كانت مصادر المعلومات والتثقف في الخليج بالنسبة لجيل كاتب هذه السطور، الذي عاش في خمسينيات وستينيات القرن العشرين قليلة ومحدودة، لكنها كانت بالطبع أفضل بكثير من حال الجيل السابق له، الذي كان ينتظر بفارغ الصبر عودة المراكب التجارية من «بــَمـْبـَيْ» (مومباي) علّ أحدهم يحمل معه مجلة أو صحيفة أعطيت له في الهند من بعد استهلاكها قراءة وتصفحا، فيستعيرها بدوره أو يتصفحها على عجل.
كان جيلنا يستمد ثقافته من الوسائل المتاحة له، وكانت وقتذاك محصورة في الكتاب والمجلة والراديو والتلفزيون والسينما. وعليه فقد كنا نستمد ثقافتنا العامة من كتب متنوعة نستعيرها من المكتبة العامة، ونستمد ثقافتنا السينمائية من المجلات الفنية المطبوعة في مصر، وتحديدا مجلة «الكواكب» التي تخصصت وأبدعت في هذا الحقل بدون منافس، أو من الأفلام المصرية والهوليوودية التي كانت تعرضها شاشة تلفزيون أرامكو من الظهران كل مساء باللونين الأبيض والأسود، أو من الأفلام التي دأبت صالات السينما المحلية على عرضها. وكنا نستمد ثقافتنا الأدبية والشعرية من برنامج «قول على قول» الذي كان يقدمه الأديب الفلسطيني الراحل حسن الكرمي، من القسم العربي في هيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي). ومن الأخيرة كان جيلنا يستمد أيضا شيئا من ثقافته السياسية، من خلال برنامج لازال الكثيرون من أبناء تلك الحقبة يتذكرونه، ألا وهو برنامج «السياسة بين السائل والمجيب» الذي كانت ثلة من المتخصصين والاكاديميين العرب والأجانب يردون فيه على أسئلة المستمعين السياسية. ومن الـ «بي.بي.سي» أيضا تعلمنا الكثير عن شؤون الرياضة وشجونها، حيث كانت الإذاعة تخصص يوميا ضمن برامجها مساحة للحديث عن المباريات ونجوم الملاعب من إعداد الإعلامي اللبناني الموهوب أفطيم قريطم.
أما ثقافتنا الغنائية والطربية فكنا نستمدها من الراديو الترانزستور الذي لم يكن يفارقنا، وكان مؤشره مصوبا في أغلب الأوقات نحو إذاعة صوت العرب المصرية، فإن تحرك يمينا أو شمالا فمن أجل برنامج محدد في إذاعة البحرين، أو إذاعة القاهرة، أو إذاعة بي بي سي، وأحيانا إذاعة بغداد. ولا حاجة لنا هنا أن نــُذكــّر القارئ بمدى سذاجتنا التي استغلتها «صوت العرب» بحرفية لتحريضنا، وتأجيج النزعات الثورية والانقلابية فينا، ورسم الأحلام الوردية لنا، إلى أن اكتشفنا صبيحة السادس من حزيران/يونيو 1967 خرافة ما كانت تكرره من شعارات، وما كانت تذيعه من أناشيد حماسية كنشيد «أمجاد يا عرب أمجاد» الذي كانت تبدأ بها بثها اليومي وتنهيه.
ومن المجلات التي لعبت دورا في تشكيل وعينا وإلمامنا بما يدور في العالم من أحداث سياسية مجلة «المصور» يوم كان رئيس تحريرها المرحوم فكري أباظة الذي طــُرد من منصبه عام 1961 بطريقة مهينة بسبب مقال كتبه تحت عنوان «الحالة ج» أي جهنم، ومجلة «آخر ساعة» يوم كان رئيس تحريرها الراحل الكبير محمد التابعي، إضافة إلى مجلة «التحرير» التي أسسها ضباط ثورة يوليو/تموز من أجل الدعاية لحركتهم ووضعوا على رأسها الضابط انور السادات، قبل أن يقوموا بتصفيتها في أواخر الخمسينيات.
وأتذكر أن الراغبين في الحصول على نسخة من هذه المجلات الثلاث أو نسخة من مجلة الكواكب، كان عليهم أن يصطفوا في طابور طويل صباح يوم الجمعة (موعد وصول النسخ من القاهرة بالطائرة) أمام مكتبة عبيد في شارع باب البحرين. كما أتذكر أن الأحبار التي طبعت بها تلك المجلات كانت ذات رائحة نفاذة متميزة، وكان يمكن شمها من مسافات بعيدة، وعليه كان مجرد انتشار تلك الرائحة دليلا على وصول المجلات من القاهرة وتوفرها في المكتبات التجارية. وأتذكر أنه بسبب بؤس أحوال بعض الأصدقاء والزملاء، وبالتالي عدم قدرته على شراء ما يرغب من مجلات تلك الأيام، كنا لا نتردد في إعارته، لكن بشرط إعادة المجلة المستعارة بدون تمزيق أو طي أو تلطيخ أو استقطاع صفحة أو صورة منها. أما ما كنا نرفض إعارته بالمطلق فهو «البوسترات» التي كانت تأتي مع المجلات كهدايا، وكانت في حالتي «المصور» و«آخر ساعة» صورة ملونة للرئيس جمال عبدالناصر أو أحد الدائرين في فلك سياساته مثل، عبدالسلام عارف، وأحمد بن بلا، وعبدالله السلال. وكانت في حالة «الكواكب» صورة ملونة لواحد أو واحدة من نجوم السينما المصرية في عصرها الذهبي. إذ كنا بمجرد حصولنا على تلك البوسترات نسارع إلى عمل برواز بدائي لها من الزجاج والورق المقوى والشريط اللاصق وتعليقها داخل المنزل. وتعليق مثل هذه الصور على الجدران كثيرا ما أدخلني في إشكالات مع جدتي (يرحمها الله) التي كانت تقاسمني الغرفة وتتخذ منها مكانا لأداء الصلوات، إذْ كانت تحتج وتقول: «إن الصور تسرق أنظار المرء أثناء صلاته وتصرفه عن التركيز على العبادة، بل أنها تطرد الملائكة من المكان».
وأتذكر أني أصبت ذات مرة بحيرة شديدة لجهة الاختيار ما بين عددي «المصور» و»الكواكب». فقد أردت الاستحواذ على كليهما لأنهما كانا دسمين بالمواد والتحقيقات المصورة، ولم يكن عندي سوى روبية واحدة. فأغواني الشيطان هامسا: «لما لم تدفع ثمن إحداهما وتسرق الثانية؟». وهكذا كان! حيث أخفيت المجلة الأصغر حجما (الكواكب) في بطن الأخرى الأكبر حجما (المصور)، وتقدمت نحو صندوق الدفع وفرائصي ترتعد خوفا من افتضاح أمري، لكن الأمور سارت على ما يرام. حاولتُ بعد ذلك أن أقنع نفسي أن السرقة في سبيل العلم والثقافة حلال، غير أنني فشلت، فعاهدتُ نفسي ألا أكرر تلك الفعلة مرة أخرى.
ومن بين المجلات التي أسهمتْ كثيرا في تخريج جيل من المثقفين ذاتيا في تلك الحقبة، مجلتا «قافلة الزيت» و«العربي». والأولى كانت تصل إلى القراء مجانا من مصدرها في الظهران. حيث أصدرت «شركة الزيت العربية الإمريكية» (أرامكو) العدد الأول منها في نوفمبر/تشرين الثاني1953، وكانت تطبعها حتى عام 1964 في بيروت، بهدف الترويج والدعاية لأنشطتها النفطية ومساهماتها التنموية، لكن على الرغم من نشوئها في حضن أكبر شركة نفط في العالم، إلا أنها فتحت نوافذ ثقافية، وقدمت نتاجا أدبيا ومعرفيا رفيعا للقارئ العربي، وتميزت بلغتها الراقية وأسلوبها الرصين وابتعادها عن الطروحات المشاكسة، وفتحت صفحاتها لرموز القصة والشعر والفنون والتأريخ من داخل السعودية وخارجها. ولا تزال المجلة حاضرة في المشهد الثقافي إلى اليوم، لكن تحت عنوان مختصر هو «القافلة»، وفي ثوب أكثر شمولية وتنوعا وجمالا لجهة المحتوى والتبويب، كما أن أعدادها الشهرية لا زالت تصل إلى المشتركين مجانا، رغم تزايد تكاليف الطباعة الملونة واستخدام الورق المصقول.
