أ. د. علي الهيل
منذ ‘عين جالوت’ و’حطين’ وحتى (عبدالناصر) والغرب يحاول فصل مصر عن دورها ومحيطها الطبيعي العربي وأحيانا الإسلامي ولم يتسنَّ له ذلك إلا في العهد الساداتي / الحُسني (المكمل له) المشؤوم بعد أن هيأت ‘إسرائيل’ ولوبياتها ومجموعات الضغط والنفوذ التابعة لها في الغرب الظروف التي مهدت لعزل مصر عن محيطها العربي / الإسلامي بتوقيع إتفاقية (كامب ديفيد) مع ‘إسرائيل’. ولذلك مهما أبدت ‘إسرائيل’ والغرب (وكلاهما وجهان لعملة واحدة) من طرف اللسان حلاوة لحكومة الثورة الشعبية المصرية فإن هذه الأطراف لا يمكن أن تسمح بأن تتغير قوة المجلس العسكري المصري قيدَ أنْملة لأنه كان وما يزال حامي الإتفاقية والمدافع عن حصار غزة سواء بالصمت أو بالفعل.
ولو سلمنا بأن عدم إشارة الرئيس (مرسي) للإتفاقية والحصار بأنه تكتيكي على فرضية عدم إغضاب المجلس العسكري، فإن ذلك يشي بإرهاصات صفقة مع المجلس وإنء صح ذلك فعلا وواقعاً فإن الثورة قد تم الإنقلاب عليها. وليس من خيار أمام رواد الثورة الأُول (وائل غنيم) ورفاقه السبعين ألف مصري ومصرية على (الفيس بوك والتويتر) غير خيار الثورة الشعبية الثانية على أثرياء وبرجوازيي المجلس العسكري وبالتالي العودة إلى ميدان التحرير.
على الثورة الجديدة تأكيد إحترامها للجيش المصري البطل الذي يستمد أمجاده من (عين جالوت وحطين) وحروب الإستنزاف الناصرية وحرب عبور القناة التي أجهضها (السادات) خدمة ‘لإسرائيل’ والغرب من أجل سيناريو عزل مصر عن العرب والمسلمين وتحييد دورها التاريخي، وكرسها باقتدار (حسني مبارك)، وإضافة إلى ذلك كله وتزامنا معه على الثورة الجديدة أن ترفع شعارالمطالبة بخلع المجلس العسكري ذي الهوى الإسرائيلي والغربي ومحاكمة أعضائه بتهمة نهب المال العام والذي يقدر بثلث الناتج القومي المصري منذ توقيع الإتفاقية المشؤومة، والذي فاق بكثير ما نهبته حكومة رجال ألأعمال أو (أنصاف ذكور رجال الأعمال) المعينة إبتداءً من 2005، والتي ترتب عليها إنزال أكثر من أربعين مليون مصري تحت خط الفقر.
الجيش والقوات المسلحة كلها لها التقدير مصريا وعربيا وإسلاميا أما أعضاء المجلس العسكري المصري فلا وألف لا. إنهم الطحالب التي نمت على مدى العقود الثلاثة ونيف من الزمان المصري على سطح الجيش والقوات المسلحة وأُحيطت سرقاتهم بقدر كبير من السرية وتعزز الأمر أكثر بمجرد قيام الثورة الشعبية العارمة التي لم يملك أعضاء المجلس من خيار سوى التضحية برئيسهم (مبارك). فقد أصدروا (الإعلان الدستوري المكمل) وقبله أصدروا من القوانين – مستغلين كونهم الحاكم المطلق لمصر ما يحميهم من المساءلة القانونية أو الكشف عن حساباتهم المتضخمة وهي أموال حرام طائلة، لا بد لها أن تعود لخزينة الدولة تحت ضربات الثورة الشعبية التي نتوقع أن تندلع قريبا بإذن الله.
يُخشى أن تُصاب مصر بما أصيبت به تركيا من عسكرها لعقود ومحاولات الجنرال (كنعان إيفرين) لتخريب الديمقراطية تحت دعاوى مثل الإساءة إلى المؤسس العلماني (كمال أتاتورك) مع أن الحقيقة كانت خشية العسكر من فقدان نفوذهم مدعومين من الغرب الذي لم يكن يرُق له أن تأتي حكومة ديمقراطية لا سيما إذا كانت ذات خلفية إسلامية في بلد شهد آخر خلافة إسلامية منذ خلافة (أبي بكر الصديق) ويشكل فيه المسلمون الأغلبية ويقع في الشرق الأوسط العربي والإسلامي وعلى تماس مباشر أو غير مباشر مع الصراع العربي الصهيوني اليهودي الإسرائيلي، ولبعض قادته مثل السلطان (عبد الحميد الثاني مواقف مشرفة) تجاه فلسطين ومعارضة منحها للصهاينة (ولا نقول اليهود أو الإسرائيليين). ولم يبستتب الأمر لحكومة منتخبة ديمقراطيا في تركيا سوى العام 2002 والمستمرة إلى الآن بفضل إدارتها الشعبية الجيدة رغم أنها ذات ميول إسلامية في بلد إستمات العسكر من بعد (أتاتورك) في علمنته بنجاح محدود، بسبب إقتناع كثير من الأتراك بالعودة للإسلام دينا وطريقة حياة. إنني أرى كثيرا من أوجه الشبه بين تركيا ومصر، وأدعو الله أن لا يتكرر السيناريو ذاته.’ أكاديمي وكاتب قطري