محنة المرضى مرشحة للتفاقم بسبب تقلص الدعم… ووزير الكهرباء يأمل نهاية أزمة الظلام الموسم الحالي

حسام عبد البصير
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: بأشد العبارات يدين المسلمون ويدين العرب قتل الفلسطينيين.. مصطلح دبلوماسي تكرر في أغلب العواصم، بات يهدف في الاساسي لرفع العتب عن الأنظمة التي ليس بيدها شيء تقدمه لغزة وأهلها، سوى الكلام المستهلك الذي أصبح يمثل عنوان عجز الأمة بجميع طوائفها. وقد ألقى المهندس نجيب ساويرس رجل الأعمال، بحجر في المياه الراكدة، ردا على قصف القوات الإسرائيلية المتعمد لخيام النازحين في مدينة رفح الفلسطينية، الأمر الذي أسفر عن سقوط المئات من الشهداء والمصابين بين صفوف الفلسطينيين النازحين العزل. وقال ساويرس خلال تدوينة له عبر منصة “إكس”: أناشد المسؤولين في مصر بالسماح بدخول المصابين لمصر وسأتكفل أنا بمصاريف العلاج.. برجاء الاستجابة ولكم خالص الامتنان ونص الثواب. وكانت مصر قد أدانت بأشد العبارات قصف القوات الإسرائيلية المتعمد لخيام النازحين في مدينة رفح الفلسطينية، الأمر الذي أسفر عن سقوط المئات من القتلى والمصابين بين صفوف الفلسطينيين النازحين العزل، في انتهاك جديد وسافر لأحكام القانون الدولي الإنساني، وبنود اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب.. وطالبت مصر إسرائيل بالامتثال لالتزاماتها القانونية كقوة قائمة بالاحتلال، وجددت مطالبتها لمجلس الأمن، والأطراف الدولية المؤثرة، بضرورة التدخل الفوري لضمان الوقف الفوري لإطلاق النار في قطاع غزة. واستقبل الرئيس السيسي، وفدا من أعضاء الكونغرس الأمريكي من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، برئاسة السيناتور جيري موران عضو لجنة الاعتمادات في مجلس الشيوخ، بحضور اللواء عباس كامل رئيس المخابرات العامة. وأوضح المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، أن الوفد الأمريكي، أكد أن زيارته تأتي في إطار الأهمية الخاصة التي توليها بلاده للشراكة الاستراتيجية مع مصر، منوهين بإسهامها الكبير كركيزة للاستقرار الإقليمي، وتقديرهم للجهود المصرية لإرساء السلام والأمن في المنطقة، لافتين في هذا السياق إلى الدور المصري الجوهري في دفع الجهود الرامية إلى التوصل لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتبادل المحتجزين والرهائن والأسرى. وشهد اللقاء حوارا حول مجمل الأوضاع الإقليمية، أكد خلاله الرئيس ضرورة تكثيف الجهود لاحتواء الموقف ووقف الحرب، بما يضع حدا للمأساة الإنسانية المستمرة التي يعيشها أهالي قطاع غزة، ويحول دون توسع الصراع وامتداده، مشددا على المخاطر الناجمة عن العمليات العسكرية الإسرائيلية في مدينة رفح الفلسطينية، وتداعياتها الإنسانية والأمنية. وشدد السيسي على ضرورة الانخراط الدولي الجاد في تطبيق حل الدولتين وفق قرارات الشرعية الدولية، بوصفه مسار تحقيق العدل والسلام والأمن لجميع شعوب المنطقة..
وفي إطار مواجهة الغليان المتصاعد بسبب انقطاع التيار الكهربائي: قال الدكتور محمد شاكر وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، في تصريحات له في “اليوم السابع” وغيرها من المواقع والصحف: إنه متفائل بأن يكون الحد الأقصى لاستمرار تخفيف أحمال الكهرباء هو قرب نهاية هذا العام.. وشدد على أن الوزارة تحرص على انتهاج أي طريقة يمكن أن تساهم في التخفيف عن المواطنين بأي شكل من الأشكال. وأوضح أنه يحرص على أن يصارح المواطنين بأي تطورات أو مستجدات، سواء كان خفض التخفيف المعمول به حاليا (بواقع ساعتين يوميا) أو غير ذلك. وأشار إلى أن وزارة البترول مستعدة للتعامل مع أي مستجدات قد تطرأ خلال الفترة المقبلة. أما المهندس طارق الملا، وزير البترول والثروة المعدنية، فأكد أن قيمة الدعم الموجه للمنتجات البترولية للارتفاع، عادت إلى التفاقم مرة أخرى ليبلغ نحو 150 مليار جنيه العام المقبل نتيجة للتحديات التي تواجهها الدولة، وارتفاع التكاليف بعد أن كان هذا الدعم يمثل صفرا في عام 2021.
لا يعلمون الحقيقة

إحدى مشاكل الصهاينة وأتباعهم في كل مكان من وجهة نظر الدكتور وحيد عبد المجيد في “الأهرام”، أنهم لا يدركون طبيعة قضية فلسطين وأبعادها المتعددة. الإبداع في التعبير عن فلسطين، وطنا وأرضا وشعبا وثقافة وهوية وتاريخا وحاضرا، أحد أهم هذه الأبعاد. ولهذا حضرت فلسطين إبداعيا في الدورة السابعة والسبعين لمهرجان كان السينمائي الدولي التي اختُتمت قبل أيام، رغم قرار إدارته حظر أي رموزٍ تُعَبر عن التضامن معها، وهو ما لم يلتزم به بعض المشاركين، ولكن الإدارة تمكنت بمساعدة الشرطة من تطبيق قرارها حظر تنظيم تظاهرات، أو مسيرات في المنطقة المحيطة بقصر المهرجانات في شارع لاكروازييت، حيث عُقدت فعاليات المهرجان. كما طلبت عدم التطرق إلى أي قضية سياسية في حفل الافتتاح مساء 14 مايو/أيار، بدعوى أنه مهرجان سينمائي وينبغي عدم تسييسه. ولكن هذا المهرجان «غير المُسَيس» هو الذي ظهر فيه الرئيس الأوكراني زيلينسكي في الدورة قبل الماضية عام 2022 عبر الفيديو وألقى كلمة نارية ضد روسيا. لا عجب في هذا الازدواج المُشين، ما دام الغرب في معظمه خاضعا لخرافاتٍ صهيونية. ومع ذلك حقَّق الفيلم الفلسطيني «إلى أرض مجهولة» حضورا قويا عندما عُرض، ونقل جانبا أساسيا من جوانب القضية إلى قاعة العرض. وكيف لا، والفيلم مقتبسةُ فكرته من رواية المبدع الشهيد غسان كنفانى “رجال في الشمس” التي افتتح بها أعماله الإبداعية عام 1963. وهي تدور حول آثار نكبة 1948 على الشعب الفلسطيني من خلال لاجئين من أجيالٍ مختلفة. ولعنوانها رمزيةُ ذات دلالة على قسوة التهجير القسري وصعوبات اللجوء، إذ تقسو على لاجئين يموتون تحت وطأة أشعتها الحارقة، خلال اختبائهم داخل صهريج جاف، وهي التي يُفترض أن تكون رمزا للنور والإشراق. كما أن موتهم بهذه الطريقة القاسية رمز لعذابات التهجير الإجرامي، وتعبيرُ عن صرخة المُهجرين التي أنتجت بعد ذلك مقاومة لم يفلح التحالف الصهيوني الغربي في وقفها. لا تكفي تقارير قصيرة عن الفيلم لتكوين صورة واضحة عنه، ولكن ما يُفهم منها أن مخرجه مهدى فليفل، اقتبس الفكرة ووظَّفها في سياق درامي مختلف كثيرا. وهذا طبيعي بعد ستة عقود من كتابة الرواية.

حدود ملتهبة

ما الذي يجرى على الحدود المصرية؟ هل تحولت المواجهة الإسرائيلية الفلسطينية إلى مواجهة بين مصر وإسرائيل؟ لقد فاجأتنا إسرائيل كما قال محمد سلماوي في “المصري اليوم”، بدخول قواتها محور صلاح الدين (فيلادلفيا) بطول الحدود مع مصر، أي أن قواتها أصبحت ترابط الآن على حدودنا الشرقية، بعد أن كانت غزة تمثل عازلا بيننا وبينها، وسمعنا أن مصر أغلقت معبر رفح من جانبها بشكل مفاجئ وغير مفهوم للبعض، ثم جاء أخيرا قرار مصر بإدخال المساعدات الإنسانية لغزة عن طريق معبر كرم أبو سالم التجاري، الذي كانت ترفض استخدامه لخضوعه لسلطة المعابر البرية التابعة لوزارة الدفاع الإسرائيلية، في الوقت نفسه تصاعدت حدة التصريحات الغاضبة بين الجانبين، ما دفع المراقبين للقول إن العلاقات المصرية – الإسرائيلية تمر الآن بأسوأ حالاتها منذ سنوات، فماذا يعني كل هذا، وما هي أسباب تلك المواجهة؟ ينبغس أن نؤكد منذ البداية أن هذه التطورات الأخيرة، التس تخلق حالة من التوتر غير مسبوقة منذ سنوات بين مصر وإسرائيل كانت حاضرة منذ بداية حرب إسرائيل الوحشية على غزة يوم 8 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، والتي سريعا ما اتضح أنها حرب إبادة جماعية للشعب الفلسطيني بغرض تفريغ غزة تماما من سكانها بإرغامهم على الهجرة القسرية إلى سيناء، وهذا يعني أن مصر كانت حاضرة في المخطط الإسرائيلي من قبل تنفيذه.. وحين يكون لدولة مخطط يقتضي تنفيذه موافقة دولة أخرى، فإنه يتم التنسيق مع تلك الدولة مسبقا، وهذا بالطبع ما لم تفعله إسرائيل، معتمدة على أن الوضع المأساوي الذي ستشهده غزة، سيرغم مصر على فتح حدودها على مصراعيها أمام أكثر من 2 مليون مهجّر، كما فعلت مع السودانيين والسوريين واليمنيين وغيرهم من الأشقاء العرب، الذين وصل عددهم في مصر إلى 9 ملايين شخص. مثّل رفض مصر القاطع للمخطط الإسرائيلي، حماية للقضية الفلسطينية من التصفية، وحماية لأمن مصر القومي، حيث كان الصراع الإسرائيلي الفلسطيني ستنتقل ساحته من غزة إلى سيناء، وقد استمرّت الضغوط على مصر طوال الأشهر الماضية من إسرائيل، وبعض حلفائها الدوليين الذين وفدوا إلى القاهرة كأمواج البحر المتلاحقة، لكنها تحطمت كلها على صخرة الرفض المصري الصلبة، وهنا جاءت المرحلة الثانية في المواجهة، حين مضت إسرائيل قدما في مخطط فرض سيطرتها على غزة، بأن اقتحمت أخيرا محور صلاح الدين عسكريا، وهو ما شكل انتهاكا لاتفاقية فيلادلفيا التي عقدتها مع مصر، والتي تقضي بأن يكون هذا المحور منطقة آمنة على الحدود بين البلدين، لا تدخلها قوات أي من الطرفين إلا بالتنسيق مع الطرف الآخر، وبالطبع لم تخطر إسرائيل مصر بهذا التحرك مسبقا لعلمها بأن مصر سترفضه، كما رفضت التهجير من قبله، وهكذا جاء الموقف المصري الغاضب، وما تناقلته وسائل الإعلام الأجنبية عن نشر مصر قواتها بطول الحدود مع غزة، فالسيطرة على محور صلاح الدين يجعل إسرائيل هي المتحكم الأوحد في معبر رفح، وقد نقلت تقارير صحافية إسرائيلية عن وزير الدفاع يوآف غالانت قوله، إنه سيتم إرسال المزيد من القوات الجوية والبرية إلى رفح، ما يعني أن إسرائيل التي ثبت استخدامها التجويع كأحد أسلحة حرب الإبادة في غزة لن تسمح بدخول أي مساعدات بعد سيطرتها الكاملة على معبر رفح، ما دفع مصر لرفض تشغيل المعبر وهو تحت الاحتلال الإسرائيلي، وإعلان قبولها تحويل المساعدات والوقود إلى معبر كرم أبوسالم جنوب رفح، وتفاديا للتنسيق مع قوات الاحتلال في هذا الشأن، اشترطت مصر أن تسلم المساعدات لممثلي الأمم المتحدة لضمان وصولها للفلسطينيين من ناحية، ولرصد محاولات العرقلة التي ستقوم بها إسرائيل من ناحية أخرى، وإذا أضفنا لذلك ما قامت به إسرائيل بمساعدة وتأييد من أمريكا من استهداف لمنظمة الأمم المتحدة لإغاثة اللاجئين «أونروا»، يتضح لنا مغزى إصرار مصر على أن تمر المساعدات عبر المنظمة الدولية. إسرائيل تريد تثبيت سيطرتها المطلقة على كامل أرض غزة، لأطماع سياسية وجغرافية معروفة، وأطماع أخرى تتعلق بموارد غزة.

علم وكوفية

أثارت الممثلة العالمية كيت بلانشيت انتباه وسائل الإعلام عندما ارتدت في مهرجان “كان” في فرنسا فستانا على شكل علم فلسطين بألوانه الأبيض والأسود والأخضر والأحمر. حرصت بلانشيت كما أوضح رفعت رشاد في “الوطن” أثناء سيرها على السجادة الحمراء على إظهار كل ألوان العلم في رسالة اعتبرت دعما لفلسطين. كما أن عددا من كبار الفنانين في أمريكا بعثوا برسالة للرئيس الأمريكي بايدن بضرورة التدخل لوقف الحرب الإسرائيلية على غزة. ولم ينس العالم الأغنية السويدية التي انتشرت في أوروبا “فلسطين”، التي حشدت الرأي العام ضد ما يحدث في غزة. لا تقتصر مساندة فلسطين على الفنانين فقط، وإنما الرياضيون أيضا يساندون فلسطين وكم من ملاعب كبيرة في دول كبيرة غطى مدرجاتها علم فلسطين. وكم من لاعب دعم القضية الفلسطينية بسبل مختلفة. إن استخدام الرموز والأعلام الفلسطينية لدعم قضية الشعب المناضل الصامد تعيد إلى الساحة السياسية الدولية قضية حرصت إسرائيل وأمريكا وأوروبا على دفنها طويلا، ولكن نهض شعبها رافضا إبادته وإنهاء تاريخه الطويل وقدسية أراضيه. البعث الفلسطيني حرك في العالم مشاعر المقاومة، كل بطريقته، في مظاهرات أو مقالات أو صور أو بوستات في وسائل التواصل الاجتماعي، وكل هذه الوسائل وكل هذه المشاعر المنتشرة في كل الكرة الأرضية تحاصر العدو الإسرائيلي، حتى لو لم يعترف بذلك، أو لم يدرك البعض ذلك فإن حركة الزمن لن تتوقف وحجم الفشل الإسرائيلي لن يتقلص، بل ستزداد المقاومة الفلسطينية صلابة وتصميما لنيل حقوقها في الوطن والاستقلال عن احتلال شرس يقتل باستخدام المبررات الدينية، فيمسح عقول جنوده، ويتهم كل من يعارضه بمعاداة السامية مطمئنا إلى الدعم الأمريكي اللانهائي. لقد تحولت أشياء كثيرة إلى رموز فلسطينية أو معبرة عن فلسطين وشعبها البطل، في مصر لوّن مواطنون عاديون جدرانا بلون العلم الفلسطيني، طبع الناس علم فلسطين ليلوحوا به في وجه كل معتد محتل استعماري، ارتدى الآلاف الكوفية الفلسطينية، التي صارت رمزا للمقاومة وللنضال ضد الغاصبين في كل مكان. ارتداها رؤساء وفنانون ورياضيون وأساتذة جامعيون وطلبة خريجون وهي التي كانت دوما على رأس الزعيم الفلسطيني البطل ياسر عرفات. ستتحرر فلسطين وتنتصر وتعود إلى أهلها وأصحابها الحقيقيين، وسيذهب الغاصبون إلى أسوأ مكان في التاريخ.

لن يغادر

اللعبة السياسية في إسرائيل، تحكمها قواعد وأُطر راسخة، متفق عليها، سلفا، لا يخرج عليها أحد، وأكد الدكتور يحيى عبدالله في “الشروق”، أن كل ما في الأمر أن من يحيطون بنتنياهو يطالبونه باتخاذ قرار حاسم في ما يتعلق بمسألة «اليوم التالي» للحرب. فعل هذا عضو مجلس الحرب، وزير الدفاع السابق، بيني غانتس، الذي هدد بانسحاب حزبه (المعسكر الرسمي) من الائتلاف الحاكم، إذا لم يلب نتنياهو بعض الشروط (يتعلق معظمها بمسألة «اليوم التالي») حتى الثامن من شهر يونيو/حزيران المقبل، وفعل ذلك رئيس الأركان الحالي هرتسي هليفي، في رسالة وجهها إليه، عبر تدوينة على موقع «إكس»، قال فيها: «أنت تريد مواصلة العمل العسكري لأنك لا تتخذ قرارات»، وفعل هذا الرئيس السابق لشعبة العمليات في الجيش الجنرال جادي شمني، الذي اتهمه «بتعريض الجنود للخطر لأسباب سياسية حزبية»، وكان آخرهم، وزير الدفاع الحالي يوآف غالانت، الذي عقد مؤتمرا صحافيا دراماتيكيا، في الخامس عشر من شهر مايو/أيار 2024، حذّر فيه من أنه لن يستمر في منصبه إذا كان هناك حكمٌ عسكري إسرائيلي في قطاع غزة، مشيرا إلى أن «السلوك الحالي (لنتنياهو وللعناصر الأكثر تطرفا في الحكومة) يدفع في اتجاه حكم عسكري ومدني في غزة، وهو أمر خطير، سيكلفنا ثمنا فادحا من الدماء والأموال. منذ أكتوبر/تشرين الأول، وأنا أطرح الموضوع على الكابينت، دون رد. يجب أن يكون هناك عمل سياسي بعد انتهاء العمل العسكري». يشير رون بن يشاي، كبير المحللين العسكريين، في صحيفة، «يديعوت أحرونوت»، إلى أن السبب الملح الذي دفع غالانت إلى عقد هذا المؤتمر الصحافي هو، أن “أعضاء الكابينت” بدعم من بعض وزراء الليكود، يضغطون على نتنياهو من أجل الإعلان عن إقامة حكم عسكري في غزة الآن، وأنه لا يستجيب لهم حتى الآن، لكنه يخشى من أن يقول لهم «لا» صريحة، أيضا. وتذهب، موران أزولاي، إلى أن نتنياهو، نفسه، «يدفع، قولا وفعلا، في اتجاه إقامة حكم عسكري إسرائيلي في غزة، دون أن يعلن عن ذلك بشكل رسمي، وهو ما لا يقبله غالانت».

يوم مؤجل

يتذمر قادة المؤسسة العسكرية، حسب ما أطلعنا الدكتور يحيى عبدالله من رفض نتنياهو مناقشة مسألة «اليوم التالي» لأسباب سياسية حزبية وشخصية، ومن نيته إقامة حكم عسكري إسرائيلي في قطاع غزة، أو بالأحرى، احتلاله، ومن تعمده إطالة أمد الحرب، سواء في غزة، أو في لبنان. من الواضح، أن نتنياهو ملتزم، حتى الآن، بموقف هؤلاء الشركاء، لأنه لا مستقبل سياسيا له من دونهم، والدليل على ذلك، أن كل القرارات التي اتخذها في الفترة الأخيرة، توافقت، تماما، مع توجهاتهم. لا يرفض نتنياهو، خلافا لوزير الدفاع غالانت وكبار المسؤولين في المؤسسة العسكرية، حسب رون بن يشاي، أن يكون هناك حكمٌ عسكري إسرائيلي في القطاع، لفترة زمنية قصيرة، يدير الحياة المدنية، أيضا، لسكانه إلى أن يُقضَى، بشكل نهائي على حماس، عسكريا ومدنيا، ثم تحل محل الجيش قوة عربية ـ أمريكية، يعمل تحت إشرافها جهاز إداري من سكان غزة، ليسوا مؤيدين لحماس، وهو ما عبَّر عنه مؤخرا في حديث أجرته معه شبكة «سي. إن. بي سي» الأمريكية: «أريد أن تكون هناك إدارة مدنية في غزة مع مسؤولية عسكرية إسرائيلية، بمعنى، أن تبقى المسؤولية العسكرية الشاملة بيد إسرائيل من أجل ضمان الأمن». يرفض نتنياهو وشركاؤه الطبيعيون من المتطرفين كل الحلول البديلة للحكم العسكري للقطاع، مثل إشراك السلطة الفلسطينية في حكم غزة، لزعمه بأنها تشكل تهديدا لإسرائيل مثل «حماس»، في نظره، (له في هذا الصدد مقولة شهيرة ما يفتأ يرددها: «لن أستبدل فتحستان بحماسستان»)، وهو زعم يدحضه واقع التنسيق الأمني بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة، ضد ناشطي المقاومة الفلسطينية.

شرعية مزيفة

السلام اسم من أسماء الله الحُسنى، ومبدأ عظيم نادت به كل الأديان السماوية، وهو ضمان لحقوق البشر على الأرض، وسبيل للترقي والتحقق الإنساني، وحقل للإبداع والتعاون بين مختلف الأجناس والأعراق. وهو بلا شك وفق ما يعتقد مصطفى عبيد في “الوفد” أمل الآمال، وأعظم الطموحات لدى أصحاب الضمائر والأفهام شرقا وغربا. لا شك في ذلك ولا خلاف عليه، لكن ما ينبغى استيعابه هو التعمق في المُصطلح وتحديد دلائله بما يمنع تلوينه وتشويهه وتوظيفه لخدمة مشروعات استعمارية. بروية وهدوء نقول إن السلام هو تلاقي إرادتين، لا اختيار إرادة واحدة. هو رغبة ثنائية لا أحادية. وهو خيط ممدود بين طرف وطرف آخر. وهو أيضا حوار مُتصل ممتد ومستدام. وهو كلمة وصداها. وهو عهد بين اثنين.. لا يمكن لسلام أن يتحقق وهناك طرف ينشده، وآخر يرفضه. ولا يولد التعايش بين شعبين أحدهما يتصور أن وجوده يعني بالضرورة غياب الآخر. وهذا في الأساس مُشكل الصراع العربي الإسرائيلي مُنذ أكثر من سبعة عقود، فالدولة التي قامت على اغتصاب حقوق الغير، واصطنعت شرعية مزورة، ووظفت القوة فوق الحق، ومددت وجودها خصما من وجود دولة أخرى، وعلى حساب شعب آخر، تقف بالمرصاد لكل دعوة سلام حقيقية، لأنها ترفض إعادة الحقوق لأصحابها، أو حتى الاعتراف بها. لم تكن إسرائيل مُؤمنة قيادة وشعبا بالسلام في الأطروحات الدولية كافة لتسوية الصراع، فقد كانت لديها دائما لاءات مُعقدة، وتحفظات معرقلة، وتصورات أحادية شديدة الخصوصية، تطرح من خلالها سياسة فرض الأمر الواقع، وتُصر على استبعاد أي حقوق مشروعة للغير من مائدة المفاوضات.
العدل أولا

فى كل مرة تقف إسرائيل ضد السلام تحت تصور يصفه مصطفى عبيد بـ”الكريه” مفاده بأنها الطرف الأقوى، وأن الطرف الأقوى هو الذي لديه الحق في رسم الحوار التفاوضي، بل وتحديد حقوق الآخر، وأن على هذا الآخر القبول طوعا أو كرها بذلك الطرح، باعتباره الفرصة الوحيدة، وأنه لو لم يقبله، فإنه هو المُعرقل للسلام، والساعى للحرب، والداعم للإرهاب. وما ينبغي قوله، وما يجب طرحه، وما يلزم التأكيد عليه في كل محفل دولي وإقليمي، هو أن السلام لا يعني أبدا الاستسلام، ولا يعني كذلك الامتثال والسعي لقبول أي طرح تحت باب قبول ما هو معروض آنيا، واختيار أقل الضررين، لأن ذلك هو التفريط بعينه. كذلك، فإنه من الضرورى عدم التسليم بالتوصيفات المغرضة لبعض وسائل الإعلام الغربية المتأثرة بالخطاب الإسرائيلي، التي تعتبر المقاومة إرهابا. هناك فارق كبير بين المقاومة المشروعة لشعب يتعرض للاحتلال والتنكيل والاضطهاد، والإرهاب الذي نعرفه ونراه في بلدان مستقلة تتمتع بسيادة على أراضيها. لو كانت المقاومة ضد الاحتلال الغاشم عملا إرهابيا، فما هو السبيل الممكن لاستعادة حق أي شعب تعرض للظلم؟ كيف يُمكن رد الاعتداء وكف الأذى عن الشعب الفلسطيني الأبي؟ لقد زار صحافي أمريكي هو ديفيد إغناتيوس مُدن الضفة الغربية في شهر ديسمبر/كانون الأول 2023، ثم كتب سلسلة مقالات في «الواشنطن بوست» قال فيها إنه طاف أرجاء الضفة الغربية على مدى عدة أسابيع ورأى كيف تعامل سلطات الاحتلال الإسرائيلي المواطنين الفلسطينيين، وكيف تُمعن في إذلالهم والتضييق عليهم، وهو ما يعرقل أي تصورات متفائلة بشأن التسوية السلمية للصراع. السلام الحقيقي يعنى العدل أولا، ثم التعايش، والتوافق، والرضا المتبادل، وهو الالتزام الأخلاقى المفترض أن يدوم، وهذا ما يؤمن به كل عربي لديه ضمير ما زال حيا.

بعلم الحكومة

على مدى السنوات الثلاث الأخيرة خاض محمود الحضري في “المشهد” تجربة صحية دفعته إلى التردد على المستشفيات العامة والخاصة، وعيادات أطباء ومستشفيات وعيادات التأمين، لمتابعة حالات مرضية خاصة وعائلية، وما زالت المتابعة مستمرة: التقيت مئات المرضى وكانت تلك السنوات بمثابة الاقتراب أكثر من أوجاع المصريين، والتعرف على همومهم، خصوصا في المستشفيات الحكومية والتأمين الصحي، وحتى في الخاص منها، وأدركت أن كلمة “آه” لها مدلولات كثيرة، ليس من آلام وأوجاع الأمراض فقط، بل من ضيق ذات اليد، إذا ما كان العلاج يتطلب نفقات تفوق ما في الجيوب، التي في الأساس خاوية بفعل الغلاء الذي نحياه جميعا. وفي ظل هذا يلجأ جمهور الناس الأغلب إلى مستشفيات الدولة، وعيادات ومستشفيات التأمين الصحي، أملا في علاج يناسب حالاتهم الاقتصادية، وشكاوى لناس كثيرة ومتنوعة، ولا تخفي على أحد في بلادنا، ولا يمكن إنكار أن العلاج في هذه النوعية من المستشفيات ما زال الملجأ الوحيد ليخفف من آهات الناس. من هنا وضعت يدي على قلبي – وما زلت – عندما بدأ البرلمان مناقشة، ثم إقرار قانون تنظيم منح التزام المرافق العامة لإنشاء وإدارة وتشغيل وتطوير المنشآت الصحية، أو ما هو معروف إعلاميا، بمنح القطاع الخاص حق “إدارة وتشغيل المنشآت الصحية”، نظرا لكون القرار يمس الغالبية العظمى من المواطنين. ولا يمكن إنكار أن قطاع الخصخصة يسير في كل الاتجاهات، بما في ذلك قطاع الصحة، وإن ما يجري على أرض الواقع هو بمثابة خروج للدولة من كل القطاعات، بما في ذلك قطاع الصحة، وإن استخدمنا كلمات تجميل، مثل تطوير منظومة الصحة، والاستعانة بالخبرات الدولية في القطاع، واستقطاب الكفاءات.

غياب الشفافية

هناك التزام للدولة مع المؤسسات المالية الدولية، لدعم القطاع الخاص، وهذا مطلوب حسب محمود الحضري عندما يمس القطاع الصحي والتعليمي، نضع أيدينا على قلوبنا خشية من المقبل، لأنه سيمس ما تبقى من دور الدولة في الخدمات، هموم وآهات وأوجاع وآلام واحتياجات الناس اليومية، والكهرباء والمياه والمنتجات البترولية خير مثال. وفي التفاصيل حول قانون، منح القطاع الخاص حق “إدارة وتشغيل المنشآت الصحية”، سيظل الجدل الذي بدأ مع طرح القانون للنقاش، الذي كان يحتاج بالفعل إلى حوار مجتمعي حقيقي، بسبب عدم الشفافية في الضمانات لحماية حقوق هذا الحشد من المرضى، خصوصا مع تحويل المنشآت الطبية الحكومية إلى كيانات هادفة للربح، ما يهدد حق المواطنين غير القادرين على تلقي الرعاية الصحية، بعكس ما تعلنه الحكومة من أن القانون يهدف إلى تحسين جودة خدمات المستشفيات العامة. وفي تقرير مهم لوحدة عدسة في مركز “حلول للسياسات البديلة”، في الجامعة الأمريكية، رصد تحفظات على مفهوم إدارة خاصة غير مشروطة، منها أن القانون لم يتضمن شروطا واضحة لتسعير الخدمة الصحية، في حال نقل إدارة هذه المنشآت إلى القطاع الخاص، ما يترك الباب مفتوحا أمام المستثمر لرفع الأسعار من أجل تحقيق أعلى عائد، خصوصا أن المنشآت الطبية التابعة لوزارة الصحة حوالي 80% من إجمالي المستشفيات الحكومية، التي من المفترض أن تقدم خدماتها مجانا أو بأسعار رمزية، رغم أن المستشفيات الخاصة في مصر هي الأكثر من حيث العدد، إلا أن المستشفيات الحكومية تخدم أكثر المرضى. ومن المتوقع أن يزيد العبء المالي على المواطنين، خاصة أن الإنفاق الشخصي يمثل بالفعل حوالي 60% من إجمالي الإنفاق على الصحة. فقراء مصر من المرضى في رقبة الجميع دولة وحكومة ومؤسسات برلمانية، وصحافة وإعلام، حتى لا تزداد (آهات) المتألمين من أوجاع الأمراض. وحماكم الله من شرور الأمراض، ومقولة “أه أنا تعبان ومش قادر أتعالج”.

نكبة عالمية

يعاني الجميع من ضغوط الحياة بمن فيهم الأشخاص الناجحون، فهم أيضا يحاربون تحت ضغط لتحقيق نجاحهم أو استمراره، لذا فكلنا نعاني من «متلازمة البط» بشكل أو بآخر.. وتُعرف تلك المتلازمة بأنها ظاهرة أو حالة نفسية تظهر بشكل عام، ولكن لم يتم تصنيفها بعد بأنها مرض عقلي. وتصف هذه المتلازمة التي عرفتنا بها سحر جعارة في “الوطن”، شعور بعض الأشخاص، الذي يكون كشعور البط في البقاء فوق الماء، حيث إنه قد يبدو عليهم الهدوء من الخارج، ولكنهم في الواقع يواجهون صعوبة ويكافحون بقوة لمواكبة متطلبات الحياة أكاديميا واجتماعيا والنجاح بها، كما تفعل البطة عند التجديف بالماء. ويعاني ما يقرب من 87% من سكان الأرض من تلك المتلازمة (على رأسهم الطلاب خاصة في أوقات الامتحانات)، وتكون المرأة هي الأكثر تأثرا وإصابة بمتلازمة البط عن الرجل بعض الشيء، بسبب زيادة الجانب الوجداني لديها. «متلازمة البط» هي عبارة عن مرض نفسي، حيث يكون ظاهره ابتسامة عريضة للشخص، ولكن من داخله ثورة غضب ويكون حريصا على عدم إظهار ما في داخله للآخرين، وهي ظاهرة منتشرة لدى الكثير من الناس، ولا يستطيع تمييزها إلا الخبراء في لغة الجسد والأطباء النفسيون، وهي ترجع إلى القهر نتيجة تعرُّض الشخص للظلم وعدم استطاعته الدفاع عن نفسه ضد مَن ظلموه. لنقِس هذا على ما يدور حولنا من أحداث وشخصيات، فالكاتب الجاد الرصين جالس بهدوء يتأمل أو يكتب في زاوية، وأمامه كوب قهوة. هو في الواقع يصارع حُمَّى تتابع الأفكار وخيط الأحداث في مخيلته.. حتى «المهرج» على السوشيال ميديا، أو المؤثر الذي يُظهر دائما نجاحاته، ويقدم النصائح للآخرين هو في داخله يتألم.. وأتصور أن النجاح السريع لمغنيي المهرجانات ومشاهير التواصل الاجتماعي قد تحول إلى عامل ضغط على جميع الشباب، الذين يبذلون جهدا مضاعفا للنجاح لكنهم لا يحققون ربع ما يحققه أحد هؤلاء. ويرى بعض المحللين النفسيين أن 87% من سكان الكرة الأرضية يعانون منها: «الـ13% الباقون لا يزالون أطفالا وعندما يكبرون سوف يعانون منها».

آخرتها انتحار

متلازمة البط قد تسبب الانتحار، نتيجة لكثرة الضغوط الحياتية، وقلة الصلابة النفسية والمرونة الذهنية ومهارات حل المشكلات. على مستوى آخر والكلام ما زال لسحر جعارة، قد نجد أشخاصا لديهم من الصلابة النفسية ما يجعلهم أقرب ما يكون إلى «أسطورة سيزيف».. على المستوى الشخصي، أتصور أن قدَري أشبه بأسطورة «سيزيف» كلما حملت صخرتي إلى قمة الجبل سقطت من جديد.. لأعيد سيناريو الألم والتحدي والعذاب نفسه، «سيزيف» كان أحد أكثر الشخصيات مكرا، حسب الميثولوجيا الإغريقية، حيث استطاع أن يخدع إله الموت ثاناتوس، مما أغضب كبير الآلهة زيوس، فعاقبه بأن يحمل صخرة من أسفل الجبل إلى أعلاه، فإذا وصل القمة تدحرجت إلى الوادي، فيعود إلى رفعها إلى القمة، ويظل هكذا إلى الأبد، فأصبح رمز العذاب الأبدي. ويقول ألبير كامو في مقاله المنشور عام 1942 والمسمى «أسطورة سيزيف»، إن سيزيف يجسد هراء وسخف ولا منطقية ولا عقلانية الحياة الإنسانية، ولكنه يختتم بقوله إن المرء لا بد أن يتخيل أن سيزيف سعيد مسرور، تماما كما أن النضال والصراع والكفاح ذاته نحو الأعالي والمرتفعات كافٍ وكفيل بملء فؤاد الإنسان، حيث يقول عنه: (ليس هناك عقاب أفظع من عمل متعب لا أمل فيه ولا طائل منه). ليس لديّ سبب واضح لإصرار أصحاب الإرادة الذهبية والإصرار على تكرار أسطورة سيزيف.. لكنني أعتقد أن البقاء محاربا ليس بطولة بقدر ما هو اتساق مع النفس، خاصة حين تعلن وجعك بكل شجاعة (ليس على سبيل الشكوى أو التسول العاطفي)، فالمحارب لا يحتاج إلى دعم أو سند، لكنه أحيانا يقتل الألم بالبوح ويعتبر التغلب على معاناته ليس سُبَّة بقدر ما يدعو للفخر.. بدلا من أن يعاني «متلازمة البط» وينتحر يأسا وكفرا بعبقرية الإنسان.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية