لندن ـ «القدس العربي»: بعد ثلاثة أشهر من إعلان رحيله عن برشلونة، تراجع المدرب الكتالوني تشافي هيرنانديز، عن القرار الذي اتخذه مطلع العام الحالي، بالتنحي عن منصبه في القيادة الفنية للبلوغرانا، ومعه بدا للقاصي والداني وكأن البارسا عاد إلى المربع صفر، وبالأحرى إلى النسخة المتواضعة التي كان عليها قبل الصحوة المؤقتة التي أعقبت تصريحات المايسترو عن نيته في الرحيل مع إطلاق صافرة نهاية آخر ارتباط رسمي للفريق هذا الموسم، تلك الفترة التي شهدت العودة الملموسة لمزاحمة ريال مدريد على لقب الليغا وتجاوز دور الـ16 لدوري أبطال أوروبا للمرة الأولى منذ عصر الهداف التاريخي للنادي والليغا ليونيل ميسي، قبل أن تتبدل الأوضاع، بتلك الطريقة المروعة التي انحنى بها أمام جيرونا برباعية مقابل اثنين للمرة الثانية في موسم الدفاع عن لقب الدوري الإسباني، وسبقها التجرع من مرارة الهزيمة برباعية أخرى مقابل هدف على يد باريس سان جيرمان في إياب دور الثمانية للكأس ذات الأذنين، وهي نفس النتيجة التي خسر بها أمام العدو الأزلي ريال مدريد في المباراة النهائية للكأس السوبر المحلية، وغيرها من النتائج الكارثية التي لا تليق لا باسم ولا سمعة ملك «التيكي تاكا» على هذا الكوكب، والسؤال الذي يفرض نفسه الآن ويحاول الجمهور البرشلوني الإجابة عليه: كيف سيتمكن تشافي من إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح بعد اتفاقه مع الرئيس جوان لابورتا على البقاء لموسم آخر؟ أو كما أشرنا في العنوان، ما المطلوب من أسطورة النادي كلاعب بعد تراجعه عن الاستقالة؟ إليكم المشاكل وألسنة اللهب التي يجب إخمادها في الموسم الجديد إذا أراد تشافي تعويض ما فاته في هذا الموسم الصفري والمخيب لآمال الجماهير.
نفض الغبار
واحدة من أكبر المشاكل أو التحديات التي تنتظر تشافي في المرحلة القادمة، هي الرد على حالة اللا مبالاة، التي استقبلت بها الأغلبية الكاسحة من جماهير النادي، خبر رحيله عن النادي الموسم المقبل، كرد فعل طبيعية على ما وصل إليه الفريق من إفلاس كروي وغياب تام للشخصية المهيبة المعروفة عن قطب إسبانيا الثاني، خاصة في الأشهر الخمسة الأولى لهذا الموسم، التي انهارت فيها كل الأفكار والأساليب التي كانت سببا في فوز تشافي بلقب الدوري الإسباني عام 2023، بسلسلة من العروض والنتائج المخيبة للآمال، التي ساهمت بشكل أو بآخر في انحصار المنافسة في بعض الأوقات بين اللوس بلانكوس وجيرونا، وحتى الفوز الذي تحقق على فالنسيا بنتيجة 4-2 قبل أسبوعين، لم يكن مقنعا للمشجعين الحقيقيين، الذين يفهمون ويدركون جيدا، أن ما يشاهدونه في الوقت الحالي، ما هو إلا ظل للماضي الجميل، في ظل افتقار المشروع برمته إلى الهوية الكتالونية، التي كانت تستمد قوتها من الجواهر النادرة والاكتشافات الثمينة لمدرسة «لاماسيا» على طريقة تشافي نفسه وشريك رحلة الكفاح في الملاعب أندرياس إنييستا والبرغوث ليو ميسي والقائد التاريخي كارليس بويول وباقي مشاهير الألفية الجديدة، باستثناء ومضات متقطعة من أبناء الأكاديمية، الذين يعول عليهم المدرب من حين لآخر، لتعويض المصابين لفترات طويلة، ما يعطي إيحاء للمشجعين وكأن الفريق يسير بخطى ثابتة إلى الوراء، مقارنة بالمولود الجديد جيرونا، الذي يتحسن بشكل ملموس من فترة لأخرى، والأكثر خطورة الصعود الصاروخي للريال ومشروع كارلو أنشيلوتي الشاب، والمرشح ليكون أكثر قوة وحدة بعد وصول المدمر كيليان مبابي من باريس سان جيرمان الموسم المقبل، ما يعني أنه بالمختصر المفيد، أن تشافي بحاجة لإثارة حماس الجماهير بعلامات واضحة على التقدم والتطور داخل المستطيل الأخضر.
المحسوبية والإدارة
يتفق الكثير من مشجعي البارسا في الوطن العربي مع رأي محلل قنوات «بي إن» وأسطورة الترجي ومنتخب تونس الكاتب طارق ذياب، في ما يخص تأثير المجاملة والمحسوبية في اختيارات المدرب لجهازه المعاون على معدل الإصابات والمردود البدني للفريق بأكمله، والإشارة إلى عدم كفاءة شقيق تشافي، على اعتبار أن التجارب أثبتت أن الأمور تزداد سوءا مع المساعد الشقيق، أو على رأي المدرب الألماني يورغن كلوب في خضم أزمة الانتكاسات التي عصفت بليفربول منذ بداية العام، بأن هناك ساحرة شريرة في مبنى النادي، لكن في حقيقة الأمر، عادة ما تأتي الإصابات من ذاك المزيج بين الحظ العاثر وسوء إدارة للفريق، أكثر من أي شيء آخر خارق للطبيعة، وهذه الإشكالية كانت واضحة في الكم الهائل من الإصابات التي تفشت بين اللاعبين داخل غرفة الملابس، ما بين مشاكل عضلية وإصابات متوسطة وطويلة الأجل، بما في ذلك فاجعة انتهاء موسم غافي، بعد تعرضه لإصابة بقطع في الرباط الصليبي، أثناء دفاعه عن ألوان المنتخب في عطلة مارس/آذار الأخيرة، وبدرجة أقل الهداف روبرت ليفاندوسكي وبيدري وفرينكي دي يونغ، والأخير على وجه التحديد، عانى من تجدد إصابته العضلية أكثر من أي وقت مضى طوال مسيرته في موسم واحد، دليلا على حاجة الفريق لدماء جديدة خارج الخطوط، حتى يتخلص من كابوس الإصابات المتكررة للاعبين، كما نجح الريال في حل هذه الأزمة، التي بلغت ذروتها في موسم زين الدين زيدان الأخير في ولايته الثانية، والآن أصبح من الماضي تحت قيادة أنشيلوتي ونجله الموهوب، فضلا عن أهمية التعامل بذكاء مع الميركاتو الصيفي، في ظل الأنباء المتداولة عن دخول البارسا سوق الانتقالات بميزانية محدودة للغاية، بعدما استخدم الرئيس جوان لابورتا، جُل الطرق والأساليب المتاحة لتمويل صفقات الفريق آخر عامين، وبطبيعة الحال، هذا الأمر لن يتحقق إلا بالاستثمارات الضخمة، من خلال بيع لاعب أو اثنين بمبالغ ضخمة، لجلب أسماء جديدة في المراكز التي تحتاج تدعيمات حقيقية، ويُقال إن الإدارة قد تضطر لبيع العائد للحياة والتوهج رافينيا وواحد من الثنائي غافي أو بيدري، لتمويل الصفقات المحتملة، للحفاظ على الجودة المتاحة في الوقت الحالي، بعد إعادة الثنائي المعار جواو كانسيلو وجواو فيليكس لناديهما.
مذبحة وفجوة
بالإضافة إلى ما سبق، يحتاج برشلونة أيضا إلى التخلص بشكل تدرجي من الأسماء الكبيرة التي ابتعدت بمسافة عن حاجز الـ30 عاما، أبرزها روبرت ليفاندوسكي وإيلكاي غندوغان وتير شتيغن وماركوس ألونسو وسيرجي روبرتو، مع تزايد احتمالات انتهاء ذروتهم كلاعبين مؤهلين للعب في أعلى مستوى تنافسي على مدار تسعة أشهر من العام، فيما سيكون تشافي ومعه الإدارة، قد ضربوا عصفورين بحجر واحد، الأول إفساح المجال أمام الجيل الجديد، والثاني تخفيض فاتورة الأجور، خاصة وأن الثلاثي ليفا وغندوغان وشتيغن، من أصحاب الأجور الباهظة، وقبل أي شيء، حل معضلة لاعب الوسط رقم (6)، أو ما يُعرف بين المشجعين والنقاد في الإقليم الثائر بالخليفة أو البديل الإستراتيجي لمهندس الوسط في الجيل الذهبي سيرجيو بوسكيتس، بعد الظهور الباهت للاعب أوريول روميو، الذي جعل المدرب يستعين بأندرياس كريستنسن في مركز لاعب الوسط، الذي يتحول إلى مدافع ثالث في المواقف الدفاعية، على طريقة جون ستونز في فلاسفة بيب غوارديولا مع مانشستر سيتي، ووفقا لموقع «Goal» العالمي، فإن الهدف المحتمل في هذا المركز، هو مارتن زوبيميندي، لكن مشكلته الوحيدة، تكمن في عدم قدرة الخزينة على تحمل رسوم تحويله ونقله من ريال سوسييداد إلى معقل البلوغرانا، أو يلجأ كالعادة إلى الخطة «بي»، ويقع الاختيار على متوسط ميدان ريال بيتيس الأندلسي غيدو رودريغيز.
لكن في كل الأحوال، سيكون تشافي مجبرا على انتداب لاعب وسط مدافع في الموسم الجديد، أو ينتظر عواقب المخاطرة بنفس الأسماء في الموسم الجديد، أما التحدي الأصعب والأخير، فهو ما أشرنا أعلاه، حول المخاوف الكبيرة من اتساع الفجوة بين البارسا وبين ريال مدريد، لاسيما بعد نجاح أنشيلوتي في إعادة هيبة الملكي مرة أخرى هذا الموسم، على عكس التوقعات في بداية الموسم، بأن الريال سيعاني بعد رحيل ثاني أفضل هداف في تاريخ النادي كريم بنزيمة، وضياع صفقة كيليان مبابي مرة أخرى، لكن على أرض الواقع، تفاجأ الجميع بالنسخة المخيفة التي يبدو عليها العملاق الأبيض هذا الموسم، في وجود بيلينغهام خلف الثنائي البرازيلي المتوهج فينيسيوس جونيور ورودريغو، وباقي المزيج الاستثنائي بين ما تبقى من عظماء جيل العاشرة مودريتش وكروس وبين طاقة وعنفوان الشباب العشريني المتمثل في تشواميني وكامافينغا وفالفيردي والحارس لونين وقائمة أخرى عريضة، من المحتمل أن يُضاف إليها أسماء بوزن مبابي ومتمرد البايرن ألفونسو ديفيز، فهل يا ترى سينجح تشافي في مواجهة التحديات التي تنتظره بعد تراجعه عن الاستقالة؟ أم سيعاني الأمرين إذا اتسعت الفجوة مع الريال؟ هذا ما سيجيب عنه صاحب الشأن.