القاهرة ـ «القدس العربي» : لا تزال حرب الإبادة تكشف كل يوم الجديد بالنسبة للقتلة والضحايا والمتقاعسين عن مد يد الغوث لأخوتهم، الذين ينوبون عنهم في الدفاع عن مقدسات المسلمين. ولا يمر شهر إلا ويتحقق في المقاومة وشعبها الذي لم يخذلها، رغم عظم التضحيات آية من كتاب الله المجيد، تخبرنا أن أولئك المناضلين في قطاع غزة، وحول أكناف بيت المقدس هم الفئة المنصورة التي أخبر عنها نبي الإسلام قبيل ألف واربعمئة عام. بعظم المسؤولية يخوص المقاومون في قطاع غزة حرب التحرير، وهم صفر اليدين، إلا من شعور جارف بمعية الله، لذا تتواصل الهزائم في صفوف العدو، ورغم فداحة المقابل غير أن الغزيين يرضون دوما بإحدى الحسنيين “النصر أو الشهادة”، ولا تزال مقاهي القاهرة يغلب على حديث كثير من روادها انتصارات المقاومة المتتالية مع شعور بالعجز عن دعم غزة يتفق عليه الجميع. فيما صرح مصدر أمني رفض ذكر اسمه، بأنه لا صحة لما تم تداوله على وسائل التواصل الاجتماعي بشأن استشهاد جندي آخر في حادث الحدود في رفح.
طالب النائب محمد عبد المنعم الشيخ عضو مجلس الشيوخ، وزارة الأوقاف بتعيين «عدد كبير من الأئمة»، مشيرا إلى أن مصر تضم أكثر من 150 ألف مسجد مقابل 40 ألف إمام و 50 ألف عامل، متسائلا: «كيف يستقيم ذلك؟ لا بد أن تتدارك الأوقاف الوضع». وقال خلال تصريحات تلفزيونية، إن وزارة الأوقاف تجلب خطباء يعملون بنظام المكافأة لأداء خطبة الجمعة فقط، في حين أن الحاجة ماسة لأئمة يتولون مهمة تعليم الناس الدين الإسلامي السمح ووسطية الإسلام. وأوضح أن مصر تواجه تحديات خطر أفكار التطرف، ومحاولات هدم أسس الإسلام تحت ستار تجديد الخطاب الديني، قائلا: «للأسف مصر بين مطرقة أصحاب الأفكار المتطرفة الهدامة، وسندان من يعنونون بعناوين تحت بند تجديد الخطاب الديني، وهم يريدون هدم الأساس الذي بني عليه الإسلام وهو القرآن والسنة والإجماع». ومن التقارير الأمنية: أعلنت وزارة الداخلية، ضبط 488 مخالفة لقائدي الدراجات النارية في القاهرة والمحافظات، لعدم ارتداء الخوذة على الطرق السريعة والفرعية، كما تم ضبط 1321 مخالفة عدم تركيب الملصق الإلكتروني، ورفعت 40 سيارة متروكة، خلال حملات موسعة شنتها خلال 24 ساعة.
محض سراب
يرى الدكتور مصطفى حجازي في “المصري اليوم”، أن في مجمل سياق اليوم التالي للحرب لن يُعَد كل هذا الخراب في ميزانه – ميزان القضايا الكبرى- إلا محض سراب. سراب.. لأن الحقيقة هي الأبقى.. والأولى بالتأمل والقراءة والوعي. فبينما الخراب يطال مباني فلسطين في غزة والضفة والقدس وعمومها.. قبل وبعد ذلك العدوان الهمجي الحالي.. فإن إعمارا لجوهر فلسطين، قضية ووطنا وتاريخا، يحدث وباطراد. إعمار على غير ما خطط وأراد همج الحكومات الإسرائيلية المتتالية، ورعاع مستوطنيهم- منذ عصابات الهاجاناه وشتيرن وحتى عصابات كاخ المتأخرة، ومنذ بن غوريون حتى نتنياهو- من إبادة لفلسطين البشر، وطمسا لفلسطين الهوية والتاريخ. منذ الشهر الأول للعدوان الوحشي على عُزَّلِ غزة.. وشباب نقي في شوارع الغرب قاطبة بين أوروبا والولايات المتحدة ينتفض لضميره وإنسانيته، يواجه باحتجاجاته آلة إعلامية وسياسية هائلة تشعر بأنها تقف عارية من كل ستر أخلاقي، أو منطقي، أمام طوفان ضمائر حية في جامعاتها ومدارسها وشوارعها. شباب يعيد التعريف بأصل الحق المستباح في فلسطين.. ويتعرف على فلسطين شعبا وأرضا وتاريخا ونكبة، والأهم على فلسطين حقا لا مراء فيه، في استعادة الأرض كامل الأرض، والحق كامل الحق. طوفان ضمائر لم يكن لإبراء الذمم، بل بوصلته حية متقدة.. جَرَفَ في طريقه وزيرة الداخلية البريطانية، هندية الأصل، والعنصرية الكارهة لكل ما هو عربي ومسلم، ويهدد عرش الجالس في البيت الأبيض وتجعله – وهو صهيوني التكوين والعقيدة- يضطر إلى أن يهدد بقطع السلاح عن إسرائيل لو استمرت في غيها نحو مجزرة رفح المرتقبة.. ويمتد وخز الضمير إلى ما هو أبعد من الألم الوجداني لدى الشعوب الحية، إلى كثير من حكومات الغرب – الشريكة ولو بالصمت في بقاء إسرائيل وعدوانها- التي ببراغماتية تحدوها غلالة قيمية، يتصاعد من منابرها الحديث عن ضرورة كف القتل الأعمى والدمار الأعمى. ويتحدث جلهم عن أوان الاعتراف بدولة فلسطين الذي آن، وعن حل الدولتين الذي تأخر.
شاركنا في المأساة
بغض النظر عن صدمة الوجدان العربي حين رأى السبق لجنوب افريقيا في نصرة فلسطين، فقد لحق البعض العربي بقطار التقاضي في لاهاي. ومؤخرا وفي اليوم العاشر من مايو/ايار الجاري، وبأغلبية ساحقة من 134 دولة من إجمالي 193 تصوت الجمعية العامة للأمم المتحدة على مشروع قرار يوصي بإعادة النظر بإيجابية في شأن حصول «فلسطين» على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة. كل ذلك كما يصفه الدكتور مصطفى حجازي حقائق تجري لتغير من مسار التاريخ، من مآل يوم تالٍ بائس كدنا أن نعيش صبيحته، ونحن نشترك جميعا في جريمة صمت عربية وإقليمية وعالمية، كادت توصل قطار التطبيع لمحطته النهائية.. ولندخل جميعا في حظيرة مهينة لشرق أوسط جديد. بدعاوى التعاون الاقتصادي وتجاوز الديماغوجية، التي تطنطن بالحق التاريخي وبمأساة الشعب الفلسطيني، وبالضرورة ليعم رخاء بَشَّرَ به شيمعون بيريز- زورا- في كتابه «الشرق الأوسط الجديد». فإذا بذلك كله ينهار في السابع من أكتوبر/تشرين الأول الذي ذَكَّر بالحق في بقعة كادت تُنسى اسمها فلسطين.. ولتصدق مقولة محمود درويش: «كان اسمها فلسطين.. وأصبح اسمها فلسطين». ذلك هو الحال بحلوه ومره.. وقبل ذلك بسرابه وحقيقته.. لك أن تُفَنِّدَ- إن أردت- توقيت وطبيعة وحجم فعل «حماس» المقاوم في السابع من أكتوبر.. لك أن تتهمه بالرعونة.. وأن تتهمه بالديماغوجية، وبمجافاة الحصافة السياسية التي تمثلها سلطة رام الله المنغمسة أبدا في أحلام «أوسلو» وفي اختزال الفعل السياسي في نداءات واستجداءات الدول الكبرى.. ولكن ليس لك أن تنال من سمو مبدأ الدفاع عن الوطن والأرض والتاريخ والوجدان. من سمح لنا باسم البراغماتية السياسية – ولو بالصمت العاجز- أن ننزلق لتبني رواية القتلة الجناة وتأثيم القتلى «في نهاية المطاف ليست كلمات أعدائنا هي ما نتذكره.. بل صمت أصدقائنا وأشقائنا هو ما لا ننساه».. كما يقول مارتن لوثر كينغ.. فلنحذر الصمت إذن.. فهو إثم. ثقيلة هي مشاهد القتل والدمار والجرح والبتر والإعاقة في حق عُزِّلٍ أبرياء.. أليس كذلك؟ ولكن كل كسر يُجبَر وكل دمار يُعَمَّر وكل بتر يُعوض.. فليس ثمة شيء أقسى وأهلك من «الأرواح المبتورة». فلنحذر حين تقوم عنقاء فلسطين من رمادها، أن نكون قد أورثنا شعوبنا «أرواحا مبتورة» لا تُبقي قدرا ولا قيمة.. ولا تبني اقتصادا ولا سياسة ولا دولة ولا حضارة.
