حمام خيري في بيت الدين حفر لذاته حيزاً في مهرجان عريق

حجم الخط
0

بيروت ـ من زهرة مرعي: موشحات وقدود وأدوار ومواويل امتدت على اتساع المسافة بين حلب الشهباء وقصر بيت الدين قدمها الفنان المتأصل في حرفته حمام خيري. على مدى ساعتين ونصف الساعة تمكن ابن حلب من اسر الألباب وتحفيز الأكف للتصفيق استمتاعاً، أو مرافقة وثناء. فصوت حمام خيري بدأ في مكان وانتهى في مكان آخر. فهو راح يتألق ويزداد اتساعاً مع كل أغنية. وهو في كل أغنية كان ينافس ذاته في التكرار والسلطنة والليالي التي أكثر من تقديمها وأجاد وهو يبحر في تغير شكلها بإبتكارات صوتية متعددة. كما تمكن من تأجيج ذلك الحزن الدفين المخزن في داخل كل من الحضور على جرح سوريا الكبير، وعلى أهلها، وهذا ما بدا جلياً حين شدا ‘يا مال الشام’ فهب الحضور في إيقاع واحد موحد. بعد معزوفة من الفرقة الموسيقية اعتلى حمام خيري المسرح وبدأ بموشح هات كاس الراح واسقني الأقداح. ومنذ باكورته أكد امتلاكه لكافة أدوات السلطنة. بعدها رحب بالحضور قائلاً: جاين نغني لبيت الدين وأهل الدين.. جاين نفرح للعز والكرامة والمحبة. وتمنى أن تكون ‘كل أيامنا سلام ومحبة’. وقدّم للحضور سلاماً من سوريا المحبة ومن حلب الشهباء’. ومن ثم إسترسل في وصلة من الأدوار. وبين كل وصلة وأخرى كان صوت من الحضور ينادي طالباً القدود. ولم يكن خيري يهمل الطلب بل يجيب صاحبه بأن القدود في الطريق إلينا أخرتها بعض من زحمة السير، وأن الحفل لا يصلح بدون موشحات وأدوار. في دور الليل عليَ طال كان الحماس قد بلغ ذروته في الحضور فكانت قلة من الأكف لا تصفق، وكان العشرات يتمايلون وقوفاً في أماكنهم. من مميزات حمام خيري أنه خطف الألباب من خلال برنامج خاص به. ولم يعتمد على ذاكرة المتلقي فيقدم السائد والمعروف من الموشحات والأدوار. وهو عندما يكون بصدد دور معروف كما يا مالك قلبي بالمعروف، كان يسبقه بموال أو ما يشبه ‘الميدلي’ تمزج بين جديد ترحب به الأذن، وقديم مغروس بحب في حنايا المتلقين. حمام خيري فنان يرسم خطواته على المسرح. ليس لوقوفه حالة كلاسيكية، وهو عندما يسلطن من تصفيق الجمهور وتجاوب الفرقة الموسيقية مع إشاراته لا يتوانى من الوقوف في مواجهة عازفي الإيقاعات الكثر راقصاً متمايلا، فيتأجج المكان بالمزيد من الحيوية. في كل موشح أو دور كان يسبقه حمام خيري بموال جميل كمثل قوله: لي قصة حيرت جبرانها مع مي.. وبحور ما تنوصف أعماقها مع ماي.. وبعد هذا الموال الهب أكف الحضور تصفيقاً لدمر والهامة. وعاد ليزاوج بينها وبين موشح خاص به ‘دخيلوا أنا قتيلوا أنا’، ورجع إلى المحطة المعروفة ‘ على دين العشق حرام والله’. وعندما وصل إلى مالك يا حلوة مالك كان الجمهور يقول ويعيد، وهو يتلقى. وفي لحظة آن فيها أوان يا مال الشام وقف كثير من الحضور، فيما ارتفعت أيادي آخرين متمايلة. يا مال الشام وعيوني بتبكي وقلبي ملان ما بيقدر يشكي. ولزوم التنويع حلت بيروت ومن ثم حلب مكان الشام. وهي كانت لحظة عاطفية مؤثرة. وما أن وصلت تلك الوصلة الرائعة إلى نهاياتها حتى سأل حمام خيري الجمهور عن حاله. فتكرر طلب القدود. وكان للقدود أن شكلت خاتمة لباقة جذابة من الأدوار والموشحات المتتالية بدأت مع إبعتلي جواب، ومن ثم قل للمليحة، وقطعها مكبراً موحداً، ليعود إلى جواب سلبت منه دينه ويقينه، ومن ثم عاد إلى البدايات إبعتلي جواب. أما لحظة الختام فحلت مع قدك المياس مسبوقة بموال خاص بها زادها تألقاً. ومع قدك المياس كان الحضور على تأهب كبير فهبوا وقوفاً وهم يغنون، وحمام خيري يتلقى. حمام خيري شخصية فنية وجدت لنفسها مساحة رحبة من الخصوصية والتميز، ومن ضمن التراث والأصول الفنية المعروفة في تقديم الموشح والدور والقدود. هو فن يتقنه أهل حلب ويتبارون في إجادته. وفي بيت الدين حيث الجمهور كبير، والمهرجان راسخ كان لحمام خيري أن يحفر حيزه المحترم كفنان جميل وراقي، قادم إلينا من حلب التي نتمنى لها ولكل سوريا الإستقرار والسلام.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية