كلمة تتكرر، في كل مناسبة، كلما جرى حديث عن قانون يتعلق بالكتاب أو الفنون، في الجزائر. كلمة نسمع عنها، لكن لا نعرف ما هو المقصود منها، وهي «عدم المساس بالأخلاق». كأن كل شيء مسموح به، ولا تزال سوى عقبة وحيدة في طريق الإبداع، هي عدم المساس بالأخلاق. مع ذلك لا توجد وثيقة رسمية واحدة تحدد ما هو المقصود من هذه الكلمة، وما هي الأخلاق التي يرجى مراعاتها. «الأخلاق» هي أكثر الكلمات التي يشوبها غموض. إذا وافقنا رأي مونتسكيو فإن «الأخلاق» هي مجمل الشروط القانونية التي تسطرها السلطة، وليست نتاج توافق اجتماعي بالضرورة. ما يظن أنها «أخلاق» إنما هي قوانين تشكل درع وقاية للساسة من النقد أو السخرية. وإدراجها في القوانين التي تمس الكتاب والفنون، يراد منه كبح هامش الحرية المتاح للمبدع. تعلم السلطة أن سياسة المنع، على الطريقة الأورويلية، لم تجد نفعاً، في زمن السوشيال ميديا. كل كتاب يمنع أو فيلم، يصير متاحاً على المنصات الرقمية، كما تعلم أن الفكرة الاشتراكية قد تجاوزها الزمن، والناس يميلون إلى ليبرالية فكرية، ما هو الحل إذن قصد عزل الفنان أو الكاتب؟ ببساطة، تخويفه بوحش اسمه «الأخلاق».
صارت الرقابة أكثر نشاطا تحت هذا المسمى، وصار المنع مبرراً، بحجة الأخلاق. اندمج الناس في هذه الفكرة، ثم عجزوا عن تجاوزها، فمن لا يقتنع باسم القانون، سوف يقتنع باسم «الدفاع عن الأخلاق». كلما وردت كلمة أخلاق، في سياق الحديث عن الفن والأدب، نعلم سلفاً أن هامش الحرية سوف يتقلص، إن الإبداع سيخسر والساسة يكسبون «راحة بال». ولأن الأخلاق مطاطية، فإن ما كان مسموحاً في الماضي بات ممنوعاً في الحاضر، والعكس صحيح، دخلنا حالة من الفصام. القبلة مثلا صارت ممنوعة في الأفلام الجزائرية، مع أنها كانت مشهداً طبيعياً في الماضي، والحوارات بين الممثلين تخضع للرقيب، لا للشرط الفني. كتب مثل «الروض العطر» أو «نزهة الألباب» التي كانت تعرض في الأرصفة، صارت تتداول تحت الطاولات. والغريب أن موضوع «الأخلاق» يحضر حصراً في الحديث عن الأدب والفنون، لا يظهر في شؤون الكرة وما يشوبها من تلاعبات، أو في منع التدخين داخل الأمكنة المغلقة باسم الأخلاق، أو كبح البيروقراطية. الثقافة هي الخاصرة الرخوة، هي المشتل الذي يجري فيه تجريب القوانين، بحكم أن المثقف نفسه لم يعد قادراً على الدفاع عن نفسه، ركب حصان السلطة، متلهفاً إلى صدقاتها، أو استقال من مهامه. لكن السلطة السياسية وحدها لا يمكنها أن تلتزم بهذا الدور، من غير مساعدة طرف آخر. هنا يأتي دور الفكر المتطرف، الذي يتعلق بأسطورة «الأخلاق» أكثر مما تفعل السلطة نفسها. مثلما حصل الشهر الماضي، إثر عودة مهرجانات السينما.

الفن في خدمة «الأخلاق»
عاد مهرجان عنابة للفيلم المتوسطي إلى الوجود، الشهر الماضي، بعد سنين من الانقطاع، وكان يفترض أن يرافق الحدث احتفاء، في بلد يفتقر إلى تظاهرات سينمائية، لكن وقع العكس. وعكرت الجو حملة، غير مسبوقة، في الطعن والتشويه والتلفيق، تحت مسمى «المساس بالأخلاق». قطع متشددون صومهم عن الكلام، خرجوا من قمقمهم واحتلوا منصات السوشيال ميديا، في التلصص على مكياج ممثلات، في قياس قصر أثوابهن، وهن يمشين على سجاد أحمر، في التعليق عمن حضر ومن تعذر عليه الحضور، من رقصت ومن صافحت رجلاً، وفي التخمين ماذا يلبسن تحت أثوابهن. وفي التساؤل لماذا حضر فلان ولم يحضر آخر. لم يسبق أن شهد حدث ثقافي، في السنين الأخيرة، هذا الحجم من الهجمات، التي تشي ببواطن أصحابها، من أولئك الذين يضايقهم ظهور امرأة في الفضاء العام. كان يمكن أن نجادل آراءهم، ونضعها في خانة الأهواء الشخصية، التي وجب احترامها، لكن حملتهم اقتصرت، حصراً، على ثوب ممثلة أو اسم ممثل، ولم نسمع من يتحدث عن الأفلام التي عرضت، ولا ينتقد العناوين التي جرى اختيارها في المسابقة الرسمية. اختصوا في إقامة محاكمات أخلاقية، في مهرجان يحتمل نقداً سينمائياً. لم يقتصر الأمر على مهرجان عنابة، بل تلاه مهرجان إيمدغاسن، وكالعادة لا أحد تساءل عن الميزانية الهزيلة التي تصرف عليه، ولا تكفي في تأمين نشاطاته، بل ركزت الحملة، مرة أخرى، على ثوب ممثلة أو ممثل، وعلى وجوه من مشى على السجاد الأحمر. وفي خضم هذا القدح والذم، لا أحد يهمه أن الناس يحتشدون في مشاهدة أفلام المهرجانين، في بلد يفتقر إلى قاعات سينما، وباتت فيها مشاهدة فيلم، في مكان عام، حدثاً لا يقل قيمة عمن ولد طفلة أو طفلا. اعتقدنا أن العشرية السوداء، قد انتهت وغادرت معها الأحقاد، لكنها فرّخت عقولاً لا تؤمن سوى برأي واحد، ويضايقها أن يختلف معها شخص آخر. وكي تثبت صوب رأيها، تكرر أسطوانة: «الدفاع عن الأخلاق».
الحرية بالتجزئة
الحرية لا تقبل التجزئة، لكنها كذلك في الجزائر، نتناولها مثل من يتناول أقراصاً، على جرعات، خشية أن يستفيق زعيم حزب متشدد أو نائب في البرلمان، أو ناشط سياسي على السوشيال ميديا، أو تابع يسري في هواهم، يحتج أن لقطة في فيلم أو جملة في رواية قد مست «أخلاقه» وجرحت «مشاعره». وعندما تضطر القوانين إلى حماية الحريات (كما ينص عليها الدستور) فإن الأخلاق تنوب عنها في سلب الفنان الحد الأدنى من الحرية المتاحة. لا بد أن سبيل الحرية الفكرية لا يزال شاقاً، في كل مرة نعتقد فيها أننا تقدمنا إلى الأمام، يزداد التضييق شراسة. وبحكم أن القوانين التي تتعلق بالكتاب أو الفن يسنها أشخاص من خارج هذين المجالين، فسوف يظل المبدع في خانة المتهم، كلما فكر في الدفاع عن حقه في التعبير. سوف ينظر إليه نظرة مشتبه فيه إذا حاول الخروج من القالب السائد أو احتج على ما يسمى «الأخلاق». مجرد هذا الاحتجاج، كما ورد المقال، سوف يظن به مساس ﺑ«الأخلاق» التي لا يعرف معناها أحد سوى من أقروها.
كاتب جزائري