«لقمة عيش» للمصري إسلام رسمي: تراجيديا أخرى للسينما القصيرة بطلها المواطن

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: أفرزت الظروف الاقتصادية الضاغطة وتراجع فرص العمل أنماطا شبه جديدة من السينما الروائية القصيرة تعتمد على اللغة المكثفة، وما قل ودل من المشاهد والجمل الحوارية ومستويات التناول في الصورة والحوار وبقية مفردات التعبير، وقد ارتبطت هذه النوعية من الأفلام بالهموم الاجتماعية المباشرة، فطرحت آيات من العوز والفقر وجعلت الإنسان في بؤرة الحدث والحالة التراجيدية فهو البطل الرئيسي دائما باعتباره الضحية.
«لقمة عيش» عنوان لرؤية عميقة يطرحها فيلم إسلام رسمي السيناريست والمخرج الشاب الذي غزل من المعاناة اليومية للبطل قصة مشحونة بالانفعالات والمشاعر الإنسانية، يغلب عليها الطابع المأساوي، ليس للتصعيد الدرامي ولكن انعكاسا للصورة الواقعية الناضحة بما فيها والتي كلما حاول البطل تجاهلها فرضت نفسها عليه كحقيقة مرة لا فرار منها.
فيلم «لقمة عيش» مجرد تفاصيل صغيرة لملامح الحياة القاسية، يعبر عنها المخرج في نحو 8 دقائق فقط فتمر اللحظات الثقيلة من فرط قسوتها ببطء شديد كأنها 80 دقيقة، فالأحداث تبدأ بمشهد لشاب في الثلاثين من عمره وهو يغسل سيارة فارهة يدقق في تنظيفها تماما، وبعد أن ينهي مهمته تتداعى المشاهد فيذهب لشراء فاكهة وعلبة كشري لسد الرمق ورغيف من الخبز ليفرغ فيه العلبة لضمان الشبع واتقاء «قرصة» الجوع المعتادة، وهي أول ملمح من ملامح الفقر والشح الذي يسلط عليه المخرج والكاتب إسلام رسمي الضوء، لبيان سوء الحالة والدخول بنا إلى نهاية النفق، كي نرى الصور التالية لتعاسة هذا الشاب الذي يمثل قطاعا كبيرا من الجوعى والمأزومين.
بعد أن يستقر البطل فوق سطح العمارة في فترة الراحة من العمل الشاق يفتح علبة الكشري فيجد بداخلها مسمارا مدفونا بين الأرز والعدس فيلتقطه ويواصل الأكل بإصرار على إسكات صوت الجوع، ثم يفتح الرغيف في مرحلة ثانية من مراحل التحايل على البؤس فيجد خيطا رفعا يفرده عن آخره في تأمل ساخر لمأساته، ويعاود المضغ، ولكنه قبل أن يتجاوز الشعور بتعاسة الحظ يفاجأ بوجود إبرة في الطعام الفقير ذاته الذي لا يزيد عن كونه حصانة من الموت جوعا، وكان البطل نفسه قد استهل مأساته بالعثور في البداية على حجر في كيس الفاكهة وضعه التاجر ليثقل به الوزن في إشارة صريحة للغش كجريمة عابرة ترتكب عشرات المرات في اليوم الواحد، ومن كثرة تكرارها لم يعد أحد يكترث بها، حيث أنها باتت من البديهيات ينتهي إلى هنا عرض أوجه العذاب والضنك في يوميات البطل الشاب، الذي يعمل في غسل سيارات الأثرياء وأصحاب المعالي مقابل قروش قليلة تعينه بالكاد على التنفس فوق سطح الأرض، فيتحرك ويمشي ويأكل ويشرب كما يفعل الباقون غاضا الطرف عن الفوارق بينه وبين الآخرين.
ويأتي المستوى الثاني من الفيلم ليظهر قوة الشاب وصبره وقدرته على تحويل أدوات فنائه وقتله تلك الأجسام الصلبة التي وجدها في طعامه البائس إلى معطيات وجود وأدوات بقاء، فيلتقط ذلك الحجر الذي وجده في كيس الفاكهة ويثبت به المسمار المستخرج من علبة الكشري في عمود خشبي ويستخدمه كشماعة يعلق عليها أشياءه، ثم لا يلبث ان يكتشف جزءا ممزقا في بنطلونه فيأخذ في حياكته بالإبرة والخيط فيعطينا درسا صحيحا ونهائيا في كيفية التكيف مع أصعب الظروف قساوة واحتمالا، وتحويلها بالإرادة الذاتية إلى طاقة إيجابية تهزم السلبيات وتقضي على كافة المعوقات، لا سيما إذا كان الإنسان راغبا في حياته مؤمنا بوجوده فيها كعنصر بناء وقوة مدخرة للغد.
الرسالة تشي بنوازع التفاؤل لدى المخرج وصناع العمل وقد يتبين ذلك ليس من دلالة الموضوع فحسب، ولكن لتأكيد التفاؤل في لغة الصورة وزوايا التصوير والإضاءة المبهجة وعدم استخدام موسيقى تصويرية زاعقة لإشعارنا بالأجواء الكابوسية التي يعيش فيها البطل، على غرار ما نراه عادة في الأفلام التراجيدية الطويلة لزوم التأثير والتشويق والإثارة.
لقد اختار إسلام أن يكون الإحساس بالفيلم والأحداث نابعا من أصل الحالة الدرامية أو بمعنى أدق الميلودرامية، وهي إمكانية تنم عند قدرة فائقة على توظيف الحالة والموضوع بمعزل عن الأدوات المساعدة، وربما ساهم هذا التكوين الفني على الإقناع وكان سببا في حصول الفيلم على العديد من الجوائز، رغم بساطته وقلة زمنه الدرامي وخلوه تماما من الحوار الذي يمكن الاستدلال عليه والتعويض عنه بالصورة التي حملت شحنات مكثفة من التأثير كان يمكن أن يتدبرها بالحوار الشارح للحالة أو الدال عليها.
«لقمة عيش» رؤية إنسانية لسينما تنظر للفقراء بعين العطف.

كمال القاضي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية