«حديقة التجارب» في الجزائر أشجار ونباتات لها تاريخ

محمد سيدمو
حجم الخط
5

الجزائر ـ «القدس العربي»: غير بعيد عن قلب العاصمة الجزائرية المزدحم بالسيارات وضجيج الحياة، تنبض رئة خضراء بالأكسجين النقي، بل لعلّه أكسجين معتّق ومعطّر، تطرحه أشجار تقارب أعمارها مئتي عام ونباتات نادرة في العالم، تصطف في هندسة بديعة وجمال أخّاذ، أكسب حديقة التجارب بالحامة، اسما مرموقا بين قريناتها من الحدائق في العالم.

الداخل إلى حديقة التجارب، يشعر بهيبة هذا المكان الفسيح (35 هكتارا) وأول ما يشده هي تلك النافورات البديعة ذات الشكل الهندسي التي يفصل بينها ممشى واسع تحفه الأشجار الباسقة، يمكن من خلاله رؤية البحر الذي لا يحول بينه وبين الحديقة سوى الطريق. أما النظرة العلوية لهندسة النافورات، فتوحي بتصاميم حدائق القصور الفرنسية الكبرى مثل فارساي وغيرها، وتعطي نظرة عن الإتقان الشديد الذي شيدت به الحديقة وعن الدقة في إعادة ترميمها قبل سنوات.
وما زاد في إقبال الناس على هذه القطعة الأثيرة في قلب المدينة، سهولة الوصول إليها بعد افتتاح خط ميترو الأنفاق في الجزائر العاصمة، والذي من أهم محطاته «حديقة التجارب» حيث يختلط النازلون بين سكان هذا الحي وبين الزائرين للحديقة، ومنهم الأربعيني جمال الذي كان مصطحبا بنتيه باتجاه الحديقة، مؤكدا في حديثه أن هذا المكان صار جزءا من حياته بعد أن بات يسيرا الوصول إليه، إذ لا تستغرق المسافة حيث يقطن في حي باب الوادي والحديقة سوى دقائق.
والسبب في إدمان زيارة الحديقة لكثيرين، أنها تحقق فوائد كثيرة، ففيها يمكن ممارسة رياضة المشي مع استنشاق هواء منعش، كما أنها تتيح التعرف على أشجار غريبة تتبدل أحوالها مع الفصول ومشاهدة دورة حياة النباتات والحيوانات التي تحتل جزءا من المكان، والسباحة في الماضي بتفقد أشجار وتماثيل وأماكن شهدت أحداثا تاريخية، ناهيك عن الاستمتاع بالإطلالات الفخمة التي تتيحها، ففي الأعلى يظهر مقام الشهيد ذلك المبنى الثلاثي الأبعاد الذي شيد في الثمانينيات وصار معلما للعاصمة الجزائر، وبمحاذاتها توجد المكتبة الوطنية التي تضم عشرات آلاف الكتب ومخطوطات نادرة وقبالتها يظهر البحر المتوسط محملا بالسفن التي تتأهب لدخول الميناء.

كارل ماركس في الحديقة

ولهذه الحديقة تاريخ عريق، إذ تقول المراجع التاريخية أنها أنشئت عام 1832 أي سنتين بعد دخول الاستعمار الفرنسي للجزائر. وكان الهدف من المشروع في البداية استصلاح أرض رطبة بها مستنقعات لتحويلها إلى أرض زراعية. لتصبح الحديقة لاحقاً «مشتلا حكوميا مركزيا» بمساحة 5 هكتارات، ثم توسعت إلى 18 هكتارًا في عام 1837. بعد ذلك، تحولت إلى «حديقة للتأقلم» ثم «حديقة ترفيهية» مع تطوير البستنة، بعد إدخال أنواع نباتية متنوعة لاختبار تأقلمها وتكيفها مع المناخ المحلي. نشطت الحديقة في جميع مجالات الزراعة والبستنة وأصبحت من 1868 إلى 1913 حديقة نباتية ذات شهرة عالمية، تُعتبر من أجمل حدائق المناطق المعتدلة وحازت على العديد من الميداليات الشرفية.
والبحث في الأرشيف القديم، يكشف أن الحديقة كانت قبلة لزائرين كبار في العالم، أبرزهم منظر الفكر الشيوعي، كارل ماركس الذي وثّق لحظة زيارته للحديقة برسالة لابنته ما زالت موجودة إلى اليوم. وقد جاء ماركس للجزائر العاصمة بنصيحة من الأطباء، بعد أن عانى من مشاكل صحية، وكان قدومه بعد نحو نصف قرن من الاحتلال الفرنسي للجزائر وهي الفترة التي نفّذ فيها الاستعمار سياسته الاستيطانية التي تخللتها مجازر بشعة. وكتب الفيلسوف بعضا من تأملاته عن حياة البشر والفوارق الطبقية التي وجدها بين المستعمرين وسكان البلد وحاجتهم للثورة بمفهومه.
يقول ماركس في رسالته المؤرخة يوم 14 نيسان/ابريل 1882 لابنته لورا لافارغ، عن زيارته حديقة التجارب، في وصف عامر بالتفاصيل والملاحظات الدقيقة: «في الساعة الواحدة بعد الظهر من الأمس، نزلنا في حيّ مصطفى السفلي، حيث أقلّنا الترام إلى حديقة الحامة، أو حديقة التجارب، التي تُستخدم كمتنزه عام، وتُقام فيها أحيانًا حفلات موسيقية عسكرية، وتُستخدم كمشتلة لزراعة ونشر النباتات المحلية، وأيضا للتجارب النباتية العلمية وكحديقة للتأقلم. تشغل الحديقة مساحة واسعة جدًا، جزء منها مُضّرس، والآخر منبسط. لمشاهدة كل شيء بتفصيل، يلزم يوم كامل على الأقل، مع مرافقٍ مُلمٍّ بالحديقة».
ثم يضع ابنته في السياق التاريخي للمكان، فيقول: «أودّ أن أُشير إلى أنّ هذا هو المكان الذي نزل فيه في 23 أكتوبر 1541حوالي 24000 جندي تحت قيادة الإمبراطور شارل الخامس (أو كارلوس الأول كما يسميه الإسبان)؛ بعد ثمانية أيام، اضطرّ إلى إعادة لملمة ما تبقى من جيشه المدمر على السفن التي نجت من العاصفة». يسترسل الفيلسوف في الحديث عن طباع المسلمين الذين صادفهم في المقهى يلعبون «الكارت» كنوع من انتصار الحضارة الغربية عليهم، كما يقول، إلى أن يصل إلى وصف الحديقة، فيقول: «إن بها ثلاثة ممرات رائعة تقطعها بالطول. قبالة المدخل الرئيسي، يوجد ممر الدردار، ثم ممر النخيل الذي ينتهي بواحة من 72 نخلة ضخمة، ويحدّه خط السكك الحديدية والبحر؛ أخيرًا، يأتي ممر أشجار الماغنوليا ونوع من أشجار التين. تتقاطع هذه الممرات الثلاثة الكبيرة بدورها بالعديد من الممرات الأخرى، مثل ممر الخيزران الطويل المذهل، وممر نخيل القنب، وأشجار التنين، وأشجار الأوكالبتوس (شجرة الصمغ، الأزرق، تسمانيا).. تنمو هذه الأشجار بسرعة استثنائية». ويضيف أنه «بطبيعة الحال، لا يمكن وجود مثل هذه الممرات في حدائق التأقلم الأوروبية».
ومما سجله ماركس عن هذه الزيارة، أنه لم يشاهد في الحديقة أشجار البرتقال والليمون، وكذلك أشجار اللوز والزيتون، بينما كان هناك عدد قليل من الصبّار. وختم رسالته بما أثار انزعاجه: «على الرغم من روعة هذه الحديقة بالنسبة لي، إلا أنّه يجب عليّ أن أذكر أنّ هذه الرحلة وغيرها من الرحلات المماثلة قد شابها ذلك الشيء البغيض وهو الغبار الطباشيري. على الرغم من أنّني شعرتُ بتحسن بعد الظهر، إلا أنّ تهيجًا في الحلق ناتجًا عن الغبار قد أزعجني بعد العودة إلى المنزل وفي الليل».

ممرات الأشجار

واليوم، لا يختلف الحال في الحديقة كثيرا عما تركه ماركس، فلا تزال ممرات الأشجار المذهلة ذاتها. يشرح الموقع الرسمي لها ذلك بالقول إن الحديقة تحتوي على ثلاثة ممرات رئيسية: هي ممر الدردار الذي يضم 113 شجرة وممر أشجار التنين الذي يحوي أشجارا من نوع Dracaena draco وممر التين الذي يضم 161 شجرة. وتتكون الحديقة، في الواقع من نمطين معماريين كبيرين يعرفان باسم «الحديقة الفرنسية» و«الحديقة الإنكليزية». الأولى، فتمتد على مساحة 7 هكتارات، وتقع بمحاذاة الأحواض الزهرية على طول 500 متر مع مساحات عشبية وبركتي ماء وممر. أما الثانية، فتتميز بممراتها غير المنتظمة، والأشجار الكثيفة، وبرك الماء، وبركة كبيرة تحتوي على جزيرة نباتية من الموز والنخيل.
وخارج ذلك، تغطي منطقة التجارب في الحديقة مساحة تعادل 1700 متر مربع، وهي تحوي على بيوت زجاجية ومعارض نباتية متنوعة، تشمل مجموعات من الصبار والسرخسيات والنباتات العصارية، النباتات الهوائية، والنباتات الغذائية الاستوائية. كما تحتوي أيضاً على قائمة النباتات النادرة أو المهددة وفقًا للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة.

أشجار
لا تقدر بثمن

ومثلما هم النجوم في السينما والكرة، لهذا المتحف الطبيعي الأخضر نجومه من الأشجار النادرة والمعمرة، والتي تحولت مع الزمن إلى مقصد للسياح من كل مكان. من هذه المعالم ما يعرف بـ«الشجرة الامبراطورية» والتي تنتمي لعائلة بولونيا (سميت كذلك في عام 1864 تكريمًا للأميرة آنا بولونيا، ابنة القيصر بول الأول). هذه الشجرة الضخمة، التي موطنها الأصلي آسيا، تتميز بأوراقها الكبيرة على شكل قلب بعرض 70 سم، ويمكن أن يصل ارتفاعها إلى 10 أمتار. أزهارها ذات اللون الأزرق البنفسجي، المنقطة باللون البني والمزينة بخطين أصفرين، لها رائحة تشبه رائحة البنفسج. تُعد شجرة بولونيا من أجمل الأشجار المزهرة في الربيع.
ومن الأشجار الأخرى الساحرة تلك التي تعرف بـ«أذن الزنجي» وهي شجرة أصلها من المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية في أمريكا الجنوبية. تتميز بنموها السريع ويمكن أن تصل إلى 30 مترًا في الارتفاع. تعرف بقيمتها الجمالية والظل الذي توفره بأوراقها الكبيرة والكثيفة. ثمرتها السوداء الصلبة تشبه شكل الأذن البشرية. تحتوي قشرتها على 13-22 في المئة من مادة تستخدم بشكل واسع في صناعة الجلود. خشبها خفيف ومقاوم للماء، وكان يستخدمه الهنود ويشيس لبناء الزوارق.
يوجد أيضا شجرة «الجنكو» أو ما يعرف بـ«شجرة الأربعين إكو» وسبب تسميتها بذلك أن عالم النبات الفرنسي دي بيتينيي اشترى في عام 1788 خمسة نباتات «جنكو» من عالم نبات إنكليزي مقابل 200 جنيه، أي ما يعادل 40 إكو (عملة فرنسية قديمة من الذهب). يمكن أن تعيش هذه الشجرة حتى 1000 عام وتصل إلى ارتفاع 40-50 مترًا. ورقة الجنكو هي رمز مدينة طوكيو في اليابان لأنها كانت أول شجرة تنمو مجددًا بعد القنبلة النووية على هيروشيما. تُعتبر أقدم نوع من الأشجار المعروفة، حيث ظهرت قبل أكثر من 270 مليون سنة. تتمتع بمقاومة استثنائية للضغوط البيئية ونجت من جميع التغيرات المناخية الكبرى. استخدم الجنكو لعدة قرون لخصائصه الطبية العديدة.
غير بعيد، يشاهد الزائر شجرة ماكلور نسبة لعالم الجيولوجيا الأمريكي ماكلور، والتي أصلها من جنوب الولايات المتحدة. يمكن أن تصل إلى ارتفاع 15 مترًا وتتميز بلحاء متشقق بني داكن. كان يستخدم خشبها في صناعة الأقواس عند الهنود. كما استخدموا الفاكهة والأوراق لصبغ وجوههم باللون الأصفر. أما في أوروبا الشرقية، فتُستخدم في الطب التقليدي لمكافحة الروماتيزم ولتسريع شفاء الجروح وكعامل مضاد للبكتيريا.
من معالم الحديقة أيضا، نخيل ذيل السمكة الذي يبلغ ارتفاع أشجاره ما بين 10-20 مترا، وموطنه جنوب الهند وسريلانكا. يتميز بسيقان رمادية فاتحة. أوراقه تتكون من سعف مزدوجة، كبيرة الحجم، خضراء داكنة، مسطحة نسبيًا وصاعدة قليلاً، مما يعطيه مظهرًا استوائيًا. تظهر الأزهار فقط في مرحلة البلوغ بعد 30 عامًا، ثم تموت الشجرة بعد ذلك. من عصيره، يتم صنع مشروب الآراك كما يُستخرج من جذعه مادة تشبه الدقيق.
يوجد كذلك نخيل تشيلي الذي ينسب إلى الملك جوبا الثاني (50 ق.م – 24 م) الذي حكم موريتانيا (شمال أفريقيا القديمة) وكان مهتمًا بعلم النبات. يمكن أن يصل ارتفاع هذا النخيل إلى 24 مترًا ولا يزهر إلا بعد بلوغه 60 عامًا. تظهر أزهاره الصفراء في الربيع، تليها في الخريف فواكه خشبية صفراء صالحة للأكل تشبه جوز الهند الصغير. يُعتبر هذا النخيل من الأنواع المهددة بالانقراض بسبب استغلاله المكثف في بلده الأصلي لاستخراج عسله المشهور.
أما شجرة سيبا، المعروفة سابقًا باسم كوريزيا، فتتميز بجذعها الشائك. أزهارها الجميلة تشبه أزهار الكركديه، تحتوي ثمارها على بذور محاطة بمادة قطنية تستخدم كحشوة (لوسائد) أو كعازل (في سترات النجاة). يُستخدم خشبها الخفيف والمرن في صناعة الورق والزوارق.

تحف
ومنحوتات نادرة

وعلى مدار 190 عاما من إنشائها، ظلت حديقة التجارب مصدر إلهام للرسامين والنحاتين الذين جسدوا أعمالا خالدة وأهدوها للحديقة لتسجيل حضورهم في المكان. ومن أكثر الفنانين حضورا، إميل جان جوزيف غوديسار الذي ولد في الجزائر في 15 كانون الأول/ديسمبر 1872 وتوفي في باريس في 29 اب/أغسطس 1956. قام بإثراء الحديقة بأعماله التي تسلط الضوء على ثقافة قبيلة أولاد نايل ومنطقة القبائل. من بين أعماله، تماثيل حجرية تعود إلى عام 1920: «راقصات أولاد نايل» و«عازف الناي» أو «قبائلي يعزف على الناي» و«امرأة من جنوب الجزائر تربط عمامتها» و«نساء عربيات يمشين ويمسكن بأيدي بعضهن البعض».
وفي إحدى برك الحديقة يظهر تمثال «العائمة» أو «المستحمّة» وهو عمل لجورج بيير لويس بيغي، نحات فرنسي ولد في الجزائر في 27 كانون الثاني/يناير 1884 وتوفي في عام 1952. «نقوش جبل العمور» هو بالمثل نسخة من إحدى أجمل وأشهر النقوش الصخرية في الجزائر؛ تظهر فيه فيلة تحمي صغيرها الذي يحاول نمر الانقضاض عليه. وقد تم اختيار هذا اللوحة الرائعة من قبل اليونيسف، في عام 1986 كرمز لحماية الطفولة.
ومن أشهر ما يوجد، شجرة رائعة من نوع «فيكس رتوزا» يطلق عليها اسم شجرة «طرزان» لأنها احتضنت المشاهد الأولى من الفيلم الشهير «طرزان؛ رجل القرد» للمخرج الأمريكي وودبريدج سترونغ فان دايك، في عام 1932 مع البطل الأولمبي السابق في السباحة جوني ويسمولر في دور «طرزان» ومورين أو سوليفان في دور «جين».
علاوة على التراث الثقافي الذي تحتويه «حديقة التجارب» فهي محاطة بعدة مواقع تاريخية، مثل المتحف الوطني للفنون الجميلة، وفيلا عبد اللطيف، ومنزل عثماني الذي يعود إلى القرن السابع عشر، ومغارة سرفانتس، والمكتبة الوطنية، وكذلك مقام الشهيد الذي يطل على الحديقة. كما يحتل الجانب العلمي شقا هاما في عمل الحديقة، حيث يزورها الجامعيون لإجراء أعمالهم التطبيقية في مجال علم النبات وحفظ التنوع البيولوجي، وهي تتيح لهم دراسة أنواع كثيرة من دون الحاجة للسفر لمسافات طويلة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية