رام الله- «القدس العربي»: يربط المواطن الفلسطيني مجموعة من الأخبار المتتالية بعضها ببعض، وجميعها تهز صورة الحكومة الفلسطينية الجديدة أمام عينيه، وتجعله يصل لاستنتاجات مؤلمة في لحظته الراهنة وقريبه المقبل. وهم إلى جانب نخب فلسطينية في رام الله يتداولون إشاعات وأنصاف حقائق وربما حقائق حول وضع الحكومة التي تعاني من وضع اقتصادي صعب للغاية.
جانب من هذه الإشاعات التي تتداولها النخبة تقول إن رئيس الحكومة قدم استقالته للرئيس الفلسطيني محمود عباس، فيما أشارت أخبار عن أنه هدد بتقديمها في ظل مواقف لها علاقة بقبول حكومته عربيا، وتوقف سبل الدعم المالي الذي يضمن للحكومة أن تقوم بدورها الخدماتي.
لقد حمل الأسبوع الماضي الكثير من الأخبار التي تصب في مسار الإشاعات السابقة، وكان مما كشفته وسائل إعلام إسرائيلية، منتصف الأسبوع الماضي، حديث عن لقاء مستشار الأمن القومي الأمريكي جيك سوليفان مع مسؤولين فلسطينيين، وكان الخبر يقول إن اللقاء «ساده التوتر» خاصة مع طرح سوليفان موضوع إصلاح السلطة الفلسطينية. وحسب ما قالته قناة «كان» فإن لقاء سوليفان مع حسين الشيخ ومحمد مصطفى كان متوترًا وصاخبًا، حيث هاجم سوليفان السلطة الفلسطينية، ووجه انتقادات شديدة لأدائها في ملف الإصلاحات وتجديد السلطة، كما بين له أن إدارة بايدن لا تشعر بالارتياح لتشكيل الحكومة الفلسطينية على النحو الذي تمت عليه.
وأضافت، أن إدارة بايدن سبق أن اقترحت على السلطة الفلسطينية أسماء تتمتع بالاستقلالية أكثر من محمد مصطفى والوزراء في حكومته.
كارثة اقتصادية
في السياق ذاته، حذّر مسؤولون غربيون من وقوع «كارثة اقتصادية» في الضفة الغربية، إذا لم يجدّد الاحتلال «إعفاءً حيوياً تحتاجه البنوك الإسرائيلية من أجل الحفاظ على علاقاتها مع نظيراتها الفلسطينية».
وذكرت صحف غربية وعبرية أنّ هذا الإعفاء، الذي تنتهي صلاحيته في الأول من تموز/يوليو المقبل، «يسمح بدفع تكاليف الخدمات الحيوية والرواتب المرتبطة بالسلطة الفلسطينية، ويسهّل استيراد المواد الأساسية» مثل الغذاء والماء والكهرباء، إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ومن دون هذا الإعفاء، ستتوقف البنوك الإسرائيلية عن التعامل مع المؤسسات المالية الفلسطينية، وسيتوقف الاقتصاد الفلسطيني فعلياً مع مرور الوقت.
بدورها أعلنت سلطة النقد الفلسطينية عن متابعتها التهديدات الإسرائيلية بقطع العلاقة المصرفية مع البنوك الفلسطينية في ظل أن المصارف الفلسطينية تلعب دور الوسيط في التجارة البينية مع الجانب الإسرائيلي، وأن قطع العلاقة المصرفية المراسلة سيكون له أثر سلبي على الاقتصادين الفلسطيني والإسرائيلي وأيضا على العلاقات التجارية. وتعمل سلطة النقد مع الجهات الفلسطينية المختصة وأطراف دولية عديدة للحفاظ على العلاقة المصرفية لتسهيل إجراءات التبادل التجاري وتسديد أثمان السلع والخدمات، ومنع أزمة إنسانية قد تقع نتيجة أي إجراء أحادي الجانب.
وفيما شددت سلطة النقد على أن الجهاز المصرفي يدير مخاطره بكفاءة واقتدار، وأنها والمصارف تتخذ إجراءات تحوطية واستباقية لمواجهة المخاطر المحتملة، فإن الخبير الاقتصادي جعفر صدقة اتهم سلطة بإنها تضحك على الفلسطينيين من خلال تهوينها من خطورة القرار الإسرائيلي.
وعلق صدقة على حديث سلطة النقد بإن ليس كل المعاملات التجارية ستتأثر بسبب وجود عملات أخرى نتعامل بها (الدينار الأردني والدولار) وأن البنوك «تدير المخاطر بكل كفاءة واقتدار» بإن الجهة الرسمية الفلسطينية تتناسى أن إسرائيل تسيطر بإحكام على كل التدفقات النقدية من وإلى الأراضي الفلسطينية، عبر البنوك وعبر الحدود، ناهيك عن حركة البضائع والأفراد.
وأضاف: «القرار الإسرائيلي المحتمل، ان اتخذ، سيجعل من البنوك مجرد مكاتب صرافة، هذا ان توفرت لها العملات، ويجعل من استيراد أو تصدير إبرة أمرا شبه مستحيل، وستحدث انهيارا ماليا وشللا كاملا في الاقتصاد الفلسطيني».
دفع السلطة للانهيار
وحسب صدقة فإنه كان الأجدى بسلطة النقد عدم التهوين من القرار الإسرائيلي، والذي يأتي ضمن جملة من الإجراءات والقرارات الإسرائيلية التي تحمل تغيرا جوهريا تجاه السلطة الفلسطينية، من الحفاظ عليها ككيان ضعيف مهمته فقط توفير ذراع متقدم لتوفير الأمن لها ولمستوطنيها، إلى كيان بات يحمل مخاطر كبيرة بالتحول إلى دولة بدفع الاعترافات الدولية المتتالية.
وضمن هذا السياق، وبدل أن تبني استراتيجيتها منذ نشأتها دون الأخذ بعين الاعتبار وضعا كالذي نحن فيه الآن، كان أجدى بسلطة النقد، حسب الخبير الاقتصادي صدقة، التلويح، بل والبدء باتخاذ خطوات عملية بوقف تداول الشيكل والتحول إلى عملة أخرى في التعاملات اليومية، والتحضير لإصدار عملة.
ويخلص إلى أن الأمر خطير للغاية وهدفه دفع السلطة للانهيار، ويستحق الدخول في مواجهة كسر عظم، فخطوات كالتي يقترحها ليست «فنتازيا» بل تأخذها إسرائيل على محمل الجد، فإذا كانت إسرائيل تسعى لترتيبات لا وجود لنا فيها، فلنخرب كل شيء.
صوت المخاوف التي علت كان مصدرها أيضا البنك الدولي الذي حذر في تقرير من أن السلطة الوطنية الفلسطينية تواجه مخاطر حصول «انهيار في المالية العامة» مع «نضوب تدفقات الإيرادات» والانخفاض الكبير في النشاط الاقتصادي على خلفية الحرب في غزة.
وجاء في التقرير أن «وضع المالية العامة للسلطة الفلسطينية قد تدهور بشدة في الأشهر الثلاثة الماضية، ما يزيد بشكل كبير من مخاطر انهيار المالية العامة».
وأكد التقرير «نَضَبَت تدفقات الإيرادات إلى حدٍّ كبير بسبب الانخفاض الحاد في تحويلات إيرادات المُقَاصَّة المستحقة الدفع للسلطة الفلسطينية والانخفاض الهائل في النشاط الاقتصادي».
وفي الأشهر المقبلة يتوقع أن يبلغ العجز في السلطة الوطنية الفلسطينية 1.2 مليار دولار ما يضاعف الفجوة التمويلية التي كانت 682 مليونا في نهاية العام 2023 لتصل إلى 1.2 مليارا وتوقع التقرير «حدوث انكماش اقتصادي آخر يراوح بين 6.5 في المئة و9.6 في المئة في المالية العامة مع استمرار ضبابية المشهد وعدم اليقين بشأن آفاق عام 2024».
البحث عن مصادر تمويل ودعم
يعلق الخبير الاقتصادي والأكاديمي نصر عبد الكريم على أن سلطات الاحتلال لم يبق لها إلا أن تأخذ قرار وقف تحويل المقاصة تماما، ومصادرة ما تجمع لدى حكومة الاحتلال من أموال تم قرصنتها خلال السنوات السابقة كجزء من العقوبات الإسرائيلية التي تفرضها على السلطة.
