على إثر الأحداث التي تعصف بدول العالم الثالث لا سيما البلدان العربية من حروب وفقر وبطالة وفوضى وكبت لنفسيات الشعوب اندفع الكثير من الناس من هذه الدول لا سيما من طبقة الشباب التي لم تجد في بلادها فرص عمل ويلفها كآبة الروتين والحرمان من العيش الطبيعي وقمع الأنظمة الحاكمة اندفع هؤلاء للبحث عن العيش الهانئ والاستقرار خارج حدود بلادهم التي رأوا فيها النور وتنسموا عبير هوائها وفيها حلموا بغد جميل ميممين وجوههم شطر بلاد الغرب على أمل أن يحصلوا في غربتهم على عيش إنساني ينسيهم عذابات ومعانات ظلم ذوي القربى من أهل ديارهم، خرجوا تاركين كل ما يملكون على أمل أن يعيشوا كبشر على هذه الأرض.
إن هؤلاء المهاجرين يقامرون بحياتهم من اجل تحقيق أحلامهم وآمالهم والتي لا تزيد عن حق عيشهم الإنساني الكريم ، وفي رحلة عذابهم المحفوفة بكل أشكال المخاطرة يقعون في أيدي سماسرة تجار الهجرة والذين لا قيمة عندهم لحياة البشر والقداسة عندهم للقيمة المادية وحدها. إن التقارير المرعبة والمؤلمة عن حالات الغرق الجماعي والتي تعد في الكثير من الأحيان بالمئات بين الفينة والأخرى تدلل على حجم المأساة وحجم المخاطر التي يتعرض لها هؤلاء الضائعون بين ظلم وتعدي أهل القربى وسماسرة البشر والمادة. وأحيانا تصل بعض الأنباء التي تتحدث عن التصرفات والأفعال المشينة التي يتعرض لها المهاجرون من قبل المهربين أثناء نقلهم في البحر حتى أنه يثار احيانا إن غرق الكثير من هؤلاء المنكوبين يكون بشكل متعمد وعن قصد مما يدلل عن وقوف مافيات بشرية خلف هذه الكوارث والمآسي التي تحل على المهاجرين وذلك لتحقق تلك المافيات ومن يقف خلفهم أهدافا وغايات قد تزيد عن الهدف المادي.
إن غرق هذه الأعداد الهائلة من البشر أمام أعين هذا العالم الموصوف بالمتحضر والحر دون حراك حقيقي منه ولا سيما من الدول الملاصقة للبحار والتي يسعى المهاجرون للفرار والوصول إليها دلالة على إنعدام القيم في هذا العالم . فرحلة الموت هذه إلى بلاد الغرب المتشدق بالإنسانية وحقوق البشر تؤكد على رسوبه في اختبار حقوق الإنسان . إن الذي يتحمل مسؤولية هذه المأساة البشرية هي الأنظمة التي حولت البلاد لجحيم فأجبرت هؤلاء على الهجرة والرحيل الجبري وكذلك تلك الدول التي يقصدها المهاجرون وهي تتغنى بحقوق الإنسان وتطلق أنياب ذئاب قراصنة الموت تنهش لحم هؤلاء البؤساء، هذه الدول التي تسعى لتحقيق مبتغاها بالحيلولة دون وصول المهاجرين إليها وبالتالي لا تتردد في استخدام أي اسلوب لتحقيق ذلك ولو كان في ذلك هلاك للبشر.
وفي المحصلة فإن دول العالم أجمع تتحمل مسؤولية ما يحل بهؤلاء البؤساء المنكوبين وصمتهم المطبق يدلل على حجم تلك المسؤولية، فهؤلاء لهم حق الإنسانية على المجتمع الدولي قاطبة فلا حق لهذا المجتمع في البقاء في صمت مطبق وأن يبقى يغمض عينيه ويتجاهل ما يحصل إزاء هذه الكوارث المفجعة والمتتالية . إن هذه المأساة والتي هي واحدة من مآس لا تحصى ولا تعد تحل على الناس والشعوب على هذه الأرض تدلل على انعدام القيمة الإنسانية في الكون وإن العالم أضحى وبشكل ضروري ومتعجل لنظام جديد يرحم البشرية المنكوبة وتكون القيمة الإنسانية ذات أهمية كبرى في فلسفته بشكل عملي وحقيقي تتجسد هذه القيمة سلوكيا على أرض الواقع لا يتشدق بها نظريا . إن المبدأ الإسلامي الذي جعله الله رحمة للعالمين هو وحده القادر على إنقاذ البشرية جمعاء من المآسي والكواث التي تعيشها وبسببها تتذوق العذاب والآلام اشكال الوان ففي سيادته عمليا العيش الهانئ والطبيعي .
عطية الجبارين- كاتب فلسطيني