بغداد ـ «القدس العربي»: أثار تنفيذ السلطات العراقية أحكام إعدام جماعية قبل أسابيع، بحق وجبتين من المحكومين المتهمين بـ«جرائم إرهابية» انتقادات حادة وتحذيرات من منظمات حقوقية دولية بشأن غياب العدالة والشفافية وهيمنة الأحكام الانتقامية والسياسية في القانون العراقي، وتحديداً بما يتعلق بقضايا الإرهاب، وسط توقعات بتنفيذ المزيد من الأحكام المشابهة قريبا.
وأكدت مصادر عراقية متعددة أنه «جرى تنفيذ حكم الإعدام بثلاثة عشر سجينا، دفعة واحدة، في سجن الحوت بمدينة الناصرية جنوبي العراق نهاية نيسان/ابريل الماضي، وبعد ذلك بأسبوعين، تم تنفيذ حكم الإعدام بوجبة أخرى من أحد عشر سجينا في نفس السجن يوم الاثنين، بالتزامن مع توقعات باستعداد السلطات العراقية لإعدام وجبات جديدة، بعد مصادقة رئيس الجمهورية عبد اللطيف رشيد مؤخرا، على الأحكام الصادرة بحق نحو 150 محكوما بالإعدام».
وقال مصدر أمني مطلع، إن «وزارة العدل أشرفت في سجن الناصرية المركزي جنوب العراق (والمسمى بسجن الحوت) على تنفيذ أحكام الإعدام بوجبتين من المحكومين بتهم الانتماء لتنظيم داعش، وأن قرار تنفيذ الحكم جاء بعد مصادقة رئيس الجمهورية عليها» مبينا أن «تنفيذ حكم الإعدام في السجناء، جاء وفقا للمادة الرابعة من قانون مكافحة الإرهاب». فيما أكد مصدر طبي في دائرة صحة ذي قار، استلام جثث السجناء الذين تم تنفيذ حكم الإعدام بهم داخل سجن الحوت في الناصرية، حيث تم تسليم الجثث إلى ذويهم في دائرة الطب العدلي في الناصرية، مع تزويدهم بتقارير تثبت أن حالة الوفاة نتيجة تنفيذ حكم الإعدام.
حديث عائلة أحد المحكومين
وتحدثت عائلة أحد المعدومين (ز . ط . الجنابي) لـ«القدس العربي» عن تفاصيل اعتقال ابنهم ومراحل إصدار الحكم ضده بالإعدام ثم تنفيذ الحكم به الآن، وسط رحلة معاناة حقيقية للعائلة.
وذكر أحد أفراد العائلة، طالبا عدم ذكر اسمه، أن ابنهم تم اعتقاله عام 2011 وفق مادة الإرهاب، إلا أن حكم الإعدام بحقه صدر عام 2023 وتم تنفيذ حكم الإعدام به قبل أيام، أي بعد مرور أكثر من 13 عاما على الاعتقال. مشيرا إلى ان ابنهم تم اعتقاله قبل ظهور تنظيم داعش، ولم يشارك في قتل أحد، بل كان يشارك في مقاومة الاحتلال الأمريكي.
واشار المصدر إلى أن سلطات السجن لم تبلغ عائلة المعدوم بموعد إعدام ابنهم، كما لم تبلغهم بعد تنفيذ الحكم، بل تم إبلاغ العائلة من خلال أصدقائه في السجن، الذين اتصلوا بأهل المعدوم هاتفيا، حيث وجدوا جثة ابنهم في ثلاجة الموتى في مستشفى الناصرية.
وأكد المصدر، أن عمليات الإعدام نفذت من دون أي إشعار مسبق ومن دون إبلاغ عائلات المحكومين، حيث تم إذاعة أسماء السجناء الذين سينفذ بهم الإعدام فجأة عبر مكبر الصوت في السجن في اليوم السابق للتنفيذ. منوها إلى أن المعدوم كان يتوقع تنفيذ حكم الإعدام به في أي لحظة بعد مصادقة رئيس الجمهورية مؤخرا على مئات الأحكام بالإعدام على متهمين بالإرهاب، ولذا فإن المحكوم قام بتوديع زملاءه في السجن وكتب وصيته إلى أهله، قبل التنفيذ، منوها أنه كان يرغب قبل موته، بمشاهدة ابنته البالغة 13 عاما التي لم يرها منذ ولادتها.
وكشف المصدر أن عائلة المحكوم، تعرضت طوال 13 عاما من الاعتقال إلى معاناة حقيقية، من خلال الذهاب شهريا من بغداد إلى الناصرية لزيارة ابنهم المعتقل هناك، وسط الابتزاز المالي الذي كانوا يتعرضون له من العاملين في السجون التي تتقل فيها، من أجل تأجيل إصدار الحكم ضده، أو لإيصال بعض احتياجات المعتقل من ملابس وأدوية وطعام، ومنها دفع مبلغ شهري لمنتسبين في السجن من أجل وضعه في زنزانة فيها هاتف وتكييف. ونقل المصدر عن ابنهم المعدوم، أن الأوضاع في السجون سيئة للغاية نظرا لسوء معاملة السجناء واستغلالهم ماديا، وبسبب الازدحام الكبير في الزنزانات وانتشار الأمراض بين السجناء وعدم توفر الطعام الكافي والأدوية، مشيرا إلى موت العديد من السجناء في سجن الناصرية نتيجة عدم توفير الأدوية لهم أو سوء المعاملة، وخاصة للمتهمين بالإرهاب.
اعتراضات محلية
وأزاء تصاعد الإعدامات في السجون الحكومية، أعلنت العديد من الأحزاب ومنظمات حقوق الإنسان، رفضها أحكام الإعدام الجماعي وإصرارها على ضرورة إصدار قانون العفو العام الذي وعدت الحكومة به، وإعادة التحقيق مع مئات المحكومين الذين صدرت ضدهم أحكام بعد اعترافات انتزعت منهم بالقوة، حسب قولهم.
ويصر تحالف «تقدم» الذي يقوده رئيس البرلمان السابق محمد الحلبوسي، على عدم تنفيذ أحكام الإعدام إلا بعد صدور قانون العفو العام ليتم التأكد من براءة هؤلاء أو إثبات إدانتهم.
وفي هذا الصدد دعا النائب عن محافظة ديالى رعد الدهلكي، رئاسة الجمهورية إلى التريث في المصادقة على قوائم الإعدامات المرسلة إليهم لحين حسم جميع الملفات المتعلقة بالأبرياء، وفقاً للاتفاق السياسي.
وذكر في بيان صحافي أن «هناك معلومات يتم تناقلها بشأن إرسال قوائم إلى رئاسة الجمهورية تضم أسماء 500 معتقل في السجون، أغلبهم من مقاومي الاحتلال للمصادقة على إعدامهم» مبيناً أن «توقيت هذه الخطوة للأسف، لم يكن موفقاً لعدة اعتبارات، أولها عدم حسم مراجعة جميع ملفات المعتقلين، إضافة إلى أن تلك الخطوة لا تنسجم مع تفاهمات الاتفاق السياسي الذي تشكلت من خلاله الحكومة».
وأضاف النائب الدهلكي أن «الوضع السياسي وحتى الأمني في العراق والمنطقة، يجعلنا بحاجة إلى التريث في أي خطوات من شأنها خلق نوع من التوتر، على اعتبار أن حجم التحديات بحاجة إلى احتواء الأزمة وعدم البحث عن قرارات أو مواقف تعقد المشهد بدل تلطيف الأجواء» مشدداً على أن «هناك العديد من القابعين خلف قضبان السجون هم ضحية للمخبر السري والوشاية الكاذبة أو الإدلاء باعترافات تحت التهديد والتعذيب، وهناك لجان مشكلة لتدقيق ومراجعة جميع الطعون في الأحكام الجنائية المتعلقة بتلك الملفات».
وأشار إلى أن «هناك جهوداً تبذل كجزء من الاتفاق السياسي لتشريع قانون العفو العام ينصف الموجودين ظلماً خلف القضبان، ويستثني من تلطخت أيديهم بدماء الأبرياء، لذا فإن رئاسة الجمهورية مطالبة بالتريث في عملية المصادقة على تلك القوائم إلى حين حسم مراجعة جميع الملفات وتشريع قانون العفو العام».
ويذكر أن القوى السنية في البرلمان العراقي تسعى من أجل تشريع قانون العفو العام، الذي وعدت حكومة محمد السوداني بإقراره، عند تشكيلها عام 2022 ولكن معارضة القوى الشيعية تحول دون ذلك.
انتقادات منظمات حقوق الإنسان الدولية
ومنذ سنوات تواجه أحكام الإعدام في العراق انتقادات متواصلة وتشكيكا كبيرا من منظمات دولية معنية بحقوق الإنسان، بسبب طبيعة التهم الموجهة للسجناء، والإجراءات العنيفة التي تصاحب التحقيقات الأولية، ومنها ظاهرة انتزاع الاعترافات تحت التعذيب والابتزاز، والاعتماد على تقارير المخبر السري، المعمول به في العراق، التي تقوم غالبا على دوافع انتقامية وطائفية، حسب المراقبين.
وفي أعقاب الإعلان عن تنفيذ أحكام الإعدام الجماعي الأخيرة، أشارت منظمة العفو الدولية إلى «إعدام 13 رجلا يوم الاثنين 22 نيسان/أبريل أدينوا على أساس اتهامات غامضة بالإرهاب». وجاء في البيان أن 11 منهم «أدينوا بالانتماء إلى ما يسمى بتنظيم داعش». وأضافت منظمة العفو الدولية أن الاثنين الآخرين، المعتقلين منذ عام 2008 وفق ما نقلت عن محاميهما، أُدينا «بتهم إرهاب بموجب قانون العقوبات، بعد محاكمة غير عادلة بشكل واضح».
أما منظمة «هيومن رايتس ووتش» فأعلنت «إن ما لا يقل عن 150 سجينا في سجن الناصرية العراقي يواجهون الإعدام الوشيك من دون سابق إنذار بعد موافقة الرئيس عبد اللطيف رشيد على أحكام الإعدام الصادرة بحقهم» مشيرة إلى خطورة «عودة الإعدام الجماعي في العراق» ومنها قيام العراق بإعدام 13 رجلاً في سجن الناصرية في 25 كانون الأول/ديسمبر 2023 إضافة إلى إعدام 21 رجلاً في 16 تشرين الثاني/نوفمبر 2020.
وقالت سارة صنبر، الباحثة في شؤون العراق في منظمة «هيومن رايتس ووتش»: «تجدد عمليات الإعدام الجماعية في العراق تطور مروع، وينبغي للحكومة العراقية أن تعلن فوراً وقفاً اختيارياً لتنفيذ أحكام الإعدام، وتتفاقم هذه المظالم الهائلة بسبب العيوب الموثقة جيداً في النظام القضائي العراقي والتي تحرم المتهمين من محاكمة عادلة» حسب تقرير المنظمة. وقالت «هيومن رايتس ووتش» إن «عمليات الإعدام التي جرت في 25 كانون الأول/ديسمبر نُفذت بدون مراعاة للحقوق الأساسية لأولئك الذين يواجهون عقوبة الإعدام».
وفي بيان سابق لمنظمة «هيومن رايتس ووتش» حول عقوبة الإعدام في العراق، في كانون الثاني/يناير 2024 أشارت إلى أنه «تم التعجيل بمحاكمات الإرهاب في العراق عموماً، استناداً إلى اعترافات المتهمين، التي غالباً ما يتم الحصول عليها تحت التعذيب» معتبرة أن «السلطات انتهكت بشكل منهجي حقوق المشتبه بهم في الإجراءات القانونية الواجبة، مثل الضمانات التي ينص عليها القانون العراقي بأن المعتقلين سيمثلون أمام قاض في غضون 24 ساعة، وسيتاح لهم الاتصال بمحام طوال فترة الاستجواب، وسيتم إخطار عائلاتهم وأن يتمكنوا من التواصل معهم أثناء الاحتجاز». وأضافت «وإذا انتهكت ضمانات المحاكمة العادلة للمتهم، فإن فرض عقوبة الإعدام سيجعل الحكم تعسفيا» حسب المنظمة. وأشارت المنظمة أنه «على مدى سنوات، كان العراق أحد أعلى معدلات الإعدام في العالم».
