تجمع الرعاة بدا آخذاً في الاختناق: القطعان محبوسة في حظائرها، وجميع مناطق الرعي حولها أغلقها المستوطنون العنيفون الذين سيطروا عليها، وأسعار الأعلاف لا تسمح للرعاة بالبقاء. الأولاد مندهشون. فتى ابن 12 تجول هذا الأسبوع في القرية ملثماً؛ تنكر على هيئة مستوطن مثل الذين يقتحمون المنازل ليلاً. رؤساء التجمع مصابون باليأس، ولا يعرفون كيف سيواصلون عيشهم. تجمع عرب المليحات، الذي يعيش في هذه الأرض منذ عشرات السنين، في الطريق اليوم إلى الانكسار. إذا استمر الوضع على هذا النحو فسيضطرون لمغادرة القرية. وعنف المستوطنين منفلت العقال سيسجل نجاحاً آخر.
ليس هناك من ينقذ عرب المليحات. الجيش يتعاون علناً مع المستوطنين، ومثله الإدارة المدنية والشرطة، الذين لا يفعلون شيئاً. ترانسفير عنيف وهادئ مستمر دون إزعاج. التطهير العرقي لغور الأردن في الذروة. منذ اندلاع الحرب، هجر 18 تجمعاً للرعاة على الأقل بسبب رعب المستوطنين. في المنطقة هنا، من ظهر الجبل إلى وسط الغور، غادر 4 تجمعات و25 عائلة، حسب معطيات الباحث في “بتسيلم” عارف ضراغمة. وكل ذلك بسبب رعب المستوطنين.
الشارع 449 يهبط من الجبل إلى شمال أريحا. إلى جانب الشارع بعد نصف الطريق إلى الغور، تقع القرية البدوية لعرب المليحات. حولها مستوطنات “ريمونيم” و”كوخاف هشاحر” في الطريق إلى أريحا. ومستوطنة “يتاف” والبؤر الاستيطانية والمزارع المتوحشة التي قامت في أعقابها، بعضها بدون اسم حتى. شبكة العلاقات التي بدأت بشكل جيد نسبياً، تدهورت مع مرور السنين بعد أن طمع المستوطنون بكل الأراضي لأنفسهم. بعد ذلك، جاءت الحرب في غزة وأزالت القيود الأخيرة: أصبح الجيران أعداء، وارتدى المستوطنون المشاغبون الزي العسكري، وحملوا السلاح وركبوا السيارات العسكرية، “فرق الطوارئ”، ويمكنهم الآن القيام بأعمال شغب بدون كوابح. الغور وسفوحه أصبحت مناطق حرب على الأراضي. لا يمر يوم بدون حوادث. الهدف واضح وضوح شمس الغور: التنغيص على حياة السكان ليفعلوا ما فعلته تجمعات أخرى: مغادرة أراضيهم وقراهم، كي تصبح المنطقة يهودية بالكامل، وجميعها للمستوطنين.
عندما وصلنا، الإثنين الماضي، يوم الذكرى، إلى عرب المليحات، تجولت سيارة عسكرية في الطرق الترابية في القرية ذهاباً وإياباً مرة تلو الأخرى، سيارة “تندر” بيضاء مغلقة مهددة، عليها إشارة صفراء ولوحة ترخيص عسكرية في المقدمة والخلف. واضح للجميع أن هذا الوجود العسكري استهدف زيادة تخويف السكان وتعزيز قبضة المستوطنين الحديدية في القرية، إلى أن يتم إخلاء هذا التجمع أيضاً.
جاء سكان القرية هنا في 1981 بعد أن طُردوا مرتين من أماكنهم. الأولى من النقب إلى الضفة الأردنية في 1948، والمرة الثانية إلى المكان الحالي بعد أن أقام الجيش قاعدة في مكانهم السابق في وسط الضفة الغربية وأخلاهم. عندما انتقلوا إلى هنا، وعدهم أحد موظفي الإدارة المدنية بأنه “ما دامت دولة إسرائيل موجودة هنا فستبقون هنا”. ومنذ ذلك الحين، ودولة إسرائيل موجودة دون انقطاع، لكن ظلالاً ثقيلة تجثم على مستقبل بقائهم هنا. هذه هي كلمة إسرائيل.
سليمان مليحات، المتحدث غير الرسمي للتجمع، هو متزوج وأب لأربعة أولاد، عمره 33 سنة، هو راعي قطيع يشمل 130 رأساً من الأغنام. عمه جمال مليحات (40 سنة)، متزوج وأب لخمسة أولاد، يملك قطيعاً يعد 150 رأساً من الأغنام، 35 منها سرقها المستوطنون مؤخراً. وسنعود إلى ذلك لاحقاً. نجلس في ديوان القرية، مبنى متنقل جدرانه مغطاة بألواح الديكت. في هذا التجمع 5500 رأس من الأغنام، حياتها في خطر. “لا مكان نرعى فيه القطعان بعد سيطرة المستوطنين بالعنف على كل الأراضي”.