واعتبر عبد الكريم أن الأكثر ايلاما بالنسبة لحكومة محمد مصطفى الجديدة هو أن تأخذ إسرائيل قرارا بمصادرة الأموال السابقة واستخدامها في أغراض أخرى، إلى جانب اتخاذها لقرار رسمي بمنع تحويل المقاصة من الآن وصاعدا.
وقام وزير المالية المتطرف بتسئليل سموتريتش برفض التوقيع على بقايا أموال المقاصة (الضرائب) الشهر الماضي، حيث يعتبر عبد الكريم أن مدير المالية الإسرائيلية شخصية لديها موقف متطرف، فيما جناحه داخل الحكومة الإسرائيلية هو المهيمن على القرارات المتعلقة بالشأن الفلسطيني.
ويرى عبد الكريم أنه على الحكومة أن تبحث عن مصادر تمويل ودعم، في ظل أن مستشار الأمن القومي الأمريكي سوليفان ظهر متبنيا لوجهة النظر الإسرائيلية وغير مستعد للضغط على الاحتلال فيما يخص تحويل أموال الضرائب.
ويرى أنه لم تعد هناك خيارات للحكومة، حيث أصبحت الآمال تتراجع، بعد نتائج مؤتمر القمة العربية في المنامة الأخير في البحرين، «لقد أكد الرئيس الفلسطيني التذكير أن الحكومة الجديدة لقيت الترحاب لكنها لم تتلق الدعم المالي».
ويشدد أن الموقف السياسي الأمريكي من الحكومة الجديدة والإصلاحات هو الذي يحكم سلوك الدول العربية بشأن تقديم الدعم للفلسطينيين، «لقد تراجع الأمل بعد أن كان الخيار المأمول والمتوقع أن تسد الدول العربية الفجوة».
ويخلص عبد الكريم بإن «كل الطرق مغلقة أمام الحكومة. فما يتوفر من أموال مع توفر أموال الضرائب التي تحتجزها إسرائيل لا تضمن إلا توفير راتب 60 في المئة للموظفين وذلك في حال سلمت الحكومة الإسرائيلية أموال المقاصة، لكن ذلك لا يحل المشكلة، فسؤال المخصصات والنفقات الأخرى المستحقة على الحكومة يظل مطلا برأسه؟».
الأكاديمي والمحاضر في العلوم السياسية الدكتور بلال الشوبكي يرى أن سبب المشكلة الأساسي كان منذ البداية في سوء تقدير من القيادة الفلسطينية التي رأت أن هناك إمكانية للتعاطي الإيجابي مع الحكومة الفلسطينية الجديدة، «لقد رأت القيادة في التعاطي الإيجابي مع الأطروحات الأمريكية يوفر إمكانية للتعاون وفكفكة القيود المالية المفروضة على السلطة وذلك إذا ما حدثت استجابة لمسار سياسي ما». وتابع: «لقد كان من الواضح أن السلطة تعاملت بنوع من المرونة مع الضغوط الأمريكية، وتم تقديم حكومة الدكتور محمد مصطفى على أنها حكومة إصلاحية، لكن النتيجة الواضحة لنا أن الولايات المتحدة الأمريكية أدارت ظهرها لهذه الحكومة، وتعاملت مع الموضوع على انها إصلاحات غير كافية».
ويرى الشوبكي أنه حين نقول إن الولايات المتحدة الأمريكية تدير ظهرها للحكومة فإن دولا أخرى تفعل نفس الموقف وتحديدا دول كان يظن إنها يمكن أن تشكل ظهيرا ماليا لهذه الحكومة.
ويخلص: «لقد وجد محمد مصطفى نفسه في المأزق، وهو ما يصعد حسب المعلومات غير المؤكدة من تلويحه بالاستقالة».
ويرى الأكاديمي الشوبكي أن الضغط المالي وحجب التمويل ووقف أموال الدعم هو حالة من الضغط على القيادة الفلسطينية من أجل إبداء مرونة أكبر في ملفات أخرى لم تطرح حتى اللحظة على الطاولة.