حرب الصور والرموز
إنه انقلاب تاريخي متكامل الأركان. بقوة الصور والرموز تبدلت مشاعر وتغيرت أحوال بدت مستقرة وراسخة منذ تأسيس الدولة العبرية قبل ستة وسبعين عاما. لم يعد ممكنا حسب عبد الله السناوي في “الشروق”، تسويغ صورة الدولة الحديثة، واحة الديمقراطية في محيط عربي متخلف ومستبد، أو صورة الدولة الصغيرة المسالمة، التي يتربص بوجودها ومستقبلها العرب بداعي «العداء للسامية». ولا عاد ممكنا التجهيل بالمعاناة الفلسطينية الطويلة، تهجير قسري وفصل عنصري، أو إنكار أحقية شعبها في تقرير مصيره بنفسه. ترسخت صورة إسرائيل السابقة بعاملين رئيسيين. الأول، المكون الجوهري للدور الإسرائيلي في حسابات المصالح والاستراتيجيات الغربية في الشرق الأوسط. والثاني، التجييش الدعائي لنموذج إسرائيل، التي نهضت من «الهولوكوست» إلى الدولة، وقد تكفلت وسائل الإعلام وهوليوود بتكريسه. لعلنا لا نلتفت إلى دور الرحلات، التي نظمت بتوسع في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، لجماعات واسعة من الشباب الأوروبي إلى «الكيبوتسات»، التي تعرف الآن باسم «المستوطنات»، في بناء قاعدة ولاء لنموذج دولة حديثة منفتحة على عصرها، اشتراكية وديمقراطية يحميها السلاح على ما كان يزعم مؤسسو الدولة. لم يعد ممكنا الآن أي ادعاء مماثل فالأجيال الجديدة تغيرت بوصلة نظرتها، فـ«الكيبوتسات» أخذت صفتها الحقيقية كتجمعات استيطانية تتوسع على حساب السكان الفلسطينيين مخالفة للقانون الدولي، ويتفشى فيها اليمين الصهيوني بأكثر صيغه تطرفا وعنصرية. تبددت الدعايات وبقيت الحقائق. بقوة الصور والرموز أعادت القضية الفلسطينية تعريف نفسها كقضية إنسانية تستحق الدعم والإسناد، وقضية تحرر وطني عادلة ومحقة لشعب رازح تحت الاحتلال، يطلب حقه في الحرية. في كل صورة مأساة إنسانية كاملة.. والصور واصلة برسائلها إلى الضمائر الحرة في العالم كله. من عمق المأساة تبدت موجات الغضب في الشوارع والجامعات الغربية داعية لوقف حرب الإبادة وعقاب إسرائيل على جرائمها بحق الإنسانية. كانت تلك هزيمة استراتيجية لإسرائيل في صورتها وأوزانها.
هزيمة مكتملة
بات العلم الفلسطيني وفقا لعبد الله السناوي رمزا سياسيا يرفع في كل مكان، والكوفية اكتسبت رمزيتها من عمق التضامن مع شعب يتمسك بأرضه تحت قصف لا يتوقف، وموت يخيم في المكان. بقدر المأساة المروعة التي نالت من أهالي غزة، تشريدا وتقتيلا وتجويعا أخذت ردات الفعل مداها في العالم الغربي، وداخل أمريكا نفسها، حتى أصبحت قضية دولية لأول مرة في تاريخ انتخاباتها الرئاسية، موضوعا للاستقطاب قد يحسم نتائجها. توالت الضربات الموجعة حتى وجدت إسرائيل نفسها في وضع الدولة «المنبوذة» و«المارقة»، التي تتهددها الملاحقات القضائية، أمام محكمتي «العدل الدولية» بتهمة الإبادة الجماعية و«الجنائية الدولية» بتهمة ارتكاب رئيس وزرائها نتنياهو ووزير دفاعها غالانت جرائم حرب تستدعي استصدار مذكرتي توقيف بحقهما. رغم أن «الجنائية الدولية» وجهت اتهامات مماثلة لثلاثة من قيادات «حماس» السنوار والضيف وهنية عن أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول (2023) إلا أن الضرر الإسرائيلي أفدح بما لا يقاس. كان مثيرا للالتفات توحد الصف السياسي الإسرائيلي المنقسم على نفسه أمام خطر الملاحقة «الجنائية الدولية»، لكنه كان شكليا لا حقيقيا، فالانشقاقات الداخلية أخذت مستوى غير مسبوق، والاتهامات المتبادلة وصلت إلى التشاتم في وقت حرب. كما كان مثيرا للالتفات إدانة الولايات المتحدة لقرار المدعي العام للجنائية الدولية كريم خان باعتباره مشينا، يساوي بين إسرائيل وجماعة إرهابية بنص تصريحات جو بايدن. الاتهام في نصه وحيثياته بدد صورة دأبت على ترديدها الدعايات الإسرائيلية بأن جيشها هو «الأكثر أخلاقية»، كما صورة أخرى أنها فوق القانون الدولي لا تخضع لحساب. في المقابل اعتبرت «حماس»، التي رحبت بالقرار في شقه الإسرائيلي، أن ما لحق بثلاثة من قادتها يساوى بين الضحية والجلاد. كان أمر «العدل الدولية» لإسرائيل بوقف هجومها العسكري على رفح صدمة أخرى. يصعب تمرير الموقف نفسه في مجلس الأمن حيث ينتظره كالمعتاد الفيتو الأمريكي، لكن أثره ينزع عن إسرائيل أي ادعاءات تبرر الحرب على غزة بالدفاع عن النفس.. هذه في ذاتها هزيمة استراتيجية.
ليس وقته
في أحيان كثيرة نشعل الخلافات في وقت غير مناسب في الوقت والزمن الخطأ، ولا يتصور فاروق جويدة في “الأهرام” أن يحتد الخلاف بين رموز السلطة الفلسطينية ورجال المقاومة، وتلقى الاتهامات بين رفاق السلاح وأبناء الوطن الواحد.. ينبغي أن لا تصل الاتهامات إلى درجة التخوين، أو أن يرى البعض أن ما قامت به المقاومة أضر بالقضية الفلسطينية، لأن هناك شعبا يحارب وشهداء يسقطون ودماء تتدفق.. وإذا كان البعض قد راهن على السلام، وذهب إلى أوسلو وضيع على القضية عشرات السنين، فإن المقاومة جعلت غزة حديث العالم، ولا شيء في الدنيا بلا ثمن.. واذا كان دعاة السلام والتطبيع لم يصلوا إلى شيء، فإن دماء أطفال غزة تغطي الآن وجه حضارة كاذبة فقدت ضميرها وإنسانيتها.. وأنا لا أتصور أن تشتعل نيران الفتنة بين أبناء شعب واحد يعاني الاحتلال، ويدافع عن أرضه وحريته.. كان ينبغي أن تجتمع إرادة كل رموز القضية في هذا الوقت العصيب، ويكفي زمن الفتن والصراعات القديمة، حين حملوا السلاح ضد بعضهم.. وفي دروس الماضي ما يمكن أن يكون مرجعا.. فليس هذا وقت تصفية الحسابات، وليس وقت إلقاء التهم والشماتة.. حين تكون الدماء هي الثمن ينبغي أن لا تفتح أبواب الفتن.. القضية الفلسطينية تعيش الآن أصعب لحظاتها، ويجب أن تتسم المواقف بالحكمة لأن، الطرف الوحيد الذي يسعى إلى تقسيم الشعب الفلسطيني هو إسرائيل، وينبغي أن لا تغيب هذه الحقيقة عن حكماء فلسطين.. في أوقات المحن تتوحد إرادة الشعوب، وتتجاوز كل الخلافات، وفلسطين الوطن والحلم والقضية تحتاج إلى إرادة حكيمة، وفكر عاقل وأبطال يحملون الأمانة بصدق وتجرد لأن الأوطان أبقى وأغلى.
فوق القانون
لا تعبأ إسرائيل بأي قوانين دولية أو قرارات أممية تُتخذ ضد سياستها العدوانية بحق الشعب الفلسطيني، وتعتبر نفسها وفقا لجيهان فوزي في “الوطن” فوق القانون بكل استعلاء وصفاقة وازدراء وعجرفة، لا يهمها ما يصدر من قرارات ضدها، تردع جموح الانتقام وشهوة القتل والتدمير، طالما أن هناك مَن يدافع عنها بكل الجنون الذي تمارسه، فيجد لها المبررات، ويمنع عنها العقوبات الدولية، ويفشل أي قرارات تدينها أو تحاول ردعها وتقويضها، فالولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها يقفون بالمرصاد لأي ضرر قد تتعرض له إسرائيل، ومن أي جهة كانت. مؤخرا أصدرت محكمة العدل الدولية قرارا يقضى بإلزام إسرائيل بوقف هجومها العسكري على رفح فورا، فسارعت إسرائيل بالرد بتكثيف الغارات على وسط المدينة، وراح ضحيتها عشرات المدنيين من الأطفال والنساء، إسرائيل بذلك تُخرج لسانها لمحكمة العدل الدولية لتؤكد أنها فوق القانون، ولن تلتزم بتنفيذ أي قرار يصدر عنها. وهذا يعني في نظر القانون الدولي أن إسرائيل دولة مارقة، لا تحترم القانون الدولي ولا محكمة العدل الدولية، أرفع محكمة في العالم، التي أنشئت أصلا على يد الغرب، من أجل العدالة وعدم إفلات الجناة من العقاب. وحتى لو واتت الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الشجاعة، وحمل قرار محكمة العدل الدولية إلى مجلس الأمن بهدف استصدار قرار يلزم إسرائيل، فإنه من غير المتوقع أن تستجيب حكومة نتنياهو، هذا إذا سمحت الإدارة الأمريكية بتمرير مثل هذا القرار دون إشهار «الفيتو» في وجهه.
بتواطؤ أوروبي
على الجانب الآخر من الأطلسي، فإن العواصم الأوروبية الأهم مثل لندن وباريس وبرلين ما زالت تتواطأ مع إسرائيل علنا وسرا، وتلتزم الصمت عندما يتعلق الأمر بسلوك إجرامي إسرائيلي، يشكل فضيحة دولية إذا ما ارتكب من طرف آخر غير إسرائيل. والمهم هنا حسب جيهان فوزي، أن الاطمئنان إلى قوة ردع دولية قانونية ضد السلوك الإسرائيلي هو أمر غير وارد، خاصة إن لم يترافق مع ضغوط إسرائيلية داخلية، وضغوط سياسية دولية من الخارج، وعلى الأرجح فإن نتنياهو، تقدم بمبادرته الجديدة للعودة إلى المفاوضات بهدف امتصاص الجبهتين المتصاعدتين ضده داخل إسرائيل وخارجها، مع أن هناك مَن يعتقد أن هذه المبادرة ليست مناورة بقدر ما هي مخرج من أزمة خانقة تعيشها إسرائيل، بفعل انعدام أي إنجاز للحرب، مقابل التصدع الحاصل في مجلس الحرب الإسرائيلي، والشرخ الذي يزداد عمقا بين الشارع والحكومة. وفي كل الأحوال، فإنه من غير المستبعد أن تبدأ المفاوضات خلال الأيام المقبلة دون تعليق آمال كبيرة عليها، لكنها ستكون مختلفة عن الجولات السابقة، من حيث أهميتها في توفير الظروف الملائمة لاستقرار الحكم في إسرائيل، أو لسقوطه، على حد سواء، فإذا ما اكتشف الثلاثي غانتس وغالانت وآيزنكوت، ومعهم الرأي العام الإسرائيلي، أن نتنياهو يستخدم المفاوضات للمناورة لكسب مزيد من الوقت، فتلك ستكون نهاية مجلس الحرب، وعزلة نتنياهو الكاملة، واشتعال الغضب الشعبي المتزايد، واندفاعه إلى إسقاط الحكومة برمتها. يزيد الآن نتنياهو من وتيرة الضغط العسكري، إلى حد ارتكاب مجازر مهولة في رفح، وكأنه يحاول ابتزاز العالم كله بأن المزيد من الضغط على إسرائيل، سيجعلها تسترد الثمن من الشعب الفلسطيني ومن مقاومته وحتى من سلطته شبه المحايدة، وهو يمضي في هذا التحدي، على الرغم من خطورته على مستقبل علاقات إسرائيل الدولية ومكانتها وسمعتها. إنه يرمي آخر أوراقه عسى أن ينجح في الوصول إلى اتفاق هدنة يضمن الحد الأدنى من متطلبات الخروج الآمن من غزة دون انهيار سياسي في إسرائيل.
حكومة الأزمات
بعد أن طالب الرئيس السيسي من الحكومة أن تتحدث للناس حول الدعم وزيادته في الموازنة سمعنا كلاما من رئيس الحكومة، والمتحدث الرسمي باسمها ووزير المالية.. لكن هذا الكلام يراه عبد القادر شهيب في “فيتو” لم يجب على أهم سؤال يشغل بال المواطن العادي، الذي نصفه بمحدود الدخل، وهو كيف بعد الخطط الجديدة للتخلص من دعم المواد البترولية والكهرباء، وبعد رفع دعم رغيف الخبز، ستسيطر الحكومة على التضخم وتكبح جماح الغلاء؟ بديهيا أن رفع أسعار الكهرباء لأربع سنوات أخرى ورفع أسعار البنزين والسولار منذ الآن وحتى نهاية العام المقبل مع زيادة سعر رغيف لخبز، سيسهم في رفع معدل التضخم، لا تخفيضه كما وعدت الحكومة المواطنين قبل شهور، خاصة أن بعض الأسعار تقود أسعار خدمات وسلع أخرى للارتفاع مثل أسعار البنزين والسولار. وغني عن القول إن مهمة مواجهة التضخم والسيطرة عليه لا تقتصر على البنك المركزي وحده، الذي يملك آلية استخدام أسعار الفائدة لامتصاص السيولة في الأسواق، والتأثير على الطلب لينخفض مقابل العرض، فتنخفض الأسعار. أحد واجبات الحكومة هو السيطرة على التضخم وكبح جماح الغلاء الذي يشكو منه الناس، بل لعله الواجب الأهم والأول لها من منظور المواطن محدود الدخل ومتوسط الدخل أيضا. وهؤلاء المواطنون ينتظرون أن يسمعوا من الحكومة ما يطمئنهم على أنها ستقوم بواجبها هذا، وهي تتخلص من دعم المواد البترولية والكهرباء وبعض دعم رغيف الخبز.. إنهم ينتظرون أن يسمعوا من الحكومة، أنها مثلما وضعت خطة للتخفيف من الدعم، قامت أيضا بوضع خطة لتخفيف وطأة الغلاء عليهم.. وأن تكون هذه الخطة لها توقيت محدد مثل توقيت التخلص من دعم الكهرباء والمواد البترولية.. وكذلك يريدون أن يسمعوا من الحكومة ماذا ستقوم به لحماية الجنيه من انخفاض جديد مستقبلا، يراكم دعما جديدا تحتاج الحكومة للتخلص منه كما حدث بعد تحرير سعر الصرف في نهاية عام 2006.
أفران نتنياهو
جريمة تجميع اللاجئين الفلسطينيين في خيام، وتأكيد جيش الاحتلال الإسرائيلي، أن تلك المناطق آمنة، ثم يقوم النازيون الجدد بعد ذلك بحرق الفلسطينيين في تلك الخيام هي جريمة إبادة جماعية مؤكدة، مثلها في ذلك حسب عبد المحسن سلامة في “المصري اليوم”، مثل إلقاء اليهود في أفران الغاز النازية. أفران الغاز النازية يحيط بها الكثير من علامات الاستفهام، والمبالغات، لكن حرق الفلسطينيين في الخيام ومعسكرات اللاجئين تم على مرأى ومسمع من العالم كله، وتم توثيق هذه الجرائم البشعة من خلال القنوات الفضائية ووسائل الإعلام المختلفة، ورصد الأقمار الصناعية، وطائرات الاستطلاع. الخلاصة أن جريمة أفران الغاز فيها مبالغات كثيرة، لكن جريمة حرق الفلسطينيين في المخيمات ليس فيها أدنى مبالغات، وهي جريمة إبادة جماعية مؤكدة مع سبق الإصرار والترصد، بما يؤكد إصرارها على ارتكاب جرائم الإبادة الجماعية، بعد أن أوهمت السكان بأن هذه المنطقة آمنة، ثم قامت بقصفهم ليلا وهم نائمون في أبشع مجزرة إنسانية لم يسمع عنها العالم في أفران الغاز أو غيرها. نتج عن تلك «المحرقة» 45 شهيدا، و249 جريحا، جريمة شنيعة بكل ما تحمله الأوصاف من معان، وتضرب مصداقية أمريكا والغرب في مقتل لأنهم هم رعاة الإرهاب الإسرائيلي، والداعمون له، ولولا هذا الدعم لعرف نتنياهو وعصابته أحجامهم الطبيعية ونالوا عقابهم المستحق. المثير للاشمئزاز الموقف الأمريكي، إذ أكد كيربي: أن إسرائيل لها الحق في ملاحقه حماس، ونتفهم أن هذه الغارة أدت إلى مقتل إرهابيين كبار في حماس، في حين أن الإرهابي الأكبر نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي حاول الاعتذار عن هذه المحرقة في خطابه أمام الكنيست الإسرائيلي قائلا «إن استهداف المقاتلات الإسرائيلية خيام النازحين كان خطأ كارثيا». تصريحات نتنياهو وكيربي تضع النقاط على الحروف في تلك الأزمة، وتؤكد أن أمريكا هي المتهم الأكبر في كل تلك المآسي، وأنها هي من تقف خلف المجازر والمحارق بحق الشعب الفلسطيني منذ 76 عاما حتى الآن، وتلك هي المأساة التي لا بد من فك شيفرتها، ومواجهتها فعلا وقولا من الدول العربية كلها لو أرادت.
رأس الجريمة
عن طريق فيسبوك تتم الجرائم.. منها ما نعرفه ومنها ما لا نعرفه.. يخبرنا الدكتور حسن يوسف طه في “الوفد” عن ذلك الرجل الذي أعجب بفتاة من خلال فيسبوك.. وهي طبعا تضع صورة غير حقيقية لها.. هذا الرجل أعجب بها وذهب إليها في الإسكندرية وارتكب جريمة قتل والسبب هو فيسبوك.. هناك من يقول لك إن فيسبوك عالم كبير ويمكنك أن تتعرف وتتعرف ويتيح لك المزيد من الفرص والمكاسب.. ربما يكون ذلك الأمر صحيحا للبعض، أما بالنسبة لي.. فلا أرى مثل ذلك وربما يكون العجز لديّ فأنا لا أتواصل ولا أقتنع بالكثير مما يعرض في فيسبوك، وكم من الجرائم تحدث بسببه.. فهو أمر له جانب إيجابي وله أيضا جانب سلبي. لكن المدهش والغريب ما سوف نعرضه.. وبداية هل لأني لم ألبِ، أو أوافق على طلب الصداقة يستدعي أن ارتكب جريمة؟ هل المفروض أن أوافق على كل طلبات الصداقة؟ وماذا يحدث لو أنني لن أرى هذه الطلبات؟ أو أنني غير راغب في صداقة (س) أو (ص)، هل هذا يعرضني للضرب ويكاد يصل الأمر إلى القتل؟ نقول هذا الكلام بعد أن قرأت هذا الخبر العجيب المنشور في موقع “اليوم السابع”.. الذي يقول، شهدت قرية مسجد وصيف لمدينة زفتي في محافظة الغربية، تعدى شاب على طالب في كلية الهندسة بسلاح أبيض وتسبب في إصابته بـ 115 غرزة بالوجه والرقبة، على خلفية رفض المجني عليه قبول صداقته على مواقع التواصل الاجتماعي.
بسبب طلب صداقة
مضى الدكتور حسن يوسف طه في رصد المزيد من الوقائع المؤسفة لضحايا فيسبوك: تلقت الأجهزة الأمنية في محافظة الغربية، إخطارا من نقطة شرطة مستشفى زفتي العام، يفيد بوصول شاب يدعى (محمد ن) مقيم في قرية مسجد وصيف التابعة لمركز زفتي، مصاب بجروح قطعية بالرأس والوجه والرقبة، على الفور تم تشكيل فريق بحث، وتبين أن الحادث بسبب مشاجرة وقعت بينه وبين أحد شباب القرية بسبب قيام المجني عليه، برفض طلب صداقة الجاني على مواقع التواصل الاجتماعي، وتم تحرير محضر بالواقعة برقم 3 أحوال مستشفى زفتي العام، وتولت النيابة العامة التحقيق في الواقعة وجار ضبط الجاني بمعرفة ضباط مباحث مركز شرطة زفتي. فما الذي نراه أمام تلك الواقعة؟ إنها تحوي الكثير.. أولا: هناك من يرى أن الآخر لا رأي له ولا إرادة.. وهو مجبور على قبول ما يرسله الآخرون، وتلك كارثة بكل المقاييس. ثانيا: هو انعدام الرؤية لخصوصية الذات وحريتها وإرادتها، كل تلك الاعتبارات ملغاة ولا اعتبار لها. ثالثا: فيسبوك ذلك العالم الافتراضي تمكن من أن يتغلغل داخل الذات الواقعية والملموسة وأصبح يهدد كيانها، لقد أصبح الإنسان المعاصر واقعا تحت سيطرة، بل فريسة سهلة لذلك العالم الافتراضي.
طعم الحياة
يظل الحب أقوى المشاعر الإنسانية. أمر غير ملموس لا نراه ولا نلمسه لكن يمكنه التغلب وقهر أي سلبيات في الحياة. يمكن للإنسان أن يفقد أشياء عديدة ويتمكن من العيش من دونها، لكن من وجهة نظر رفعت رشاد في “الوطن” لا يمكنه أن يفقد الحب. من يفقد الحب يفقد الحياة بمعناها الحقيقي، ربما يتمكن من الاستمرار حيا، لكن دون أحاسيس لذيذة أو ممتعة أو حقيقية. من يعش حالة حب، يعش الحياة، ومن لا يعرف الحب ينقصه الكثير. قد يرى الإنسان أنه يحب، أو أنه محبوب، ولكن لن يتأكد من ذلك إلا إذا مر بتجربة فعلية. بالأمس القريب مررت شخصيا بتجربة فعلية، شرفت بصدور قرار رئيس مجلس إدارة “أخبار اليوم” الأستاذ إسلام عفيفي بتعييني مديرا عاما لمؤسسة أخبار اليوم. وكذلك صدور قرار الهيئة الوطنية للصحافة بتعييني عضوا في مجلس إدارة المؤسسة. ما حدث بعد صدور هذين القرارين فاق مخيلتي. رد الفعل في المؤسسة وفي المجال الصحافي كان فوق تصوري. امتلأت ساحات وسائل التواصل الاجتماعي برد فعل ودود وسرت فيه مشاعر حب من أصدقاء وزملاء ومعارف وامتلأت تعليقاتهم بكلمات أخجلتني من رقيها وتعبيرها عن مشاعر فياضة مليئة بالحب، وعبرت عن توقع بالتفاؤل والأمل في غد تتحسن فيه الأحوال في المؤسسة بالتكاتف مع القيادات التحريرية والإدارية الجديدة. أظهرت صحافة التواصل الاجتماعي، أن التعبير الجمعي التلقائي يمكن أن يجسد مشاعر الحب الحقيقي، دون أن تكون هناك أي مؤثرات، سواء بالتأثير الإيجابي أو السلبي، إنما هي مشاعر منطلقة لا يحدها إلا الصدق، وهو ما يجعلني «طاير» من السعادة لأن ما قيل وما نشر يجعل أي شخص قيل في حقه هذا الكلام في غاية السعادة. أليس الحب جميلا؟ أليست هذه المشاعر مبهجة؟ أليس تقدير الأحباب غاية؟ دام الحب وحب الحب.
البحث عن كود
الطبخة التي اعدها عبد الغني عجاج في “المشهد” رائعة غير أنها بلا طعم بسبب نسيان الملح والفلفل، أو ما يسمى في لغتنا الشعبية (الحبشتكانات) وفي لغة كبار الطهاة من أمثال الشيف الشربيني وولده الشيف علاء والشيف حسن تسمى (الحركات) و(التكات). الطبخة رائعة من حيث الشكل والرائحة لكنها بلا ملح ومن ثم بلا طعم.. هذه العبارة قلتها أكثر من مرة وأنا أختلس إجازة قصيرة في مدينة رأس سدر الرائعة في محافظة جنوب سيناء.. لفت نظري أن المرور من نفق الشهيد أحمد حمدي الذي ينقلنا من غرب القناة إلى شرقها، حيث تستقبلنا أرض الفيروز بعبقها أصبح أيسر وأسرع.. ولاحظت التطور الهائل في الطريق الرابط بين النفق وشرم الشيخ، مع تعدد بوابات الرسوم، غير أنني لاحظت قلة اللوحات الإرشادية التي ترشدنا لرأس سدر، خاصة مع وجود طريق جديد سريع وطريق قديم. وصلت إلى قرية بلو لاجون السياحية التي وفقت لشراء شاليه فيها منذ عدة سنوات بالتقسيط شبه المريح.. وللحق فالشركة المالكة للقرية وصاحبها المهندس حسام فريد التزم بالتعاقد، وعمل على تطوير القرية، واهتم بزيادة عدد حمامات السباحة فيها.. وبحر القرية رائع بلا مد أو جزر، والشاطئ رملي رائع، غير أن الحلو ما يكملش كما نقول بالعامية، أو بالأحرى الأكلة ناقصها ملح، فمن نفذ بناء القرية نسي أو تغافل عن الأمطار الغزيرة التي تسقط على رأس سدر وتتحول أحيانا إلى سيول.. ونسي أن ينفذ عزل الشاليهات ما انعكس عليها بالسلب. وكلمة حق، فمدينة رأس سدر نفسها تشهد تطورا كبيرا من حيث الطرق والإضاءة والمياه. وكمواطن صالح ذهبت لمأمورية الضرائب العقارية برأس سدر لأسدد الضريبة المستحقة بكل الوطنية وكل رضا النفس.. وللحق استقبلت في المأمورية بكل الود، وكم كانت فرحتي بميكنة المأمورية وإعداد كود لكل عميل، يمكن أن يدفع به الضريبة في أي بنك من أي محافظة.. اجتهد كل موظفي المأمورية في البحث عن الكود الخاص بي، وبعد جهد جهيد وبكل اللطف تم الاعتذار لي بأن اسمي سقط سهوا ولا بد من إرساله للمقر الرئيسي في مصر.. وبكل الود أبلغني موظف المأمورية أنهم سيتصلون بي لإبلاغي بالكود الخاص بي.. وخرجت من مأمورية الضرائب ضاحكا وأنا اقول في سري حتى الكومبيوتر بينسى الملح والفلفل.