الضفة على بعد خطوة من الحرب الشاملة والسلطة على شفير هاوية.. وسموتريتش: “سنحول طولكرم إلى غزة أخرى”

حجم الخط
3

 عاموس هرئيل

قتل جنديان إسرائيليان أمس على المدخل الجنوبي لنابلس في عملية دهس بسيارة فلسطينية. يعتقد الجيش أن الأمر يتعلق بعملية متعمدة، وبدأت مطاردة سائق السيارة. مع ذلك، خلال ثمانية أشهر من الحرب في غزة تقريباً، بقيت الضفة الغربية ساحة ثانوية للقتال. نشر الجيش الإسرائيلي فيها قوات كبيرة، وبدأ بعمليات هجومية واسعة في جنين ونابلس وطولكرم. ورغم حدوث عمليات إطلاق نار كثيرة في “المناطق” وتكبد الفلسطينيين مئات القتلى في الأحداث، إلا أن الوضع في الضفة الغربية بقي على بعد خطوة من نقطة الاشتعال الشامل. سيطرة السلطة الفلسطينية في رام الله بقيت مستقرة نسبياً رغم تماه كبير من الجمهور في الضفة مع حماس ومع المذبحة في غلاف غزة. ورغم الفساد الكبير والصراع على وراثة الرئيس العجوز محمود عباس، بقيت درجة من السيطرة على الوضع.

النتيجة حتى الآن، من ناحية إسرائيل، كانت أقل خطراً مما ظهر في 7 أكتوبر. وبمعان كثيرة، تواصل السلطة والأجهزة الأمنية الفلسطينية العمل كمقاول من الباطن لإسرائيل لصالح الأمن في الضفة. وخوف السلطة الفلسطينية وحركة فتح من حماس، لا سيما من محاولتها احتلال السلطة في الضفة بالقوة، يفعل فعله. حتى الآن، تواصل الأجهزة اعتقال أعضاء حماس و”الجهاد الإسلامي”، وهناك درجة من التعاون الاستخباري الذي يؤدي إلى إحباط العمليات الإرهابية ضد الإسرائيليين.

لكن حتى هذا الاستقرار المحدود قد يتضعضع في الأشهر القريبة القادمة، بالتحديد إزاء خطوات تخطط لها إسرائيل. ومثل عدد كبير من الصعوبات الاستراتيجية التي تعرضنا لها في حرب الاستنزاف المستمرة مع حماس وحزب الله، فإن سبب ذلك نابع من الوضع السياسي الداخلي في الائتلاف. هذا يتعلق بخطط طموحة لدى وزير المالية والوزير في وزارة الدفاع سموتريتش، الذي لا يخفي منذ عشر سنوات على الأقل أن هدفه هو تقويض حكم السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية. في الفوضى الحالية، هو يلاحظ فرصة ويحاول دفع رئيس الحكومة نتنياهو، إلى هذا الاتجاه، ويعمل ضد الإجماع الاستثنائي لكبار قادة الأجهزة الأمنية. سيكون هذا نجاحاً مزدوجاً، لأنه بذلك يأمل منع سيناريو آخر يخشى منه اليمين، وهو تدخل السلطة الفلسطينية في ترتيبات اليوم التالي في قطاع غزة (التي تبدو الآن بعيدة، لأن حماس لم تهزم بعد).

حاول سموتريتش تمرير قرارات تؤدي إلى انهيار السلطة قبل سنة تقريباً، في ذروة فترة الانقلاب النظامي. في حزيران 2023 تم عقد الكابنت الأمني ومنع اتخاذ قرار حول تغيير السياسة تجاه السلطة والسعي العلني لتقويضها. نتنياهو رغم ضغط اليمين، لم يستسلم في حينه لشركائه. الظروف الآن تبدو أصعب، على خلفية الوضع الأمني. المتغير الأكثر حسماً هو قرار الحكومة منع دخول العمال الفلسطينيين للعمل داخل إسرائيل منذ 7 أكتوبر. من بين الـ 150 ألف عامل الذين عملوا في البلاد، فإن 8 آلاف عامل فلسطيني في وظائف حيوية مثل فرع الغذاء والدفن والنظافة، مسموح لهم فقط الدخول الآن (في المقابل، في أعقاب ضغط المستوطنين، تمت المصادقة في مرحلة مبكرة على دخول 10 آلاف عامل من الضفة إلى المناطق الصناعية في المستوطنات رغم المخاطرة).

نسبة البطالة في الضفة تبلغ الآن 30 في المئة. وتناقش حكومة إسرائيل خطة لإحضار عشرات آلاف العمال من الخارج، بالأساس لفرع البناء، بديلاً دائماً للعمال الفلسطينيين. والحركة بالاتجاه المعاكس محظورة. مؤخراً، تقرر السماح بدخول عرب إسرائيل إلى الضفة الغربية للتسوق، وهذا عامل حاسم للاقتصاد الفلسطيني، خصوصاً مع منع العمل داخل حدود الخط الأخضر.

في الفترة القريبة القادمة ستتم مناقشة عدة خطوات ودخولها حيز التنفيذ، وهي خطوات قد تزيد الإضرار بالسلطة الفلسطينية، يقف في مركزها دعم السلطة للسجناء الفلسطينيين الأمنيين داخل السجون الإسرائيلية. هذا طلب قديم لإسرائيل، وقف هذا الدعم، الذي يرتكز على ادعاء أن السلطة الفلسطينية بهذه الطريقة تستخدم طريقاً التفافية لمساعدة الإرهاب والتشجيع عليه. وهي الآن تحصل على تعزيز على خلفية المذبحة في بلدات الغلاف، لكن تطبيقها سيفاقم الأزمة الاقتصادية في مناطق السلطة الفلسطينية. سبق لإسرائيل أن اتخذت عدة خطوات لتجميد أموال الضرائب (خصم أموال ضرائب العمال الفلسطينيين رداً على دعم السجناء وتحويل الأموال إلى القطاع). مؤخراً، عثر على مسار التفافي، بتحويل الأموال عبر النرويج، لكن إسرائيل ترفض مواصلة ذلك بذريعة أن النرويج اعترفت هي ودول أوروبية أخرى بالدولة الفلسطينية.

في نهاية السنة قد تصل السلطة إلى عجز يبلغ 30 مليار شيكل (الميزانية السنوية لها 19 مليارا). ستجد السلطة نفسها غير قادرة على تسديد الديون، ولن تتمكن من دفع الرواتب. هكذا تعود الموظفون العامون، بدءاً برجال الأمن وانتهاء بالمعلمين، على التسلم بنصف الراتب الشهري في السنة الأخيرة. يتم التوصل إلى تفاهمات في المؤتمرات الأخيرة للدول المانحة، ولا يلوح في الأفق أي انعطافة في الوضع الاقتصادي للسلطة الفلسطينية.

في بداية حزيران القادم، قد يدخل إلى حيز التنفيذ قانون تعويض جديد للمصابين في العمليات العدائية، الذي سيمكن كل مصاب في عملية إرهابية من الحصول بشكل تلقائي على تعويض من أموال السلطة (10 ملايين شيكل لعائلة القتيل و5 ملايين شيكل لعائلة المصاب). وسيكون على السلطة إثبات أن الأمر لا يتعلق بعملية إرهابية. في موازاة ذلك، تقوم إسرائيل بخطوات تصعب على السلطة مواصلة علاقاتها مع البنوك الإسرائيلية. مع كل هذه الأسباب التي جزء كبير منها اقتصادي، تقف السلطة الفلسطينية اليوم على شفا الهاوية. يبدو أن الحكومة الإسرائيلية في هذه الأثناء مترددة بين دفعها بعدة خطوات إلى الأمام رغم تحذير جهاز الأمن.

في غضون ذلك، تثور عاصفة عامة صغيرة على خلفية إطلاق نار ممنهج لمخربي حماس في طولكرم على مستوطنة “بيت حيفر”، الواقعة وراء جدار الفصل غرب خط التماس. هذه المستوطنة تعاني من محاولات متكررة لإطلاق النار، وسكانها يشتكون من ضعضعة الشعور بالأمن، على خلفية تكرار ما جرى في 7 أكتوبر، ومثلها أيضاً مستوطنات في “عيمق حيفر”. الجيش الإسرائيلي الذي عمل في الأشهر الأخيرة بشكل عنيف في مخيمات اللاجئين القريبة، طولكرم ونور شمس، يجد صعوبة اليوم في مواجهة ما يظهر كتهديد. سموتريتش بالمناسبة، يتعهد بحل بسيط. فقد هدد أمس بتحويل طولكرم إلى غزة إذا لم يسد الهدوء.

عبء أكثر ومساواة أقل

الحرب في غزة وعلى الحدود مع لبنان ترتدي صورة حرب الاستنزاف، وتتضح تأثيراتها الكبيرة على المجتمع وعلى الاقتصاد. مؤخراً، هاجت النفوس هائجة بعد أن استدعى الجيش مئات الفتيات ومجندات احتياط خدمن الخدمة النظامية في الضفة الغربية، ولم يتم استدعاؤهن منذ ذلك الحين للخدمة في الاحتياط، لمهمة حراسة مخربي حماس في السجون الإسرائيلية. ألقى الجيش الإسرائيلي هذه المهمة مع مهلة قصيرة للفتيات اللواتي لم يجتزن الإعداد المناسب لهذه المهمة.

الأقل إغضاباً من ذلك هو نظرة جنود ألوية الاحتياط الذين تم استدعاؤهم مع مهلة لمدة أسبوع أو أسبوعين للخدمة في قطاع غزة. في هيئة الأركان، يبدو أنه تم ارتكاب خطأ في التخطيط وتبين لاحقاً أنه للواء المشاة “كرميلي”، الموجود على ممر نتساريم وسط القطاع، ولم يتم إعداد أي بديل عندما يتم تسريحه المخطط له (نشر القصة للمرة الأولى المراسل شاي ليفي في موقع “ماكو”). وقد ثارت ضجة كبيرة في أعقابها تسلم آلاف الجنود في ألوية مختلفة الأمر 8 للمثول السريع للخدمة. وأيضاً بعد أن تم إلغاء جزء من هذه الأوامر، نشأ وضع خدمت فيه كتائب من قبل لأشهر كثيرة في غزة ومنطقة الشمال، التي ينتظرها تشغيل عملي آخر صيفاً، حصلت الآن على أمر الامتثال للخدمة.

هناك وحدات تتأرجح بدون تخطيط من مكان إلى آخر. ومؤخراً، ظهرت ظاهرة غريبة أخرى، التي تبحث فيها الضابطات في السكرتاريا عبر “فيسبوك” عن متطوعين لوظائف معينة تنقص الوحدات، منها سائقون وموظفو تكنولوجيا ومعلومات.

يستخدم الجيش الإسرائيلي الآن في القطاع ربع القوات تقريباً التي عملت هناك في ذروة الحرب. وكذلك تم تقليص القوات على الحدود مع لبنان. هذا العبء تتحمله الآن وحدات قليلة نسبياً، وضغوط كثيرة وتخطيط سيئ يفقد أي توزيع متساو، ويضر بدافعية الجنود في الخدمة. ويضاف إلى ذلك شكاوى متجددة، وحتى متزايدة، على نقص المعدات المناسبة لجنود الاحتياط. المتطوعون الذين يعملون في الدعم اللوجستي والوحدات والوسائل القتالية والمعدات منذ اليوم الأول للقتال، جمعوا عدة طلبات لوحدات تم دمجها مؤخراً لخدمة أخرى في القطاع وفي منطقة الشمال وفي الضفة الغربية. من بين هذه الطلبات، أن القادة يبحثون لوحداتهم عن مئات الخوذات التكتيكية والستر الواقية والزي المضاد للحريق لطواقم الدبابات والحوامات.

في الأشهر الأولى للقتال، قال الجيش الإسرائيلي دفاعاً عن نفسه، إنه تفاجأ من سيناريو تم فيه استدعاء مئات آلاف الجنود للخدمة دفعة واحدة، وكان يتوقع أن يكون نقصاً محلياً يحل بعد فترة معينة. والآن، عندما أصبح واضحاً أن حرب استنزاف طويلة في الانتظار، فإننا نأمل بأن ينزل الجيش إلى عمق هذه الادعاءات ويعرض حلولاً على الأرض. هذه مشكلات لا يمكن للمواطنين المتطوعين وجنود الاحتياط حلها بأنفسهم.

 هآرتس 30/5/2024

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية