في قصيدة للشاعر والروائي البريطاني النيجيري الأصل، بن أوكري نشرتها صحيفة «الغارديان» (24/5/2024) قال فيها «لا أعرف كم مات/أو الكثيرون ممن ماتوا قبل اشتعال الحرب/ لا بد من طريقة للاستماع إلى الجميع، الألم الذي يحترق في الناس/ لا بد من طريقة للاستماع إلى الفزع/ فالألم يخلق الحزن في القلب/والبعد يجعل كل المعاناة غير حقيقية/ كيف تستطيع القوى العظمى أن تضيف القنابل والصواريخ لمعاناة غمرت العالم بالنار والغضب؟».
ويواصل بن أوكري قصيدته بالقول: «كيف أصبحنا صما لموت الأطفال الأبرياء وأمهاتهم؟ كيف صار علينا أن نقيس قيمة موت واحد ضد آخر بواحد يستحق ألفا من الآخر؟ وبالتأكيد مات قلب العالم/بالتأكيد تحولت شرايينا إلى حجارة/ أجلس هنا وأحدق في السماء وأفكر كيف سنغير برودة الروح، حتى نتمكن من أكل طعامنا، ونعمل ونضحك مع عائلاتنا/ ونحن نعرف أن فوق غزة، حلم عابر/بعيدا مئات الآلاف جوعى، بيوتهم مهدمة وحيواتهم محطمة».
وأنا أقرأ قصيدة بن أوكري حدقت في الصور القادمة من مخيم جباليا التي وصفها من تبقى من السكان العائدين إليه ليكتشفوا وكأن زلزالا قد أصاب بيوتهم وأسواقهم، أو تلك الجثث المتفحمة من تل السلطان التي وصفها رئيس الوزراء المتطرف في إسرائيل بنيامين نتيناهو بأنها كانت خطأ مأساويا. ثم ماذا قال زمرة المتحدثين باسمه، حيث سارعوا إلى القول إن إدارة بايدن لا تزال تعتقد أن إسرائيل لم تخترق «الخط الأحمر» في عملية رفح، ويتساءل الواحد ما معنى الخط الأحمر؟
بايدن وخططه
كل هذا قبل ان يطلع الرئيس جو بايدن يوم الجمعة بخطة الهدنة الأخيرة التي حث حماس على قبولها، وتتضمن وقف إطلاق النار لستة أسابيع وتبادل سجناء فلسطينيين مقابل كل الأسرى الأحياء لدى حماس، وخطة لما بعد اليوم التالي أو إعادة إعمار غزة.
وفي الوقت الذي ذكر فيه بما قام به ويقوم به من الدفاع عن إسرائيل إلا أنه اعتبر الخطة الفرصة الأخيرة لوقف الحرب الطاحنة التي ستدخل شهرها التاسع بعد أيام، حيث قال: «بصفتي شخصا كان له التزام طويل تجاه إسرائيل، وبصفتي الرئيس الأمريكي الوحيد الذي زار إسرائيل في وقت حرب، وبصفتي شخصا أرسل القوات الأمريكية للدفاع المباشر عن إسرائيل حينما هاجمتها إيران، أطلب منكم التروي والتفكير فيما سيحدث إذا ضاعت هذه اللحظة. لا يمكننا تضييع هذه اللحظة».
ولكن بايدن الذي ظل مترددا في طلب وقف إطلاق النار يبدو يائسا لوضع حد للحرب التي لم تعد صورها القادمة تخدم حملته الانتخابية وسط غضب شعبي واسع، ليس في أمريكا بل والعالم أجمع.
وحتى هذه اللحظة اكتفى هو وقادة دول الغرب بالخطوات الرمزية، كما في الدعوة إلى وقف إطلاق النار أو حث إسرائيل على ضبط النفس واستهداف حماس دون المدنيين، وغير ذلك من الكلام الذي تعرف إسرائيل أنها قادرة على تجاهله ومواصلة الحرب بالطريقة التي تريد. فها هي كما تقول مجلة «إيكونوميست» (30/5/2024) تسيطر على كامل غزة برا وبحرا وجوا، وبل واحتلت معبر فيلادلفيا، المنطقة المنزوعة السلاح على الحدود مع مصر وبموجب اتفاقية السلام الموقعة مع مصر قبل 45 عاما، إلى جانب رفع العلم الإسرائيلي على معبر رفح من جانبه الفلسطيني. ومع ذلك ظلت ترفض الاعتراف بأنها سلطة احتلال ويجادل محاموها أن الجيش لم يفرض «سيطرة فعلية» تدعوه بموجب القانون الدولي للعناية وتوفير الاحتياجات الأساسية للسكان الذين يحتلهم.
قتل المرسال
والحقيقة هي أن إسرائيل كما تقول المجلة تسيطر على الأرض وخلقت حربها، وخاصة الأخيرة ضد رفح كارثة إغاثة، حيث أوقفت الأمم المتحدة عملياتها، وكذا أونروا التي لم تعد قادرة على إرسال شاحناتها لجمع المواد الغذائية التي توافق إسرائيل على دخولها من معبر كرم أبو سالم. والواقع هو أكبر من هذا، فبعد شيطنة أونروا وحرق مقرها في القدس وإهانة موظفيها على نقاط التفتيش ومقتل العشرات 192 من العاملين في غزة وتدمير مدارسها ومؤسساتها 172 واستخدام منشآتها من الجيش الإسرائيلي وقتل أكثر من 450 نازحا ممن لجأوا إلى مؤسساتها، واعتقال العاملين وتعذيبهم، جعل العمل الإنساني كابوسا، وهو ما وضحه المفوض العام لأونروا فيليب لازاريني بمقال له نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» (30/5/2024) قال فيه إن «الحرب على غزة أنتجت تجاهلا صارخا لمهمة الأمم المتحدة، بما فيها الهجمات الشنيعة على موظفي ومنشآت وعمليات وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين» و«يجب توقف هذه الهجمات وعلى العالم تحميل الجناة المسؤولية ومحاسبتهم». وطالب لازاريني بتحقيق في الجرائم المرتكبة ضد عمال الإغاثة ومحاسبة المسؤولين عنها.
وماذا عن زعران المستوطنين الذين يقومون بحرق المواد الإنسانية التي يتهمون الشاحنات التي تنقلها بدون أي دليل أنها ذاهبة إلى غزة مع أنها عبارة عن عمليات تجارية وتبادل في الضفة الغربية؟ وكشفت صحيفة «واشنطن بوست» (26/5/2024) كيف يقوم رعاع المستوطنين وكلهم من الشباب المتطرف المتأثر بأفكار مستشار الأمن الوطني إيتمار بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموريتيش وكلاهما مستوطنان، بتتبع قوافل الإغاثة وإقامة نقاط التفتيش واستجواب السائقين. وفي بعض الحالات، قام مهاجمون من اليمين المتطرف بنهب وإحراق الشاحنات وضرب السائقين الفلسطينيين. ويتم هذا تحت سمع وبصر الجيش الإسرائيلي. ونقلت الصحيفة عن جندية قولها «نحن هنا لحمايتهم لا لوقفهم» بل وأكثر من هذا فالجيش والشرطة الإسرائيلية ضالعة في استهداف الشاحنات المحملة بالبضائع، حيث يقوم أفراد فيها بإعلام المتطرفين عن حركة الشاحنات، كما كشفت صحيفة «الغارديان» (21/5/2024). وقال أحد المنظمين لجماعات استهداف قوافل الإغاثة وتشديد الحصار لصحيفة «واشنطن بوست»: «أنا سعيد بكل شاحنة لا تدخل غزة، ويسعدني أيضا أن أراها تشتعل فيها النيران».
يأتي هذا في وقت دعا فيه وزير المالية لحرق طولكرم واستئصال المقاومة فيها وهو الذي دعا من قبل لحرق حوارة عندما دخلها المستوطنون وأحرقوا ممتلكات أهلها قبل عام وهو ما فعلوه في قرية ترمسعيا قرب مدينة رام الله.
فالخطاب الداعي للتدمير هو السائد في المجتمع الإسرائيلي، ولا غرابة أن تجد جماعات داعية للسلام نفسها أقلية داخل أقلية، كما ورد في تقرير لصحيفة «الغارديان» (31/5/2024). ولا غرو فخطاب الكراهية وإن تغذى بتصريحات المتطرفين في حكومة نتنياهو والمجتمع الإسرائيلي بعامة إلا أنه يلقى تشجيعا من اليمين الأمريكي وساسة جمهوريين، فما معنى رفض الكونغرس الدعاوى التي تقدم بها المدعي العام للجنائية الدولية ضد نتنياهو ووزير الدفاع يواف غالانت؟ ولماذا وصف حليف دونالد ترامب في الكونغرس الجمهوري ليندسي غراهام محكمة العدل الدولية بالقول «لتذهب إلى الجحيم» لمجرد مطالبتها إسرائيل بوقف العملية في رفح. وماذا كانت تفعل المرشحة الجمهورية السابقة نيكي هيلي، في شمال إسرائيل ولماذا وقعت على صواريخ إسرائيلية تطلق على لبنان وكتب «أنهوهم»؟
توقيع قنبلة
وتساءل المحاضر في جامعة نيويورك، مصطفى بيومي في مقال بصحيفة «الغارديان» (29/5/2024) عن سبب خربشة هيلي عبارات داعية للإبادة على قنابل إسرائيلية؟ وقال إنها قررت خربشة الكلمات، وهذا دليل على أنها تعرف الكتابة، في وقت قتلت فيه إسرائيل أكثر من 45 فلسطينيا في مخيم للاجئين برفح. وتساءل الكاتب إن كانت هيلي تعرف القراءة؟ فشهرا بعد شهر ومنذ بداية الحرب على غزة أكدت تقارير صحافية ومنظمات دولية ومحاكم تابعة للأمم المتحدة أن إسرائيل ترتكب جريمة الجرائم في غزة، وبدلا من الدعوة إلى العدل وتحقيق السلام، وهو موقف كان سيخدم سفيرة الولايات المتحدة السابقة للأمم المتحدة، إلا أنها اختارت تبجيل آلة الحرب الإسرائيلية من خلال خربشة رسالة معادية على أسلحة طالما استخدمت مرارا لقتل 15.000 طفل فلسطيني وعلى مدى شهور. ويرى بيومي إن موقف هيلي ليس استثنائيا، فكما كتب المعلق السياسي اليوناني يانيس فاروفاكيس على منصة إكس «يقدم بايدن القنابل ويوقع عليها الجمهوريون» مضيفا أن «الطبقة السياسية الأمريكية متحدة في تواطئها مع هذه الإبادة».
ضد رأي الشعب
وقال بيومي إن ما يجعل هذه الوحدة الديمقراطية- الجمهورية في دعم الإبادة مستفزة للغضب أنه ورغم الدعوات المؤيدة للحرب من الساسة والمعلقين في الإعلام الأمريكي، هي أن استطلاعات الرأي كشفت المرة بعد الأخرى عن رغبة الشعب الأمريكي بوقف إطلاق النار. وواحد من هذه الاستطلاعات «داتا فور بروغيس» (بيانات من أجل السلام) ونشرت نتائجه بداية أيار/مايو وكشف أن سبعة من بين عشرة ناخبين أمريكيين محتملين «يدعمون طلب أمريكا لوقف دائم للحرب وخفض التوتر والعنف في غزة». وقد دعم هذا الموقف غالبية الناخبين الديمقراطيين 83 في المئة والمستقلين 65 في المئة والجمهوريين 56 في المئة. ولكنك لا تسمع هذا من القيادة الديمقراطية أو الجمهورية حتى لو كان ناخبو الحزبين يوافقون عليها. وبدلا من ذلك نحصل على نفس السياسة المتعبة والخنوع المتوقع من الحزب على حساب الأخلاق. وتساءل بيومي، لماذا علينا توقع شيء مختلف؟ ففي النهاية، أعلنت هيلي انها ستمنح صوتها لدونالد ترامب، بعدما وصفته في السابق أنه «أحمق» و«ليس مؤهلا» ويختفي ما يطلق عليه «الخط الأحمر» الذي وضعته إدارة بايدن مثل الحبر المتطاير، في أسوأ سلوك. كل هذا لا يعني أنه لا يوجد هناك اهتمام بالمبادئ، ففي اليوم الذي كتبت فيه هيلي رسالتها المبجلة لقنابل إسرائيل، نشر معهد ليمكين لمنع الإبادة الجماعية على موقعه «يجب علينا أن نكون واضحين، إسرائيل ترتكب إبادة جماعية» و«الولايات المتحدة متواطئة في الإبادة الجماعية، والتصريحات ليست سياسية بل هي تصريحات صدرت بمعرفة وخبرة، ولا تحتاج لأن تكون طالب دكتوراه أو لديك آلة تصوير إكس لتكتشف البعد الإبادي لمذبحة إسرائيل في غزة». وقال المعهد «لدى الإنسانية خيار: إما أن تقرر أن أولادنا يمكن قتلهم في أي وقت تريد قوة عظمى تزعم أن هناك إرهابيين بيننا، وإما أن تقرر أننا لن نسمح وتحت أي ظرف لهذه القوى تخريب عالمنا في أي وقت من الأوقات. وعلينا أن نختار العمل بناء على هذا، فاللحظة الفاصلة حاضرة».
ويقول بيومي، أننا أمام هذه اللحظة الأخلاقية الواضحة للمعهد فلو لم نتحرك فسيواصل أمثال نيكي هيلي التوقيع على القنابل. ومن خلال مصادقة الساسة على الإبادة الجماعية التي لا يدعمها الشعب فإن النخب السياسية توقع شهادة الوفاة للديمقراطية الأمريكية.
لا يمكنني دعم بايدن
والموقف الشعبي الرافض للحرب، وخاصة أمريكا يجد صداه في موقف عدد من الساسة وموظفي إدارة بايدن الذين كانت لديهم الشجاعة لقول «كفى» لمواصلة الإبادة، وهو ما بدا في موقف المسؤولة السابقة في وزارة الداخلية التي كتبت أيضا في صحيفة «الغارديان» (28/5/2024) ليلي غرينبرغ كول شرحت فيه أسباب اختيارها ذكرى النكبة الفلسطينية لمغادرة منصبها كمساعدة خاصة لرئيس طاقم الوزارة. وقالت: «حتى الأسبوع الماضي كان الرئيس بايدن هو مسؤولي. وفي الأسبوع الماضي استقلت من منصبي بوزارة الداخلية، حيث أصبحت أول مسؤولة يهودية معينة سياسيا في الإدارة تستقيل علنا من منصبها احتجاجا- وحدادا- على مصادقة الرئيس بايدن على الإبادة الجماعية في غزة، والتي قتل فيها أكثر من 35.000 فلسطيني» وأضافت «وقد كان هذا القرار صعبا للغاية، إلا أنه كان ضروريا، وشعرت أنه ضروري مع استمرار رئيس الولايات المتحدة بإفساد فكرة الأمن اليهودي، واستخدم مجتمعي كدرع للتهرب من المحاسبة على دروه في الجريمة» و«لكني وأنا الآن أراقب تواطؤ الولايات المتحدة بذبح الفلسطينيين في غزة، تذكرت أنه في أوقات الرعب الشديد، اختار من لديهم قوة عظيمة التقاعس عن فعل أي شيء».
كابوس الحرب الطويلة
ومع ذلك يواصل بايدن دعمه للإبادة والموافقة رضي أم لم يرض على ما يريده نتنياهو الذي يتحدث عن حرب في غزة تستمر حتى نهاية العام، وسارع للقول بعد إعلان بايدن الأخير بأن الحرب مستمرة حتى يتم القضاء على حماس. ويرى المعلق كيم سينغوبتا في صحيفة «إندبندنت» (31/5/2024) أن عناد واشنطن ورفضها فكرة اجتياز حليفتها الخط الأحمر وتوقعات استمرار الحرب لأشهر قادمة يمثل كابوسا على بايدن في عام انتخابي صعب. وأضاف أن الدبابات الإسرائيلية وصلت وسط رفح وقرب مسجد العودة، إلا أنه لم يكن جزءا من «عملية برية واسعة» حسب إدارة بايدن. أما مذبحة تل السلطان فقد كانت «محطمة للقلب ومروعة» بعبارات المتحدث باسم مجلس الأمن القومي جون كيربي والذي قال «كان يجب عدم فقدان حياة بريئة بسبب هذا النزاع». وأشار سينغوبتا لتناقض بايدن وما قاله في 8 أيار/مايو بأنه كان واضحا مع نتنياهو لو دخل رفح «لن أمدهم بالسلاح الذي يستخدمونه تاريخيا للتعامل مع رفح والتعامل مع المدن والتعامل مع المشكلة». ومثل بايدن أكد قادة غربيون أن إسرائيل لا تدير عملية شاملة، حيث قال رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك إنه «قلق وبعمق حول منظور توغل عسكري في رفح» ولم يكن لدى إيمانويل ماكرون أي شك بضرورة وقف العملية. وتمسك البيت الأبيض بهذا الخط «لم نرهم يقتحمون رفح ولم نرهم يدخلون بقوافل وتشكيلات من نوع ما ومناورات منسقة ضد أهداف متعددة». مع أن هدف إسرائيل لم يتغير حسب غالانت وهو تدمير حماس في رفح وكامل القطاع، ولكن بدون تحديد جدول زمني، وهو ما يثير قلق فريق بايدن، وخاصة بعد إعلان مستشار الأمن القومي تساحي هنغبي بأن الحرب في غزة طويلة. وسبب الخوف هو أن أكثر من ثلثي ناخبي بايدن لا يوافقون على طريقة تعامله مع الحرب. وحذر المانحون لبايدن من أن دعمه لإسرائيل في غزة قد يكلفه الانتخابات. وقال جورج كراب، المتوقع أن يجمع 2.5 مليون دولار في حفل ببوسطن «أعتقد أن موضوع إسرائيل هذا كان كارثة على بايدن وأعتقد متأكدا بأنه يحتاج لتعليق شحن السلاح لأسباب سياسية وإنسانية». فأشهر طويلة من الحرب قد تقود إلى هجمات قاتلة مثل تل السلطان، وعلى جو بايدن أن يقرر فيما إن اخترق نتنياهو الخط الأحمر، فهو لا يريد أن تظل «كل العيون على رفح» في إشارة لصورة انتشرت على منصات التواصل الإجتماعي لرفح بعد مجزرة الخيام في تل السلطان وتم تداولها أكثر من 44 مليون مرة. وفي كل مرة يعتذر فيها نتنياهو عن خطأ، كما حدث مع المطبخ العالمي، تستمر المذابح. وكتبت فرح ستوكمان في «نيويورك تايمز» (28/5/2024) «كم من الاعتذارات ستصدر والتعهد بالتحقيقات قبل أن تنتهي هذه الحرب المرفوضة؟ قائمة الاعتذارات الدولية التي يقدمها نتنياهو في تزايد مستمر. ولكن الهجمات على رفح – والمعاناة التي لا توصف للمدنيين الفلسطينيين-مستمرة».
بن أوكري
وبالعودة إلى بن أوكري: «يجب ألا يكون هناك دين يسمح بهذا، وأن نكون لامبالين لكل تلك المعاناة. بالتأكيد هناك شيء غير سليم أصاب العالم، هناك شيء منحرف في إنسانيتنا/ لدي أصدقاء يبكون على موت كلابهم، لكنهم أغلقوا آذانهم للعويل من البيوت المهدمة في غزة/يجب ألا يوقف التعقيد أرواحنا عن الشعور/ فالألم يخلق ألما ويخلق حجارة بدلا من البشر. في الحقيقة هناك مساحات بعيدة في روح الإنسانية/ كل ظلم عظيم يجعل من نوم العالم عواء/ ونحن نتنفس دمار حيوات لا نراها/وفي أحلامنا نموت معهم، وفي نومنا نحزن معهم، فموتهم هو موتنا أيا كانوا، ونكبر مرضى مع زمننا، ونصبح منحرفين مع جراحنا، وسواء صمتنا أم لا، فالمذابح تسممنا/ لا يمكن لأي حضارة النجاة من جريمة قتل للناس؟ نراقب موتنا في صمتنا، السلام ليس جهلا أو أكاذيب». و«يحكم علينا بما نتسامح معه، والألم الذي نتجاهله ونسكت عليه طلبا لراحة عقولنا، الصمت يساعد تلك الصواريخ. ويلمس صمتنا دم أؤلئك الأطفال، في كل يوم نغض الطرف ونغلق قلوبنا. وفي أسفل، الأرض المشتركة للإنسانية، يصعد الدم المسفوح وتتغذى الكوابيس من ازدهارنا، فغزة ليست هناك ولكنها هنا» و«يجب أن تنتهي تلك الحرب، واضح، علينا أن نعثر على طريقة، نعثر على طريقة/ هذا لا يعني دمار شعب أو آخر، فقد جلبنا التاريخ بحكمته ورعبه إلى هذا المكان/ هذه معادلة رياضية مستحيلة لا نستطيع حلها/ مستقبل مع الماضي بالدم أو اللوم أو القنابل أو شعارات غير مستدامة/أرى مستقبلا جديدا ممكنا هناك. أرى الأرض خصبة وصعبة في تعاون لا يقدر بثمن. أرى أن الصحراء ستعود للحياة بالموسيقى، أرى شعبين يعثران على طريق جديد، وأعتقد أن تلك معجزة/فقط الطريق البراغماتي/ كل الكراهية، ذلك الغضب يمكن أن يزدهر في معجزة/ لو لم تجلب لنا رؤية الحب، فعندها سيقودنا كل الألم إلى طريق جديد/أرى طريقا مشعا سيفاجئ فيه حلمان العالم. ومن خلال العثور على طريق للتعايش، فسيكون أكبر اختراق في زمننا».