فيما اعتبرت المفوضة العليا لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة ميشيل باشليه أن العراق يشهد «انتهاكات متكررة للحق في محاكمة عادلة وتمثيل قانوني فعال، مع اتهامات بالتعذيب وسوء المعاملة» الأمر الذي يجعل عقوبة الإعدام «إجراء حكوميا تعسفيا بالحرمان من الحياة».
ولم تكن بعيدة عن هذا الإطار، المخاوف التي أبداها خبراء حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، من أن يكون لدى العراق «خطة» للتخلص من جميع السجناء المحكومين بالإعدام. وقال الخبراء في بيان مشترك، في تشرين الثاني/نوفمبر 2020 إن موجة الإعدامات التي نفذتها السلطات العراقية مؤخرا «تبدو وكأنها جزء من خطة أكبر لإعدام جميع السجناء المحكوم عليهم بالإعدام». وحث الخبراء المستقلون، بغداد على الوقف الفوري لجميع الإعدامات الجماعية، وقالوا إن نحو 4000 سجين، معظمهم متهمون بارتكاب جرائم إرهابية، يعتقد أنهم ينتظرون حكم الإعدام في العراق، وحثوا الحكومة العراقية «بشدة على احترام التزاماتها القانونية الدولية والوقف الفوري لخطط أخرى لإعدام السجناء» ولكن يبدو ان الحكومة العراقية لا تعير اهتماما لهذا الطلب.
رد وزارة العدل
وردا على الانتقادات حول الإعدامات الجماعية قال الناطق الرسمي باسم وزارة العدل العراقية أحمد لعيبي، إن «أحكام الإعدام التي نفذت في الفترة الأخيرة كانت وفق إجراءات أصولية باكتساب أحكامهم الدرجة القطعية وتمت المصادقة عليها وصدور مراسيم من رئاسة الجمهورية بالتنفيذ» مبينا أن «جميع المحكومين الذين نفذ بهم الحكم هو وفق المادة 4 إرهاب وتراوحت جرائمهم بين الخطف والقتل وزرع العبوات الناسفة بحق المواطنين والأجهزة الأمنية» حسب قوله. ورغم نفي لعيبي «مزاعم التعذيب داخل الأقسام الإصلاحية» إلا أنه أقر «ربما تكون بعض تلك الممارسات جرت أثناء التحقيق وليس بعد إصدار الحكم إذ تستلم وزارة العدل، النزيل بعد إكمال التحقيق وإصدار الحكم عليه فقط».
وكان وزير العدل العراقي خالد شواني كشف عن وجود 8 آلاف محكوم بالإعدام من مجموع 20 ألفا من المدانين بقضايا «الإرهاب» داخل سجون وزارته، موضحا أن السجون العراقية تضم حاليا أكثر من 70 ألف نزيل بقضايا جنائية ومدنية، موزعين على 28 سجنا في عموم العراق، كما أقر باكتظاظ السجون بنسبة وصلت إلى 300 في المئة من طاقتها الاستيعابية.
وعموما يؤشر المراقبون ومنظمات حقوق الإنسان الدولية، أن العراق بعد 2003 يعد في مقدمة دول العالم بعدد تنفيذ أحكام الإعدام. وفي الوقت الذي تتواصل فيه عمليات الإعدام الفردي باستمرار، فإن عمليات الإعدام الجماعي تقوم بها السلطات العراقية، بين آونة وأخرى لتجنب الانتقادات الدولية. فيما يرى المعارضون لأحكام الإعدام في العراق أن هذا الملف سياسي تستخدمه القوى السياسية ضد بعضها، لكون غالبية المحكومين من المكون السني. وطالما وجهت قوى سياسية سنية، اتهامات لحكومة بغداد بأنها تخضع لضغوط قوى شيعية متنفذة تسعى لكسب قواعدها الجماهيرية من خلال تنفيذ أكبر عدد من عمليات الإعدام لمتهمين بجرائم الإرهاب، إضافة إلى ان الاستعجال في تنفيذ أحكام الإعدام الأخيرة، جاء استباقا لصدور قانون العفو العام المثير للجدل.