السمات الأُسلوبية في قصص منال حمدي

حجم الخط
0

نضال القاسم في مجموعتها الثانية ‘تلك الوجوه.. هذه الأبواب’ والصادرة عن دار أزمنة في عمان تقدم القاصة منال حمدي قصصاً فريدة بأجوائها، تستحق القراءة والتأمل، تبحث فيها القاصة عن حقائق إنسانية وكونية مثقلة بصنوف من الحيرة وهموم التوتر والألم والتعب.

وتنهل أحداث المجموعة من أحاسيس داخلية مشرعة على تفاصيل الواقع المجبول بلحظات المعاناة والأمل.

إن ‘تلك الوجوه.. هذه الأبواب’ عمل متميز، لقاصة لديها طموح كبير، وهذه المجموعة تعتبر بارقة أمل جديدة على الساحة الأدبية، لأنها تبرز الجانب الإنساني والإبداعي للعديد من القضايا الاجتماعية وتقدمها للجمهور، عبر لوحات فنية جميلة تتكئ على جهد إبداعي، يعي أبعاد النص القصصي وما يشتبك معه من رؤى ومخيلة في انجذابه الى أرضية الواقع.

لقد استقت منال أحداث قصصها من الواقع ثم أضافت عليها من خيالها وإحساسها من خلال إحدى عشرة قصة، الواصل بين أغلبها ضمير مفرد متكلّم، هو الشاهد على ما يحدث بالاسترجاع عند إحالة الأحداث على سياقات أزمنة مختلفة.

ولعل الوعي والثقافة المتفتحة لدى الكاتبة جعل منها تقبل على طرق الأشياء بكل شجاعة لإبراز الحقيقة، وبلورة وجهة نظر صائبة ضمن قالب فني ممتع. وتهدي القاصة منال حمدي مجموعتها بالعبارة التالية (لأخواتي.. ولصديقاتي: دلال، سوزي، هيا، غادة.

ولأصدقاء، إن لم أذكر أسماءهم، فلأني أغمض عليهم جفوني). ثم تكتب ومضات قصيرة تحت العناوين الرئيسة لقصص المجموعة، وأود أن أؤكد أن التصديرات فى قصص ‘تلك الوجوه.. هذه الأبواب’ ليست من باب الترف أو الزينة، بل هي تدخل فى نسيج الكتابة وتم توظيفها بعناية، وأن قراءة واعية لهذه المجموعة تؤكد أن مدلولات القصص المُكوّنة لها قد تتغيّر تماماً إذا حذفنا هذه التصديرات الرائعة الموحية التي استهلـت بها منال حمدي قصصها الجميلة، فكانت التصديرات بمثابة نبراس أو فنار مضيء يتكئ عليه المتلقي وهو يخــوض مغامــرة قراءة هذه القصص، وبذلك استطاعت منال بذكاء فطرى وإبداعي وحس قصصي شفيف أن تسرع لنجدة المتلقي من تيهه إن تاه في مسيرة قراءته للنص لكي تأخذ بيده حتى يهتدي إلى ما تريد أن تقوله أو تتركه في أحيان كثيرة لكي يعمل عقله في استنتاج مدلولات من وراء أسطرها تزيد النص طزاجة وطلاوة ولا تبتعد كثيراً عما تبغي أن تقوله وما تريده أن يصل إلى المتلقي ساعدها في ذلك كثيراً قدرتها على استخدام ضمائر القص بشكل يعكس رؤيتها الفاحصة للذات الإنسانية في جميع تجلياتها وخاصة في مراحل الضعف الإنساني المرئي والخفي.

إن هذه المجموعة التي تتناول صاحبتها شرائح اجتماعية مختلفة تضيف جديداً، لأن منال حمدي عبّرت عن سلوكيات ومشاعر إنسانية حقيقية، وكشفت الغبار عن العديد من الصور الباهتة، فيما أبرزت النماذج الجميلة والمتألقة، ولم تركز فقط على المظهر الخارجي للشخصيات حيث كشفت القاصة بجدارة عن الخبايا النفسية لهذه الشخصيات.

وحين يمس أي عمل أدبي شغاف القلب، ويتمكن صاحبه من خدمة نفسه وخدمة المجتمع يكون هذا العمل جيداً.

وتسعى منال حمدي في مجموعتها إلى كشف أسرار اللعبة الكتابية وعرضها بوضوح أمام القارئ، وهي لا تتوقف عن توليد المتعة الفنية في قصصها، عبر لغة بسيطة وسرد سلس، النص لا يتخفّى وراء تقنيات وألاعيب وحيل فنية، بل يتكون منها ويتشكل نسيجه من أدواتها.

أما الوجه الأول الذي يطل علينا في المجموعة فهو وجه ‘الخياطة’ في قصة ‘يشربه الورد أحياناً’ وهي القصة الأولى في المجموعة.

وفي القصة تدير الساردة ببراعة حواراً من طرف واحد بين هذه الفتاة المتعطشة للجنس وبين أحد المانيكانات الموجودة لديها داخل البيت، في محاولة منها لأن تروي ظمأها الغريزي من خلال ممارسة الجنس مع هذا التمثال الأصم إلا أنها تدرك بعد كثير من المحاولات والإغراءات التي قدمتها من أجل استثارته أن لا فائدة تُرجى من التعامل معه، فهو مجرد تمثال بليد لا يملك ما تحتاجه منه من المشاعر والأحاسيس فتلجأ إلى وسيلة أخرى للحصول على مبتغاها لإطفاء نار الغريزة المشتعلة في جسدها.

أما قصة ‘باب سحري.. درجات متحركة’ فتدور أحداثها حول شابة مصابة بكسر في الساق والتهاب في العظم وأثناء وجودها في المستشفى تشعر بأنها وحيدة وأنها تفتقد إلى أمها التي توفيت منذ وقت قريب فتلجأ إلى الاتصال معها وتلصق السماعة على أذنها بترقُّب لتسمع على الطرف الآخر عبارة تقول ‘رقم الهاتف المتنقل المطلوب مفصول وشكراً’. ولا شك أن المشهد الذي أرادت القاصة التعبير عنه كان مشهداً مؤلماً، فنحن لا نشعر بقيمة من نحبهم إلا في لحظات الضعف، وكأني بمنال وقد أرادت أن تقول لنا من خلال القصة ما قاله الشاعر العربي القديم، وفي الليلة الظلماء يُفتقدُ البدرُ.

وأما في قصة ‘سقوط الأبيض’ فقد أبرزت الكاتبة نموذج فتاة تعاني من تشوهات في الرحم منذ طفولتها تجعلها غير قادرة على الإنجاب في المستقبل، ولسوء حظها تشاء الأقدار أن ترتبط هذه الفتاة بعلاقة حب مع إبن صديقة والدتها والذي كان الذكر الوحيد على ست بنات في عائلته، مما جعل والدته تقف في طريق هذا الزواج وتخطب له فتاة أخرى غير التي أحبها وأحبته.

ويمكننا القول من خلال هذه القصة أن وظيفة السرد إذاً كشف حياة السارد بواسطة المسرود وتحريرها من الصمت.

القاصة تتقن التنقل بخفة بين السير والحيوات، تعرف جيداً كيف تداخل بينها، وتعقّد مساراتها من دون أن تترك أي التباس في ذهن القارئ، أو تشتت تقني يقطع تدفق النص.

وأما في قصة (نجوم في بلّورة) فتعرض القاصة لنماذج جديدة من الشخصيات، حيث تعرض القصة قصة أم تعيش وحيدة مع ابنها الأصم الذي يعاني من الوحدة، على الرغم من أن والدته تحاول على الدوام أن تفعل له كل ما يريد، ويبدو أن هذا كان هو السبب وراء شعوره بالوحدة، فهو كغيره من البشر يحب أن يختار ثيابه وأن يمشط شعره وأن يخرج لوحده وأن يقلّب محطات التلفاز كيفما يشاء.

وعلى الرغم من أن فكرة القصة جميلة، وشخصياتها مبتكرة، إلا أن القاصة استعجلت في طريقة المعالجة ولم تتأنَ كما ينبغي حتى تصبح القفلة مناسبة للقصة، كما أن الأجواء العامة داخل القصة تسيطر عليها حالة من الرتابة المميتة والقاتلة التي تبعث على السأم في حياة هذه الطفل، ويبدو أن اختيار عنوان (نجوم في بلورة) كعنوان للقصة يؤشر على حالة الحصار والوحدة التي يعيشها هذا الطفل الأصم ومن هنا فقد كانت أحواله تشبه أحوال النجوم الموجودة في البلورة الزجاجية التي كان يلعب بها.

وفي قصة ‘رائحة شياط ‘ تعود بنا القاصة من جديد للمستشفى وأجواءه حيث تذكرنا هذه القصة بقصة ‘ باب سحري.. درجات متحركة ‘، ومن الواضح من حيثيات القصة أن الشخصية الرئيسة في القصة ذهبت لعلاج ساقها وهذا هو بالضبط ما تحدثت عنه القصة الأولى. وأما الغريب في القصة فهو عنوانها والذي لا علاقة له من بعيد أو قريب بمجريات القصة وأحداثها.

ومن خلال قصة ‘ قشور سهلة’ تعود القاصة من جديد للحديث عن الأنثى غير مكتملة الأنوثة، وهذه المرة يكون الأمر بسبب إصابة السيدة بمرض الصدفية المنتشرة في باطن قدمها مما كان يسبب لزوجها حالة من التقيؤ اللاإرادي كلما كان ينام معها مما اضطرها إلى الانسحاب من حياته والرحيل إلى بيت جديد حتى تشفى. ولن أطيل هنا الحديث عن هذه السيدة لكنني أود أن أؤكد أن هذه ليست المرأة الوحيدة في المجموعة التي تعاني من أنوثة ناقصة، حيث أن الفتاة في قصة ‘سقوط الأبيض’ تعاني من نفس الحالة.

مما يجعلنا نؤكد أن ثمّة مشترك دلالي تقريبيّ يصل بين مُختلف وجوه القصص بمتعدّد اللحظات والشخصيات والمواقف.

وفي قصة ‘الطابور’ ينزلق شاب ليقف خلف فتاة أثناء انتظار مجيء الحافلة، ويبدأ بالالتصاق أكثر وأكثر مما أثار غريزة الفتاة وبعد مجيء الحافلة ورغبةً من الفتاة في البقاء إلى جانب هذا الشاب فما كان منها إلا أن قامت بالطلب من كنترول الباص أن يجلس أحد المسنين مكانها مع أن الدور كان لها لكنها فوجئت بعد حين بأن الشاب عندما انطلقت الحافلة كان يقف خلف امرأة أخرى داخل الحافلة تدير له ظهرها، وهنا يمكن القول أن القاصة نجحت في إحداث عنصر المفاجأة في القصة، فقد جاءت النهاية على غير ما يمكن أن يتوقع القارىء.

ويمكن القول أن هذه القصة هي أكثر من مجرد اعترافات امرأة، وهي بلا أدنى شك صورة لواقع المرأة العربية في مجتمع يمارس سلطة القهر والمتعة.

وفي قصة ‘قميص جسده’ يظهر لدينا وجه جديد، وهو وجه الفتاة الرومانسية الحالمة، هذه الفتاة العاشقة تحلم بشاب لكنها ما زالت عاجزة عن مكاشفته بحبها له.

وفي القصة بوح أنثوي يثير الكثير من القضايا المسكوت عنها، يمزقها أحياناً وأحياناً أخرى يعريها حد الرفض.

وفي قصة ‘اللوحة’ يدور حوار بين السيدة والخادمة حول الزوج الرسام فتؤكد السيدة للخادمة أنها كانت مجنونة عندما تزوجت من رسّام تخبله الأوان، وتجعل حياتها معه بلا لون ولا طعم ولا رائحة، وأما الزوج الرسام فقد فاجأ زوجته ومتذوقي الفن الذين جاؤوا لحضور افتتاح معرضه الأخير حينما كشف الغطاء عن اللوحة المغطاة والتي كانت تمثّل صورة للخادمة التي تعمل في بيته وقد ألبسها في اللوحة ثوب الموناليزا بابتسامتها المحيرة، بينما شكّل زوجته في المقابل على هيئة قزم مشنوقاً بحبل السيفون الملتفّ حول رقبتها! مما جعل أنظار الحضور تتجه للزوجة، وعند ذاك عجَّلَت بالرحيل. وأما في قصة ‘أصدقاء برسم البيع’ فيتزامن وجود فتاة في محل بيع كتب قديمة مع وجود شخص يريد أن يبيع كتب عليها إهداء من صديقه المؤلف، فما كان من هذه الفتاة إلا أن قامت بشراء الكتب واتصلت بالمؤلف لتخبره أن صديقه الذي يهديه أعماله القصصية والروائية يقوم ببيعها لمحل الكتب القديمة.

وقد لجأت الساردة في قصة ‘هذه ليلتي’ إلى إدارة حوار بين شقيقتين، إحداهما متحررة، والثانية محافظة ومنتمية لإطار فكري.

وقد جاءت القصة في صور متعددة لأقنعة رأتها الكاتبة صوراً من الزيف والتنكر وقهر الذات، من خلال صورة المرأة في الآخر من غير أن تكون المرأة هي المرأة وإنما صورة لغير ذاتها.

ولا شك أن القاصة أرادت من خلال القصة أن تقدم وجهتي نظر الطرفين لكنها انتصرت في النهاية لفكرة التحرر من المنظومة الدينية والعقائدية، ولا أرى أن النقد اللاذع الموجه للحجاب وللتعاليم الدينية كان شرطاً أساسياً من شروط نجاح القصة، فالجرأة على الدين لن تكون في يوم من الأيام طريقاً لنجاح المبدع، ومن يظن ذلك يكون باعتقادي مخطئاً.

ويرى المتابع لقصص المجموعة أن منال قاصة مبدعة وقادرة على توظيف التقنيات بحنكة، فهي تعرف متى تستخدم ضمير الغائب عندما ترصد أحدثاًَ خارجية وواقعية وتقع في محيط الذات المادي والاجتماعي ولكن عندما تتحدث عن ما يعتمل داخل الذات من فوران وغليان نتيجة أخطاء بشرية مزرية تصل إلى حد الخطيئة فإنها تلجأ إلى ضمير المتكلم للولوج أكثر إلى داخل الذات، هذا الداخل المعتم والغامض والذي لا يصلح مع رصده في الكتابة سوى ضمير المتكلم الذي يساعد الشخصية/ السارد على سبر أغــوار ذاته والعمل على استبطان هذه الذات، وهذه اللعبة التي أتقنتها منال إلى حد الإجادة في قصصها واتكأت عليها ببراعة في رصـد انفعالات شخصيات قصصها ومحاولة الوصول إلى أنقى صورة للذات استخدمتها القاصة بما يضيف للنصوص جماليات ما كانت توجد في مثـل هذه النصوص لولا هذه البراعة في الرصــد وهذه القدرة على توظيف الضمائر في المـواقف المختلفة كما أنني أود أن أضيف أيضــاً براعة أخرى تجلّت في هـذه النصوص القصصية الجميلة وهي قدرة منال على التحليل السيكولوجي للشخصيات، ومع أن هذه الميزة واحدة من مميزات كتابة القصة الحديثة أو المعاصرة إلا أن أهم ما يميز منال ويجعلهـا تختلف عن باقي كتاب القصة الأردنية المعاصرة هو الوصول إلى أعمق نقطـة من الذات والتعامل معها بشكل أفقي مستعرض وليس كما هو شائع في القصص الجديدة بحيث يتم التعامل معها بشكل رأسي عمودي من منطلق ما يطلق عليه الإسقاط الفـني على الواقــع. ولئن اتـّجه السّرد القصصيّ إلى كتابة البعض من التفاصيل بواقعيّة المعيش اليوميّ، باستثناء ‘اللوحة’ و ‘أصدقاء برسم البيع’، حيث الأفكار تتدخّل استناداً إلى ثقافة الكتابة عامّة فإن للشخصيات حضوراً بارزاً، بل إنّ السرد القصصيّ، هنا، هو في الأساس والبدء والمَرجع، سرد شخصيّات:

الخياطة وزبونتها- المريضة والطبيب – الفتاة التي لها رحم طفلة ووالديها والطبيب – الأم وابنها الأصم – الفتاة والطبيب الزوج وزوجته المصابة بالصدفية – سائق الباص والفتاة والشاب – الفتاة العاشقة وشقيقتها والشاب الذي تحلم به وتذوب في هواه- الرسّام وزوجته وخادمته- بائع الكتب القديمة والفتاة المثقفة والمؤلف المشهور- الشقيقتان.

ومن الملاحظ أن العديد من قصص ‘تلك الوجوه.. هذه الأبواب’ قدمت القاصة شخصياتها بلا أسماء، والسؤال الذي يطرح ذاته هنا، هل في ذلك رغبة من القاصة في الخروج من الملامح والأطر الفردية، إلى صوت الجماعة ومنح البطل بعداً جمالياً؟. وفي تقديري أن القاصة أرادت أن تقول لنا أن اسم الشخصية القصصية قد لا يضيف للشخصية شيئاً وإن كانت ثمة أسماء لها دور في تحديد ملامح الشخصية، غير أن ذلك قليل جداً، إن اختفاء الأسماء عادةً ما يكون له مسوّغاته، والتي منها التأكيد على الشخصية الفردية وتضاؤل الشخصيات الأخرى أو انعدامها، فأغلب شخصيات قصص منال حمدي شخصيات فردية لا ترتبط بغيرها إلا بما يساعد على نمو الشخصية وتطورها وتصوير الحالة التي هي عليها الشخصية. لكل ذلك و لغيره، فإن قصص هذه المجموعة تمنح للمتلقي متعة القراءة، وتوفر للناقد المتخصص فرصة التأمل.

ولئن اختلفت الأقاصيص باختلاف اللحظات والأساليب فان الجامع بينها رُوحٌ كتابية متوهجة تسعى إلى انتهاج سبيل السرد القصصيّ الموحي الجميل، وتعتمد كيمياء الحكاية ووهج الشعر في بنية نصيّة محكمة السبك.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية