الواقع الجمعي للشعوب الذي ينبلج في شكل أمَّة متماسكة الأطراف مهما كان التضارب والتنافر يشوب حواشيها – يعد نتاجا لعصور من المعايشة التي أفرزت كماً لا حصر له من الحكايات والقصص، التي قد تأخذ شكل الأساطير، والتي من خلالها يتشكَّل وعي جمعي يربط أبناء الأمَّة ويرسم لهم واقعا نفسيا (سيكولوجيا) متميِّزا.
وعلى مدار العصور، يحاول علماء الطب النفسي والباحثون الاجتماعيون الغوص في أغوار تشكيل السلوك الإنساني، الذي يكوِّن تراكمه واقعا جمعيا، ومن هؤلاء عالم الطب النفسي الأمريكي جورج إيفريت بارتريدج George Everette Patridge (1870-1953) الذي شغل تفكيره الواقع الاجتماعي ومدى تأثره بالصراعات الداخلية والخارجية، وساعدته في ذلك خلفيته الأكاديمية وامتلاكه للأدوات اللازمة التي تساعده في تحليل تأثير الأحداث التاريخية على السلوك البشري. وكان يدعِّم دراسته بتجارب عملية بحثية على ظواهر اجتماعية، وسلوكيات اجتماعية شاذة، أو مؤذية، سواء للفرد أو للمجتمع مثل، إدمان الكحوليات، أو القمار، أو الاعتداء بجميع صوره وأشكاله، أو حتى الحسد والغيرة ـ من أجل اختبار قيمة الأساليب النفسية عند التعامل مع بعض المشكلات الأخلاقية؛ فهي تحدد السلوك المرضي الذي هو في الأساس ناجما عن الرغبة في توكيد الذات، لكن يتم التعبير عنه في شكل اضطراب نفسي سلوكي.
وعلى هذا الأساس نشر عام 1929 بحث موجز يبرز فيه أن فصيل المنحرفين نفسيا الذين يعبِّرون عن أنفسهم من خلال الاضطراب السلوكي، يجدون صعوبة في التفاعل مع الأنماط الثقافية عبر الأنماط الشخصية. وعلى هذا اقترح أن من السهل أن يمتد ذاك الاضطراب لمجموعات كبرى ويحوِّلها لمجموعات «مَرَضِيَّة» ويبرز ذلك في وقت الحروب عندما تتشكَّل دوافع وطنية جمعية لشن الحروب، أو حتى الخوض فيها، وكان أكبر مثال لديه حينئذٍ الحرب العالمية الأولى، التي تطاحنت فيها أمم العالم من أجل حادث يمكن النظر إليه الآن وكأنه حادث عارض في دولة قصيَّة لا يستحق أن يُقاسي ويُقتل من أجله ملايين الأفراد. ومن أطروحته تلك استخلص أن إجراء تحقيق شامل وكاف للوعي الفردي في طوره المرضي، يرسم الخلفية اللازمة لدراسة الوعي الجمعي.
وبعد سنوات طويلة من التأمُّل والدراسة والبحث، في استقصاء سلوكيات الأمم التي تتجلَّى من خلال تراكم السلوك الفردي، خاصة المنحرف منه، استطاع بارتريدج أن يخرج للنور وثيقته الشهيرة لفهم نفسية المجتمع وهي، «سيكولوجية الأمم: مساهمة في فلسفة التاريخ» The Psychology of Nations: A Contribution of the Philosophy of History (1919). وأصبح هذا الكتاب قِبلة للقرَّاء المهتمين بدراسة علم النفس التاريخي وفلسفة التاريخ ومدى التفاعل مع ديناميكية الهوية الوطنية، لما ينطوي عليه الكتاب من نظرة عميقة في تحليل أحداث الماضي، وكذلك لتقديمه رؤى عالية القيمة لها مردود بارز في مجريات الأمور والعلاقات الدولية، والتنمية الثقافية في وقتنا الحاضر. وبما أن الدراسة غرضها إصلاحي، وأقيمت على أسس علمية منهاجية، فإنها لم تفقد ثقلها حتى بتغير الأزمنة.
وهناك بعض الأعمال الأدبية الجادة التي تعنى بعرض خبايا الواقع الاجتماعي، دون تجميل أو زيف، ولذلك قد ترقى لمستوى الدراسات النفسية الخاصة بتحليل الواقع النفسي والوعي الجمعي للشعوب، لكنها في الوقت نفسه قد تعرِّض كاتبها ليس فقط للانتقادات، بل أيضا للمساءلة القانونية. ومن الكتَّاب الذين خاضوا تلك التجربة المحفوفة بالصعاب، الروائي والقاص والكاتب المسرحي العراقي فؤاد التكرلي (1927-2008) الذي يعد أحد أبرز مؤسسي فن القصة والرواية الكلاسيكية الحديثة في العراق، فقد استطاع تشريح مجتمعه في أعماله الفنية، التي اهتمت بتقديم الجوانب الإنسانية والقضايا الاجتماعية، من خلال حبكات تتداخل فيها أحداث ليست غريبة على المجتمع، لكنه يضفي عليها لمسات فنية مبتكرة، وأساليب أدبية تجريبية، ساهمت في إبراز القضايا الاجتماعية وإبراز الضوء على القيم الفكرية الجمعية، بغرض إصلاح ما يشوب المجتمع من عطب قد يفضي إلى تفشي الأمراض الاجتماعية.
وتجدر الإشارة إلى أن التحليل الاجتماعي والنفسي الدقيق الذي تتميَّز به أعمال فؤاد التكرلي، قد ساهمت فيه خلفيته الأكاديمية والعملية؛ فقد درس الحقوق، وبعد التخرُّج عمل كاتب تحقيق، ثم امتهن المحاماة. لكنه سرعان ما تولى بعدها منصب قاض. ويبدو أنه لمع في السلك القضائي والقانوني، ما أهَّله لأن يشغل عدَّة مناصب في الدولة، ثم يعيَّن خبيرا قانونيا في وزارة العدل العراقية، بل عمل في سفارة العراق في تونس بعد حرب الخليج. وعلى ذلك، استطاع أن يتعامل وينخرط في جميع مشكلات المجتمع، ويصبح على دراية بالاتجاهات الفكرية السائدة، وعبَّر عن ذلك من خلال أعماله الأدبية، التي على الرغم من قلَّة عددها، لكنها حظت بمكانة مميزة في التاريخ الأدبي العراقي والعربي؛ ولم يكن غريبا وضع روايته «رجع الصدى» ضمن أفضل مئة رواية عربية. ويعتبر التجريب السمة الأبرز في «رواية رجع الصدى»؛ فعلى نقيض أعماله الأدبية التي يكتبها بصيغة السارد العليم، ترك التكرلي في تلك الرواية العنان لشخوصه، وكأنه يحررهم من سيطرته عليهم. وعلى هذا، تعددت الأصوات التي ظهر كل منها بشكل صيغة المُتكلِّم؛ حيث أعطى لكل شخصية فصلا تبوح فيه بما يجول في داخلها وتسرد الأحداث من وجهة نظرها. وكانت أبرز مظاهر التجديد هو وضع زمكانية النص بطلا أساسيا في الرواية، على الرغم من أنه لا يشير لهما في سياق الأحداث، وإن كان يحرص على أن يجعل حضورهما مهيمنا على أجواء الرواية، التي تدور أحداثها في فترة حرجة وشديدة الدموية في العراق، وهي انقلاب 8 شباط/فبراير عام 1963 الذي توالت فيها التغييرات السياسية بسرعة بالغة، وانتهت بإعدام عبد الكريم قاسم، وهو أول رئيس عسكري للعراق بعد الحكم الملكي، وكذلك أبرز قادة حركة تموز للقضاء على الملكية.
لكن نهايته المأساوية الذي كُتبت بعد محاكمة صورية عاجلة، أفضت إلى إعدامه وعرض جثَّته على شاشة التلفزيون العراقي في اليوم نفسه، كان لها تأثير سلبي على المجتمع بوجه عام، فقد ضرب المرض النفسي وعي أبناء المجتمع، الذين تحوَّل فخرهم بالقادة إلى تناحر. وعبَّر التكرلي عن ذلك من خلال حبكة مليئة بالمفاجآت؛ فابنة العمَّة الجميلة التي تنتقل بشكل مؤقَّت إلى بيت خالها الذي يرمز للوطن، يستطيع حضورها وذكاؤها أن يجذب إليها ولدي خالها، ويتمكَّن أحدهما من الزواج بها. لكنه يكتشف بعد الزفاف أن ابن اختها عدنان الذي ينتمي للحرس القومي قد اغتصبها وأفقدها عذريتها، ما يجعل الزوج مشوشا لفترة طويلة لشعوره بأنه مغدور به من ناحية، ولإحساسه بالذنب أنه لم يستطع إنقاذ حبيبته. لكنه بعد أن يتوازن نفسيا ويقرر العودة لحبيبته، يتم قتله في الأحداث الدامية والسخرية الكبرى أن عدنان، الذي اغتصب زوجته هو من يجد جثَّته ويعيدها لمنزله.
وهكذا، تدور الأحداث على المستوى الرمزي فأرض الوطن التي هي منزل الخال، تعد مسرح الأحداث. أمَّا الجميلة «منيرة» ابنة العمَّة فهي الوطن ذاته، الذي يتنازع عليه الانقلابيون والمدافعون الشيوعيون، وإن كان الحرس الوطني هو من سبب لها عارا وجرحا نفسيا لا يمكن أن يندمل. وتؤكِّد نهاية الرواية المأساوية أن الوطن باق والظلم باق، لكن الأبرياء هم دوما من يدفع الثمن. ويلاحظ أن الحديث عن الأمراض النفسية التي تصيب المجتمع وتبتليه بجميع ألوان السلوك الشاذ، تتطلَّب إخلاصا عند إجراء الدراسات وتحليل الظروف التي أفضت إلى ذلك. وبالفعل تمكَّن فؤاد التكرلي من لعب هذا الدور؛ فدراسته وممارسته للقانون أهلته ليصبح باحثا نفسيا وقاضيا.
كاتبة مصرية