فيه ذلك ويرتدي قبعة رئيس مكتب الأخلاقيات في الهستدروت الطبية، فإنه يمس بالحيادية الطبية التي يجب أن يمثلها.
لا يدور الحديث فقط عن دلالات، بل إن لموقف وولفيش تداعيات عملياتية. فقد تطرق المقال إلى استخدام زائد “للتكبيل المبالغ فيها”. التكبيل الذي أدى حتى إلى بتر الأطراف. حسب تعليمات وزارة الصحة، فإن “المعتقلين يجب تكبيلهم طوال الوقت، وعيونهم معصوبة طوال الوقت”، وشهادات الطواقم الطبية التي تم نشرها أكدت ذلك. في الحالات التي شاهدتها في “سديه تيمان” وفي المستشفى، كانت كل أطراف المعتقلين مكبلة، وهكذا لا تسمح لهم حركة. حسب شهادات أخرى، كان يتم تغذية المعتقلين بواسطة أنابيب، ويقضون الحاجة في الحفاضة. يؤيد وولفيش هذا الاستخدام في مقاله؛ لأن “لجنة الأخلاقيات المهنية وجهت الطاقم الطبي وأعطته تأكيداً على أن سلامة الطاقم فوق أي اعتبار أخلاقي آخر”.
كان من الواضح لنا أيضاً، نحن في الطواقم الطبية، ضرورة سلامة الطاقم، لأن تأييد هذه الرسائل للتكبيل يعبر عن قرار كاسح، يتجاهل بدائل أقل ضرراً ولا يأخذ في الحسبان إمكانية فحص حقيقي وفقاً لخطورة المعتقل ووضعه الصحي. إضافة إلى ذلك، فإنه فيما يتعلق بعصب العيون، الذي يظهر في بروتوكول وزارة الصحة، فإن منظمة الصحة العالمية وجهت الأطباء إلى أنه “يجب عدم الموافقة في أي وقت على فحص المعالجين وهم معصوبو العيون. وتؤكد التوجيهات السابقة للجنة الأخلاق المهنية على الحاجة لوضع قيود على عملية التكبيل. في المقال الذي نشر قبل سنة بالتعاون مع مكتب أخلاقيات المهنة، تم اقتراح خطة عمل لتقليص هذه الظاهرة، طريقة التكبيل حسب خطورة المعتقل الذي يتم علاجه. لكن وولفيش تجاهل كل ذلك.
مقاربة وولفيش تجبي ثمناً باهظاً من الطواقم الطبية المتطوعة في “سديه تيمان”، التي تواجه تحديات مهنية صعبة وخاصة. فهي من جهة تتعرض للخطر على اعتبار أنها متعاونة مع التعذيب وحتى مع جرائم الحرب. ومن جهة، تهاجَم إسرائيلياً لمجرد تقديم العلاج للمعتقلين. في هذا السياق، يجب عدم اعتبار التقارير عن التنكيل والتعذيب في “سديه تيمان” تهمة، وأسوأ من ذلك خيانة. يجب اعتبارها دعوة للعمل وطلب للتوجيه – لأنها الهدف الذي من أجله وجدت لجنة الأخلاق المهنية.
حتى الآن، تم نشر عدة شهادات لمعتقلين تم إطلاق سراحهم عن أعمال التنكيل والتعذيب التي نفذت في “سديه تيمان”. إضافة إلى ذلك، كما قلنا، ثمة أطباء تحدثوا عن سياسة إطلاق السراح المبكر والعلاج بشكل متدن للمعتقلين الذين تم نقلهم للعلاج في المستشفيات العامة. أحد الأطباء الذي شهد على مثل هذه الأمور، يجب عليه الشعور بأنه حر وآمن في الإبلاغ عن ذلك، فهذا واجبه كطبيب. ولكن للأسف، في واقع خطاب عام وسياسي متجرد من الإنسانية لكل موقف لا يتساوق مع الإجماع، طواقم طبية كثيرة لا تشعر بواجب الإبلاغ عن ذلك، والأخطر أن الكثير منها تمتنع عن الإبلاغ بشكل متعمد خوفاً من الإضرار بمكانتهم ومصدر رزقهم.
في هذا الوضع أهمية كبيرة لتصريحات ممثلي “الهستدروت الطبية” بصفتها مؤسسة تمثل الأطباء. اتحاد الأطباء الدولي يطالب النقابات الطبية الوطنية والأطباء بدعم الطبيب وعائلته إذا تعرضوا للتهديد نتيجة رفض التعاون مع التعذيب أو أشكال أخرى للعلاج الوحشي وغير الإنساني أو المهين (جمعية الطب الدولية، إعلانات طوكيو، وإعلان هامبورغ).
إضافة إلى ذلك، لـ “الهستدروت الطبية” دور أساسي في طرح طلب السماح بزيارة الصليب الأحمر، وهي خطوة إنسانية لها أهمية طبية في بعض الحالات. وما دام الصليب الأحمر لا يسمح له بزيارة “سديه تيمان”، فإن مكتب الأخلاق المهنية التابع لـ “الهستدروت الطبية”، أحد حراس العتبة الوحيد في هذه الساحة، كان يجب عليه إسماع صوته بشكل واضح في هذا الشأن. عدم التطرق الجدي للشهادات لا يعتبر رداً مقبولاً. المطلوب الآن ليس محاولة تفسير أو تبرير موافقة لجنة الأخلاق المهنية على الظروف الاستثنائية للتكبيل في “سديه تيمان”. القول بأنه “في حالة وجود تجاوز يطلب من الطاقم الطبي التحذير من التكبيل الذي قد يضر بصحة المعالج، وبشكل عام السعي إلى الحد الأدنى من تكبيل المعالجين في المنشأة”.
لقد مرت سبعة أشهر على 7 أكتوبر. والخيمة التي في الصحراء لن تكون الحل الأخلاقي أو المهني للوضع، خصوصاً في دولة فيها مستوى طبي عال، مثل إسرائيل. إذا كان الهدف هو التخفيف عن المنظومة العامة، فإن “سديه تيمان” تعدّ رداً مأساوياً وغير كاف. بدلاً من محاولة لجنة الأخلاق المهنية التعامل مع الظروف التي حسب التعريف، تناقض الأخلاقيات الطبية، يجدر الاستثمار في حلول تمكن من تقديم العلاج المناسب للمعتقلين في المنظومة العامة مع الحرص على الفصل الجسدي بينهم وبين المدنيين. هكذا سيتم توفير الحماية للطواقم الطبية وسيتم الحفاظ على قواعد الأخلاق المهنية العالمية وطبيعتها ونزاهة الطواقم الطبية عندنا.
بقلم: طبيب هويته محفوظة في أسرة التحرير
هآرتس 10/5/2024