في عالمه القصصي يرفد القاص الأردني سمير أحمد الشريف نصوصه القصصية من منطلق رؤية إبداعية لها نسق الغوص والتغلغل داخل نسيج النص، في محاولة لاستقراء ملامح محددة تدور في مخيلة وهواجس الكاتب، وتدور حول الواقع الكتابي وتصور معطياته من خلال منجز لغوي له إحداثية التأثير والتفاعل مع الكلام المحكي في كل ما يجيش به الصدر والعقل من أبعاد مثيرة لها رؤى تلاقح وتلاحق كل الأشياء المعهودة والممكنة في إشكاليات الحب والموت والنضال والعبث والهمسات الملتبسة، وغيرها من الموضوعات المألوفة على مستوى الواقع. وهو ازاء هذا النسق من الكتابة يحاول إيجاد سيناريوهات متلاحقة من السرد أو الحكايات النصية لها أكثر من تحليل وتأويل ودلالات يضع فيها خلاصة تجربته الحياتية والتبئير فيها بما يحدث على مستوى الواقع الذاتي النابع من مخيلة الكاتب، وما يتوارد إلى الذهن من رؤى وأفكار. كما أنه في ترسيماته اللغوية يضع حوافز التخييل أمام ناظره ليعوّل على المعنى والمبنى في السياق نفسه.
وقد صدرت للكاتب عدة أعمال قصصية متباعدة بعض الشيء زمنيا هي «الزئير بصوت مجروح» 1994، «عطش الماء» 2006، «مرايا الليل» 2011، كما صدر له أيضا منجز نقدي في القصة السعودية، علاوة على ذلك فإن للكاتب حضورا قويا في الساحة الإبداعية من خلال ما ينشره في الدوريات العربية والمحلية من إبداعات قصصية ورؤى نقدية مختلفة.
مجموعته الأخيرة «همس الشبابيك» الصادرة عن هيئة قصور الثقافة المصرية في القاهرة. تطرح في نسيجها الحكائي همسات وهواجس نصية تتكون من سبعة وأربعين نصا سرديا أطلق على عتابتها النصية شبابيك – ترفد حالة من حالات القص القصير الحامل لهواجس الذات واستشرافات العلاقات الإنسانية الدائرة في محيط وتهويمات الواقع بكل ما يحمل من تأزمات وتفاعل مع زوايا وإشكاليات الحياة المختلفة، كما أن إطلاق هذا العنوان على كامل المجموعة يطرح رؤية النظر من خلال هذه الشبابيك النصية في همسات ورؤى ذاتية يقول عنها الكاتب في مستهل عتباتها الأولى: «ها أنذا أنثر أوراقي، هل أكتبها أم تكتبني أم يكتب أحدنا الآخر، بل يكتبني غيابها الذي يبعث فيّ الكلمات». (ص7) وتتواتر بعد ذلك الأحداث والمشاهد النصية في صورة ونسق شبه روائي تتفاعل فيه الرؤى حول شخصية واحدة توجد في معظم النصوص وهي شخصية «ياسمين» المرأة التي تختصر النساء رقة وعذوبة بحسب هواجس الراوي وشبابيكه، التي إذا جن الليل تستشعر رائحة ياسمينها العبق يتسلل إلى غرفتك، والمسافرة من أول نص إلى آخره.
ملامحه الثقافية الخاصة، يحاول من خلاله التعرف على ذاته وعلى الآخرين في طبيعة وجودها: «إذا أردت معرفتي فاقرأي زوربا بطل كازنتزاكيس، وحسنين بطل بداية ونهاية، وكمال عبد الجواد بطل الثلاثية، وأحمد عاكف بطل خان الخليلي، تعرّفي على هاملت شكسبير، وسعيد مهران اللص والكلاب، وعيسى في السمان والخريف، وصابر في الطريق. فأين أجدك أنا؟ أفي حميدة زقاق المدق، أم في شخصيتي إلهام وكريمة في رواية الطريق، أم شخصية نور في اللص والكلاب، أم في شخصية بنت مجذوب وإزابيلا في رواية موسم الهجرة إلى الشمال؟:». (ص29). بهذا النص المتلاقح مع بعض النصوص الأخرى المشابهة يفضفض الكاتب عن ذاته بؤرة الثقافة والإبداع من خلال شخصيات روايات نجيب محفوظ وتلاحم الرؤية مع شخوص هو يعرفها ويثمّن أبداعها، بل ويتفاعل معها كثيرا في بعض الأحيان، ويريد هو أن تتعرف هي عليه لتعرفه ليس من خلال وسامته وحسن هندامه ولكن من ثقافته وعقله وفكره، كما يشير في «شباك الصوت (30)»: «تقف طويلا أمام ذاتك. تراجع ماضيك وتقرأ أبجديات علاقاتك بمن هم حولك. وبماضيك وحاضرك؟». (ص68)
وفي نص «شباك المؤلف (28) تهجس الذات القارئة مع الذات المقبلة على عالم الكتابة في تخييل الكاتب الواعد القادم وتفاعله مع هواجس عالم الشهرة والكتابة وعالم القصة القصيرة والرواية، وما وطن في نفسه أن يكون كاتبا مثل من يقرأ لهم في مكتبة العم شاكر: «وقفت مع نفسي متسائلا: بماذا يختلف أصحاب الكتب عنا ولماذا لا نكتب مثلهم؟ هل تنقصنا القراءة أم الإرادة أم المعاناة؟. لماذا لا أشرع أنا؟ ما الذي ينقصني حتى أصبح في مصاف أولئك الكتّاب؟ (ص61). ويستحضر الكاتب في «شباك الطباعة (42) الصعوبات الجمة التي تعترض سبيل الكاتب حتى يصل كتابه إلى المتلقي، كذلك جشع الناشرين واستثمارهم لجهد الكاتب في مكاسبهم الخاصة من هذا ثمرة هذا الجهد. وتستمر الهمسات في تواتر وحداتها واستكمال طبائع الأشياء المادية والحسية والمعنوية عبر التركيز بصفة أساسية على هواجس الذات المتفاعلة مع الواقع ودقائق الحياة المختلفة. في إشكاليات تأزمات الواقع من خلال عامل التنظيفات في شباك (10) وكيف انتهت به الأيام؟ وهو الإنسان الذي حوت أيامه كل الأشياء المتناقضة في الحياة، حتى رست على هذا المرسى المأزوم وهو يمر بها على جميع البيوت لينقل مخلفاتهم، ولكن مخلفاته هو لا زالت تتفاعل داخله مع بقية من مراسي الحياة المتبقية والراسية في قلبه وهمساته الواقرة في عقله وقلبه حيال الواقع المحيط به من كل جانب: «كل البيوت ترى فيك عاملا مخلصا وأنت تضغط على جراح روحك وتدق أجراس بواباتهم مطالبا بالقمامة! كم أنت متواضع، هذا ما يرصده فيك أهل المنطقة الذين يرونك مثالا متحركا للإخلاص. لكن قشعريرة من مذاق حارق تجتاح جلدك وأنت تضغط جرس باب حوشها. هل تدري لماذا ربطت بينها وبين الياسمينة؟ لم يبد على المرأة نحوك غير التقدير والعطف. في نفسك تتجاوز مجرد امرأة لا تتحفظ بالحديث معك كجاراتها. تمد يدها لك ببعض المتوفر حتى لو كان كوب ماء بارد». (ص67). وفي شباك التنظيرات (31) يطرح الكلام حكاية هذا الاجتماع المسيّس القائم في أحد بيوت النخبة والمتضمن عددا منهم يدلي كل واحد منهم بدلوه في الوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي العام المكبل بقيود محددة تطرحها جهات لها واقع السلطة، حين يشير أحدهم بقوله: «عندما يفقد السياسي حماسته ولا يجد خريج الجامعة وظيفته ويصبح الإنسان نهبا لغول الأسعار ويفقد القانون هيبته وتتقلص وظيفة الدولة لفض نزاعات فردية وقبائلية، ويتحول المجتمع إلى قطيع من الوشاة ويرتفع مؤشر الجريمة بسرعة الصاروخ وتصبح ملامح الناس صفحات لا ترسم غير المبالاة. ماذا يمكنك أن تقول؟». (ص85) وتتواتر النقاشات في نسيج النص في كل الاتجاهات فالكل يدلي بدلوه بحسب انتماءاته، ووجهة نظر هذه الانتماءات حتى يصل الأمر إلى النهاية حين يعلن الخادم أن سفرة العشاء جاهزة وتبدأ مرحلة أخرى من اللت والعجن والطحن في اتجاه جديد. وفي نصوص قصيرة جدا تتوسط المجموعة تعود شخصية ياسمين لتطل برأسها في نصين جديدين هما: شباك الطبيب (33)، وشباك الزوج (34) برؤية جديدة يطرحها الكاتب، ويهجس فيها الطبيب برؤيته حول مرض ياسمين اللعين وأنه يجب التصريح بهذا المرض للمريضة نفسها وللأسرة حتى يخلي مسؤوليته الأدبية والأخلاقية. بينما يهجس الزوج برؤيته الخاصة حول مرض زوجته من قبيل المحافظة على مشاعرها متمنيا لها الشفاء حتى تعود كسابق عهدها. ولعل هذين النصين بنهايتهما المفتوحة وروح الومضة الكامنة في نسيجهما وكثافة الرؤية المحكية، وتقطير الكلمات المشبعّة بروح المأساة، يحكى فيهما الكاتب ملمحا من ملامح صياغة سردية اعتراضية لما يدور في هذه الهمسات المختلفة الحكائية الوامضة جميعها. ومن شبابيك عدة تتواتر المواقف الحكائية المتلوّنة والمنحدرة من الذات لتصب في الورق ولتذهب إلى المتلقي في همسات بعضها يأخذ منحى رؤى متنقلة في قضايا الحياة المختلفة كما ذكرنا، وبعضها يأخذ منحى الاعترافات مثل شباك الإقالة (43) وشباك لماذا كرهت أبي؟ (40) وشباك الخشية (41) وفي شباك السؤال (38) يطرح الكاتب قصاصات من الورق جمعها من كثرة تنقله بين الأضابير الصحافية وركام الأشياء الكثيرة، عبر هذا السؤال الكبير الجاثم على النفس داخل الذات وفي المنطقة كلها والذي يشير فيه إلى أن: «التاريخ المعاصر يحتاج لوقفة تأمل بعيون ناقدة متخصصة غير منحازة.. كثيرون من يطلقون الرصاص. فهل وعينا الهدف من إطلاقه في هذا الوقت؟ هل عقدة الدونية تجعلنا نكبّر الفعل ونضخّمه مهما كان ضئيلا ويتحول فينا إلى غرور؟ هل نحن وأجيالنا محكومون بالهزيمة والفشل واللاخلاص؟ هل نحن وأجيالنا محكومون بالفشل والهزيمة؟ ما حققناه في عام ثلاث وسبعين هل كان تكتيكا أم تحريكا أم انتصارا؟ لماذا نحن مجرد ظواهر صوتية فقط؟ هل مجمل إرهاصات كثيرة أوصلتنا ووصلت بنا إلى الحافة نتيجة تخطيط متقن مسبّق؟ التجارب الفكرية التي تظاهرت بالإسلام وامتطت صهوته. لماذا حوّلت الصراع من إسلامي صهيوني مبني على العقيدة ومنطلقا منها إلى صراع إسلامي إسلامي وإسلامي عربي وإسلامي فارسي؟ من خطط لتطفو الطائفية الممنهجة؟». (ص104/105)
في هذه الهمسات المنطلقة من شبابيك الكاتب وهواجسه والمحكي الذاتي المروي من داخل الذات عبر همسات يطلقها الكاتب من شبابيك هذه الذات ويطرحها للمتلقى في أسلوبية جمالية. لقد اعتمد الراوي على تقديم الأحداث السردية من الذاكرة المليئة بمخزون ثقافي وحياتي كبير كما هو واضح من القضايا والخبايا المعروضة داخل أنسجة النصوص، حيث يختمها الكاتب في الغلاف الأخير من الكتاب بقوله: «وحدي أصوات منسية.. أطياف تجتازنا.. وجوه تستيقظ. تهب من ماض مجهول، تتكسّر صورة العالم.. تهب الذكريات باهتة. والورق يبعث في قلقا جارحا، محق الإحساس الخانق بالوحدة لم يكن يغفو في شيء.
ناقد مصري
شوقي بدر يوسف