يخضع «العقل» اللبناني لعملية استرهان متمادية تجعله كمن يتحرك بـ«الريموت كونترول» وتضيق معه مساحات الفكر الحر تحت وطأة حملات مبرمجة تتناول ملفات يخفت صوتها ويعلو لأسباب مجهولة ـ معلومة، غالباً ما تنتهي معارك «طواحين الهواء» حيالها بترسيخ «العجز» اللبناني، الدولة والنخب، وكأن ثمَّة من يُدير من الخلف عملية ممنهجة لـ«تأييد» الانطباع بأنه لم يعد في إمكان لـ«طائر الفينيق» بأن يُحلّق من جديد بعدما تحوَّل كل شيء رماداً.
وثمة اقتناع يتزايد في بيروت، التي استحضرت أخيراً ذكرى 7 أيار/مايو 2008 العملية العسكرية لـ«حزب الله» في العاصمة والجبل، والتي نجح من خلالها في «كسر الديمقراطية» في البلاد لمصلحة تحوّله إلى ناظم سياسي ـ أمني مُمسك بالأمر الاستراتيجي، بأن لبنان دُفع نحو ثلاث مغامرات محسوبة: الفراغ الرئاسي أقصر الطرق لتفكّك الدولة، وحرب المشاغلة مع إسرائيل التي أعلن عنها «حزب الله» بعد عملية «طوفان الأقصى» والتي تضع مصير لبنان برمته على المحك، وملف النزوح السوري المرتبك أساساً بالتدافع المستمر بين نظام الرئيس السوري بشار الأسد، والمجتمع الدولي حول الحل السياسي.
في لبنان ثمَّة من أدار ظهره للحرب الدائرة في الجنوب في مواجهة إسرائيل والمساعي الدبلوماسية لإنهائها في آن، ومن سلّم بديمومة الفراغ في رأس الدولة تماشياً مع إرادة «حزب الله» في احتجاز هذا الاستحقاق إلى حين تعبيد الطريق أمام مرشّحه سليمان فرنجية… ومن خلف الحرب والفراغ جرى فتح معركة «النزوح السوري» على مصراعيها، وكأن هذا الملف «ابن ساعته» رغم مضي 13 عاماً على تهجيرهم.
«قضية حق يُراد بها باطل» هو المثل الأصدق في وصف الصحوة التي تتناول ملف النزوح السوري بمكبرات الصوت في بيروت وتجعله ساحة لاشتباك سياسي داخلي ومع المجتمع الدولي وملعب توترات اجتماعية بين النازحين والمجتمعات المضيفة، وهو الأمر الذي بلغ ذروته مع هبة المليار يورو التي قرَّر الاتحاد الأوروبي منحها للبنان، والتي اشتعلت في وجه رئيس الحكومة نجيب ميقاتي بعدما اعتبرتها قوى سياسية ولا سيما مسيحية «رشوة» لإبقاء النازحين في لبنان.
نار تحت الرماد
أضحى ملف النازحين السوريين كالنار تحت الرماد. في لبنان، تغيب لغة الأرقام، وما زاد من حجم الأزمة توقف لبنان عن تسجيل النازحين إلى لبنان منذ العام 2015. وتطالب السلطات اللبنانية اليوم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بأن تزودها بشكل رسمي بـ«داتا المعلومات» حول أعداد النازحين – حسب التسمية اللبنانية – وهم وفق القانون الدولي لاجئون. يتحدث تحقيق عن حال اللاجئين إلى لبنان منشور على موقع المفوضية عن نحو 780 ألف لاجئ سوري مسجل لديها. ولكن ليس هناك إحصاء رسمي لبناني حول عدد اللاجئين الذين تنطبق عليهم صفة اللجوء. الأرقام غب الطلب التي يتم تداولها من قبل وزراء في حكومات متعاقبة ومن قبل قوى سياسية ووسائل إعلامية ومصادر أمنية تتراوح بين مليون ونصف ومليونين وتصل أحياناً إلى الثلاثة ملايين. وقد تكون تلك الأرقام صحيحة أو مبالغاً فيها، لكنها بالتأكيد تخلط بين اللاجئ الأمني الذي نزح جراء الأحداث في سوريا، واللاجئ الاقتصادي والعمالة السورية ومنهم مَن لا إقامات شرعية له.
تُفاقِمُ الحدود غير الشرعية المفتوحة على كل أنواع التهريب ومنها تهريب البشر، وسهولة الانتقال بين البلدين عبر المعابر غير النظامية، من حجم الأزمة، لكن العطب الأساسي يكمن في غياب سياسة عامة متكاملة لملف اللجوء تنتهجها الدولة بكل مؤسساتها وأجهزتها وسلطاتها المحلية، وتقاعسها عن القيام بواجباتها وإنفاذ القانون، وتواطؤها وغضها الطرف عن المخالفات بالجملة وإقدام العديد من السوريين على العمل في مهن لا يخوِّلها القانون لهم، وانتفاع اللبنانيين من أرباب عمل وشركات وحتى هيئات اقتصادية وتجارية من النازحين والعمالة السورية غير الشرعية، ما جعل الأمر بعد 13 عاماً على أزمة اللجوء معقداً ومتعدد المخاطر والتحديات، ويفوق على الأرجح القدرة على احتوائه والتعامل معه في ظل منظومة سياسية ما زالت هي نفسها تمسك بإدارة البلاد رغم الانهيار الاقتصادي ـ المالي – الاجتماعي الذي شهده لبنان منذ تشرين الأول/أكتوبر 2019 والذي تستمر تداعياته وتنذر بمصير أسود لـ«بلاد الأرز».
قوارب التهريب وعمليات القتل
استفاقت قبرص في شهر نيسان/أبريل على تدفق غير طبيعي لـ«قوارب المهاجرين غير الشرعيين» من لبنان. وأعلن الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس عبر منصة «إكس» أن بلاده لن تنظر بعد الآن في طلبات اللجوء للسوريين بسبب زيادة حادة في أعدادهم في شهر نيسان/أبريل. وسُجِّل وصول أكثر من ألف مهاجر عن طريق البحر في الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام مقارنة مع 78 فقط خلال الفترة نفسها من العام الماضي. كادت قوارب تهريب المهاجرين السوريين التي تأتي من الشواطئ اللبنانية أن تُحدث أزمة دبلوماسية بين بيروت ونيقوسيا. علا صوت الرئيس القبرصي وطرح على الاتحاد الأوروبي مساعدة لبنان.
بالتوازي، كانت البلاد تعيش على وقع حادثة مقتل منسّق حزب «القوات اللبنانية» في منطقة جبيل باسكال سليمان في التاسع من نيسان/أبريل على يد عصابة سورية، وفق ما كشفته تحقيقات مخابرات الجيش اللبناني، فاحتدمت الأجواء في مناطق عدة ضد السوريين. جرت عمليات اعتداء وعُلّقت يافطات تدعوهم إلى المغادرة. أيام قليلة وتمَّ احتواء الموقف قبل انفلاته على نطاق واسع، لكن الدعوات إلى ضبط وتنظيم وضع السوريين بدأت تتوسّع، وأصبحت الأحداث الصغيرة والكبيرة التي يقوم بها سوريون تحت المجهر، ولا سيما أنه سُجّلت في وقت قصير أكثر من حادثة قتل بدوافع السرقة، وتمّت عمليات مداهمة وتوقيف بتهم متعددة. في حقيقة الأمر، يتألف زعماء العصابات المتفلتة، والتي تتوزع على مختلف المناطق، من اللبنانيين في غالب الأحيان، لكن المنفّذين على الأرض سوريون يتقدمون إلى الواجهة ويتحولون إلى كبش محرقة.
شظايا لغم المليار
في الثاني من أيار/مايو زارت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فوديرلاين لبنان بصحبة خريستودوليدس لتعلن بعد محادثات مع رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي عن تخصيص حزمة مالية للبنان بقيمة مليار يورو اعتباراً من السنة الحالية وحتى عام 2027. بعدها اشتعلت المواقف السياسية حول المنحة الأوروبية التي سُميت بـ«رشوة المليار».
المتابعون لملف النزوح السوري يؤكدون أن ما أعلنته فوديرلاين عملياً لا يحمل جديداً. فالاتحاد الأوروبي يقدم سنوياً مساعدات تفوق المئتي مليون دولار لبرنامج الاستجابة للأزمة السورية والمجتمعات المضيفة، وهذا الرقم يقارب المبلغ المعلن عنه لأربع سنوات، لكن «الهمروجة الإعلامية» وطريقة استثمار رئيس الحكومة أثارت الزوبعة السياسية من جهة، كما أثارت شكوكاً لصفقة ما، من جهة أخرى. يتخوف المدير التنفيذي لـ«ملتقى التأثير المدني» الخبير في شؤون اللجوء زياد الصائغ من أن تكون حكومة تصريف الأعمال ورئيسها يراهنون على الذهاب لتوقيع اتفاق على غرار الاتفاق الذي وقعته المفوضية مع كل من تونس ومصر وتركيا. ويقول: إذا حصل ذلك، سنكون أمام مأزق كبير، لأن لبنان يجب أن يؤكد على عودة اللاجئين إلى بلادهم وليس على تحصيل أموال أكثر لبقائهم في لبنان إما بشكل مؤقت أو بعيد المدى نتيجة تعثر الحل السياسي في سوريا. ويضيف: إن قبول لبنان بمثل هذا الاتفاق سيدخله في صف دول المصفاة أو دول الحائط التي تُبقي اللاجئين والمهاجرين لديها وتحاول دمجهم في مجتمعاتها مقابل تحصيل أموال تحت شعار الحاجة. وبالتالي، فإن توقيع هكذا اتفاق سيكون خطأ كبيراً وتجاوزاً فاضحاً للدستور، كون المسالة تتعلق بهوية لبنان الحضارية وكذلك بحق هؤلاء اللاجئين بالعودة، ذلك أن لبنان هو بلد عبور وليس بلد لجوء.
في واقع الأمر، لا ثقة بالحكومة ولا بمجلس النواب الذي دعا رئيسه إلى جلسة في الخامس عشر من أيار/مايو الحالي لدعم الحكومة عملياً في منحة المليار يورو الأوروبية. وثمة اعتقاد بأن المنحة آتية من دون شروط الإصلاح التي كانت مطلوبة أوروبياً للإفراج عن المساعدات للبنان. يقول ميقاتي إنه ذاهب إلى مؤتمر بروكسل الثامن المُخصص لدعم مستقبل سوريا والمنطقة، الذي يعقد في 27 أيار/مايو بشقه الوزاري بخطة. هي في الحقيقة ليست بخطة بل تحتوي على مطالب منها تحديد المناطق الآمنة من غير الآمنة التي يمكن للنازحين السوريين العودة إليها وإعطاء العائدين حوافز.
وتعتبر مصادر عليمة أن رفع الوتيرة السياسية حول النزوح أو اللجوء السوري ليس بعيداً عن محاولات ممارسة ضغوط على الاتحاد الأوروبي قبيل انعقاد المؤتمر من أجل الحصول على مساعدات إضافية للبنان. أما مسألة الانضمام إلى دول المصفاة أو الحائط، فرهن الانتظار، وقد يكون من الصعب تحققها حتى ولو كان الاتحاد الأوروبي يرغب بها لمنع التسرّب إلى دوله.
بين المزيدات والمخاطر الأمنية
يكمن جزء من المشكلة في أن قضية النزوح هو ملف للمزايدات السياسية والشعبوية والتحريض وتصفية الحسابات، في وقت يُدرك الجميع أن الحل الجذري يرتبط بحل الأزمة السورية التي تنتظر بدورها التوصل إلى حل سياسي وفق رؤية المجتمع الدولي يفتح الأبواب الموصدة أمام التطبيع السياسي مع النظام السوري وبدء إعادة الإعمار. فلا ذهاب وزير المهجرين القريب من النظام السوري، ولا اتصالات وزير الشؤون الاجتماعية المحسوب على «التيار الوطني الحر» الذي ينسج علاقة وئام مع الرئيس السوري بشار الأسد، ولا الأجهزة الأمنية اللبنانية، ولا سيما مديرية الأمن العام، التي تُنسِّق مع نظيراتها السورية يمكنها أن تُغيِّر في المعادلة الأساسية، وأن تُسهم في عودة طوعية آمنة للسوريين تتخطى أرقاماً خجولة حصلت سابقاً ويتم التسويق أنها ستحصل من جديد. فليس سراً أن نظام الأسد يريد ثمناً إقليمياً ودولياً للعودة التي لن تكون عودة شاملة بل انتقائية، حتى حين يرفع الأمريكيون الـ«فيتو» عن نظام الأسد ويسمحون بمدّه بالمساعدات الممنوعة تحت طائلة العقوبات.
يروي ضابط كبير متقاعد يعيش منذ عقود في منطقة اليرزة (جبل لبنان) الأكثر تحصيناً من الناحية الأمنية كونها تشمل وزارة الدفاع ومحيط القصر الجمهوري ومقرات أمنية، أن المنطقة شهدت في الآونة الأخيرة موجة من السرقات غير المألوفة، وهو ما اعتبره عاملاً مقلقاً كون السرقات جرت تحت أنظار كاميرات المراقبة، ما يعني أن القائمين بها يمتلكون من الجرأة الكثير بحيث يقومون بتلك العمليات دون أن ينتابهم الخوف. ويروي بعض المطلعين على ملفات التحقيق مع موقوفين أن حججهم التي تبرّر إقدامهم على عمليات القتل تنمُّ عن استسهال القتل وعدم مبالاة، ما بدأ يطرح قلقاً جدياً من انفلات الوضع والوصول إلى مرحلة تصبح معها كلفة ضبط الأوضاع مرتفعة جداً أو متأخرة.
ثمّة مَن يعتبر بقوة أن ملف النزوح – اللجوء تحوّل إلى قنبلة موقوتة بفعل الضغط الاقتصادي – المالي الذي يُعاني منه اللبنانيون وشعورهم أن البلاد تغرق بالوجود السوري، وثمّة من يُعبِّر عن مخاوف من توظيف واستغلال أمني نظراً إلى هشاشة الدولة، والخوف من أن يُصيب الانحلال الجسم الأمني مع مرور الوقت نتيجة التفكك الحاصل في كثير من المؤسسات الرسمية، على الرغم من استمرار الاحتضان الدولي للقوى الأمنية والعسكرية اللبنانية. وهناك مَن يعتبر أن «دود الخل منو وفيه» فـ»الجميع» على اختلاف مشاربهم ومناطقهم وأهوائهم استفاد من أموال اللاجئين السوريين وغيرها من المسميات، إنما القلق من أنه قد لا تَسْلَم البلاد في كل مرة تتعرض فيه إلى امتحان الوجود السوري!.