في البداية، تلقوا أمراً بعدم الاقتراب من أي مستوطنة أو بؤرة استيطانية، مسافة 2 كم عن حدودها. بعد ذلك، ظهرت على الأرض مزارع وقحة لأشخاص أفراد مثل مزرعة المستوطن عومر، الذي كما يقول سكان القرية، سيطر على نحو 2000 دونم ومنع الرعاة من الاقتراب منها. وثمة مستوطن آخر يسمى “جبريل”، يفرض الرعب عليهم. منذ اندلاع الحرب يتجول حاملاً السلاح ويرتدي الزي العسكري ويهدد ويطرد. “قبل عشر سنوات، كان جبريل يشرب القهوة عندنا، كنا جيراناً. منذ الحرب، أصبح شخصاً آخر”، قال سليمان. المستوطن زوهر، صاحب المزرعة التي تحمل اسمه، سيطر -حسب أقوال السكان- على 3 آلاف دونم مع أغنامه، ومنع سكان التجمع من الاقتراب.
يتحدث السكان عن هجمات منظمة على القرية والأغنام، ليل نهار؛ ورشق الحجارة على الأغنام، وأحياناً دهسها بالتراكتورات. عندما يستدعون الشرطة، قال السكان، يشير المستوطنون لرجال الشرطة من الذي يجب اعتقاله من بين السكان، هذا ما يحدث. عدد غير قليل من السكان تم اعتقالهم عقب هجمات المستوطنين. في ليلة 17 كانون الثاني مثلاً، قال سليمان: في الساعة 12:30 ليلاً، جاء خمسة أشخاص مرتدين الزي العسكري وملثمين، يبدو أنهم من المستوطنين، إلى خيمة إبراهيم مليحات (25 سنة)، وأخرجوه من الخيمة واقتادوه خارج القرية وقاموا بضربه، بسبب التجرؤ على الرعي في “مكان محظور”. أبناء عائلته تابعوهم، وعندما شاهدهم المستوطنون ذهبوا نحو مزرعة زوهر. اتصل سليمان بالشرطة، لم تأت.
أحياناً لا تأتي الشرطة إلا بعد ساعات على الحادثة، وبعد مغادرة المستوطنين. عندما يذهب السكان إلى مركز شرطة بنيامين لا يسمحون لهم بالدخول، إلا إذا كان يرافقهم محام. لم ينتج عن أي شكوى مقدمة أي تحقيق جدي. لم يسمع السكان أي شيء من الشرطة. هكذا كان الأمر في هذا الأسبوع؛ الأحد، ذهب بعض السكان إلى شرطة بنيامين لتقديم شكوى بسبب عنف المستوطنين، لكنهم أجبروا على الانتظار لساعات في الخارج. لماذا؟ لأن “الحديث يدور عن فلسطينيين لا يسمح لهم الدخول. لذلك هناك حاجة لمرافقة سيارة شرطة”، قالت الشرطة. “عند معرفتهم عن أمر وصولهم إلى مدخل المنطقة الصناعية “شاعر بنيامين”، تم إرسال سيارة شرطة لإحضارهم إلى مركز الشرطة لتقديم الشكوى. وعند وصولهم، تم أخذ الشكوى كالعادة، وتم فتح تحقيق بهدف التوصل إلى الحقيقة”.
الباحث ضراغمة قال: “منذ الحرب، وجميع الفلسطينيين في حالة خوف. مستوطن ابن 16 سنة يمكنه ضرب شيخ، والجميع يخافون. ولد يطلب من عشرين فلسطينياً مغادرة أراضيهم، وسيخافون. منذ الحرب، أقيم في الغور 13 بؤرة استيطانية جديدة”. أحد المستوطنين، قال ضراغمة، قال لراع فلسطيني ذات مرة: “أنظر إلى الأفق. كوول ما أراه هو لي”.
الولد الملثم أزال عنه قناع المستوطن الذي ارتداه. وتبين أنه عبد الحي، وهو ولد ذو ابتسامة خجولة وجميلة وعمره 12 سنة. قبل بضعة أشهر، كسر مستوطنون ملثمون ذراعه. ومنذ ذلك الحين وهو يتجول أحياناً وهو ملثم في القرية.
بقلم: جدعون ليفي
هآرتس 17/5/2024