أما مجلة «العربي» فإن الحصول عليها لم يكن بالمجان، بل كان ثمنها ضعف ثمن المجلات الأخرى، أي روبيتين، وكان الحصول على نسخة منها يتطلب ترتيبا مسبقا مع أصحاب المكتبات كي يتم حجزها لك بسبب الكمية المحدودة التي كانت تــُبعث إلى البحرين. لكن «العربي» كانت تستحق أن يبذل المرء في سبيلها العناء، لأنها لم تكن فقط تزودنا بالثقافة السياحية والجغرافية، من خلال استطلاعاتها الشهرية الملونة للمدن العربية من المحيط إلى الخليج، وإنما كانت أيضا تزود القارئ بدراسات وبحوث علمية وأدبية رصينة وموثقة، من خلال أبواب ثابتة مثل: حديث الشهر، ملف العدد، شاعر العدد، أوراق أدبية، الإنسان والبيئة، قصص على الهواء، المسابقة الثقافية، ولوحة العدد.
والمعروف أن «العربي» أصدرتها وزارة الإعلام الكويتية بقرار حكومي من أجل نشر الثقافة العربية، وتقريب المسافات ما بين مشرق الأمة ومغربها، وعينت العالم والأديب المصري الدكتور أحمد زكي أول رئيس تحرير لها، وصدر العدد الأول منها في ديسمبر/كانون الأول 1958.
ولا ننسى في هذا السياق أن نعرج على مجلتين أخريين كنا نحرص على اقتنائهما وقراءتهما بنهم، خصوصا أنهما كانتا ترسلان مجانا لمن يريد، وهما مجلتا «هنا لندن». و»هنا البحرين». ظهرت مجلة «هنا لندن» عام 1940 تحت اسم «المستمع العربي» وكانت وقتذاك مجلة نصف شهرية، لكن الاسم تغير إلى «هنا لندن» بعد دخول خدمة البث التلفزيوني إلى بريطانيا على نطاق واسع، وتحولت إلى مجلة شهرية تطبع في بيروت، وتوزع مجانا على الراغبين، ابتداء من عام 1959. وبسبب الحرب الأهلية في لبنان انتقلت عملية طباعتها وإصدارها إلى القاهرة في منتصف السبعينيات، ثم صارت تطبع في لندن ابتداء من إبريل/نيسان 1982، ورغم أن هذه المجلة في بدايات ظهورها خصصت صفحاتها لعرض برامج إذاعة بي بي سي العربية، وتقارير مراسليها حول العالم، وبعض المواد الإخبارية والثقافية، إلا أنها بمرور الوقت صارت تضم أبوابا ثابتة متنوعة مثل: أصحاب الرأي، ثمرات المطابع، في ركاب العلم، الحدث الثقافي، قول على قول، السياسة بين السائل والمجيب، لكل سؤال جواب، في ربوع بريطانيا، التجارة والصناعة، فضلا عن زاوية مهمة لتدريب القارئ العربي على الترجمة من وإلى الإنكليزية.
أمـــــــا مجـــلــة «هنا البحرين» فكانت المطبوعة التي ينتظرها الجمهور كل إسبوع بشوق ولهفة، بل كانت المجلة الأشهر في تاريخ المطبوعات البحرينية المتخصصة، خصوصا أنها كانت ترسل مجانا لمن يطلبها. صدر العدد الأول منها في 31 ديسمبر 1957 عن دائرة العلاقات والإذاعة في حكومة البحرين بهدف تعريف الجمهور ببرامج إذاعة البحرين اللاسلكية (هكذا كانت تسمى)، وعلى الشخصيات الإعلامية، وما كان يدور خلف الكواليس من جهود لإعداد وإنتاج البرامج المتنوعة. لكن مع مرور الوقت صارت «هنا البحرين» تنافس «هنا لندن» من حيث المحتوى والتنوع المعرفي. فأصبحت صفحاتها تشتمل على أبواب ثابتة مثل: تعال معي إلى الإذاعة، البحرين بين الماضي والحاضر، طرائف بين الإذاعة والمستمعين، ماذا من جديد، شاعر ومطرب، أحدث الأغاني، وغيرها. ومما يجدر بنا ذكره أن «هنا البحرين» بدأت بأربع صفحات، ثم زادت إلى ست فثمان فـ16 صفحة في عام 1959، وكانت تطبع في دار المؤيد، وكان أول رئيس تحرير لها هو الشاعر والأديب والمربي العماني محمد عبدالله الطائي. ومما أتذكره عن «هنا البحرين» أنها حلت لي في عام 1960 مشكلة الحصول على النص الكامل لكلمات أغنية «حب إيه» لأم كلثوم، التي كنت حريصا وقتذاك على حفظها لغاية في نفس يعقوب.
بعيدا عن المجلات، كان جيلنا عاشقا للكتب، يلتهمها التهاما متى ما وقعت
في يديه، أي على العكس من الجيل الحالي الذي لا تشكل له القراءة أي أهمية، ويفضل أن يقضي جل وقته في العبث بهواتفه النقالة استلاما أو إرسالا للرسائل النصية أو تواصلا مع الآخر عبر وسائط الإعلام البديل.
أما كيف كنا نحصل على الكتاب، فعن طريق الاستعارة من المكتبة العامة، فاذا ما فشلنا في الحصول على العنوان المطلوب، سارعنا إلى الادخار والتوفير لآجال طويلة بغية جمع قيمة الكتاب المراد شراؤه. كان ذلك يحدث رغم بؤس الحالة المعيشية وضعف القدرات الشرائية للسواد الأعظم من الأسر، التي لم تكن قادرة وقتذاك على تلبية احتياجات أبنائها من القرطاسيات المطلوبة للمدارس، فما بالك بالكتب الخارجية. أما النتيجة فهي أننا نجحنا – رغم كل الظروف الاقتصادية والمعيشية المعاندة ـ أن نقرأ للعقاد ما كتبه عن سير الصحابة، ولجورجي زيدان ما كتبه من قصص تراثية، ولإحسان عبدالقدوس ويوسف السباعي ويوسف إدريس ما كتبوه من قصص الحب الرومانسية، ولنجيب محفوظ ما جسده على الورق من مشاهد للحارة المصرية التقليدية، ولطه حسين وتوفيق الحكيم ما كتباه من أدب رفيع لم نتذوق طعمه الحقيقي إلا لاحقا، حينما اكتمل وعينا وازدادت تجاربنا، ولنزار قباني ما سطره من حلو الكلام في العشق والغرام والوجد والهيام.
غير أن اهتمامنا بالكتب الجادة المفضية إلى التراكم المعرفي والاستنارة الذهنية لم يمنعنا من الاهتمام بالمؤلفات الخفيفة التي كانت بمثابة محطة للراحة والاسترخاء. من المؤلفات الخفيفة التي ظهرت في الخمسينيات سلسلة من الكتب حول السير الذاتية لنجوم ونجمات السينما والموسيقى المصرية، وقصص معاناتهم حتى تمكنوا من بلوغ ســـلالم المجد والشهرة.
وكانت عناوين هذه السلسلة تبدأ باسم النجم أو النجمة متبوعا بلقب رائج أو مبتكر، ومن أمثلتها (فاتن حمامة : سيدة الشاشة، ماجدة: عذراء الشاشة، شادية: دلوعة الشاشة، مديحة يسري: سمراء الشاشة، ليلى فوزي: الأرملة الطروب، فريد شوقي: وحش الشاشة، محمود المليجي: ملك تراجيديا الشر، عماد حمدي: دون جوان الشاشة، عبدالحليم حافظ: عندليب الشاشة، محمد فوزي: شحاذ الغرام، فريد الأطرش: النغم الحزين.. إلخ).
من جهة أخرى شهدت أوائل الستينيات امتلاء المكتبات التجارية بكتيبات بحجم كف اليد، ذات أوراق صفراء خفيفة كتلك التي أعيد تدويرها.
ولم تكن هذه الكتيبات تحتوي على شيء سوى نصوص الأغاني الرائجة في تلك الحقبة لمطربين عرب وخليجيين. كما راجت في الفترة نفسها روايات «آرسين لوبين» أو اللص الظريف التي لم استهوها إطلاقا.
أديب بحريني
عبدالله المدني