عمر بن الخطاب على الشاشة: حاكم عادل وظلمة..

حجم الخط
0

نعم تجسست على عبد الناصر زهرة مرعيقبل حلول شهر رمضان المبارك على المسلمين كان جدل عنيف يدور حول مسلسل عمر بن الخطاب أو فتى قريش، وتوقيته في هذا الزمن العربي والإسلامي الصعب. تمنيات على مستويات إسلامية رفيعة انطلقت بعدم بث هذا العمل الدرامي الديني والتاريخي في هذا التوقيت. وأخرى لها موقف ثابت من الدراما في تناولها لسير الصحابة وهي تحذر منها بصورة قاطعة. فليس مسلسل عمر بن الخطاب وحده كعمل ديني تاريخي يغرق في جدل حول صواب أو عدم صواب تجسيده درامياً، فكل ما سبقه من أسماء بارزة في التاريخ الإسلامي نالت القدر الكبير من وجهات النظر، منها الرافض ومنها المؤيد. وهذا طبيعي.

عندما يكون عمر بن الخطاب في ذاكرة الأجيال الإسلامية والعربية رمز للعدل والتسامح خلال توليه خلافة المسلمين، فلماذا يقول هذا أو ذاك من المحللين، ومن المعترضين على توقيته، بأنه عمل غير بريء؟ عمل غير بريء في توقيته بحسب البعض تبعاً للجهة المنتجة وهي السعودية وقطر. فعمر بن الخطاب الذي تمّ تصنيفه كأحد أضخم الإنتاجات العربية سيتم بثه على قناة MBC هو من تأليف وسيناريو الكاتب وليد سيف، والذي بلغته الإعتراضات الدينية على المسلسل، والخشية من أن يسيء إلى الإسلام. وليد سيف كان بسيطاً في تعليقه: وهل نحن نخاف على الإسلام من مسلسل يسيء إليه؟

الجدل حول مسلسل عمر بن الخطاب بلغ قناة BBC التي عقدت ندوة حوله وكانت تساؤلات. فهل صحيح أن الدراما التي تتناول سير الصحابة وغيرهم من المسلمين تنال من وقارهم؟ وتنال من قدسية التصور الذي في الأذهان عنهم؟ وهذه الصور في النهاية مستمدة من سيرة حياتهم، إذ لا صورة حقيقية لهم. ناقد من القاهرة أصر في حواره مع تلفزيون بي بي سي بأن توقيت ‘الإنتاج والبث في هذا التاريخ بالتحديد ليس بريئاً أبداً.. الواقع الإسلامي متردي بالفعل.. وتحسين الصورة يفترض تحسين الفعل بالنظر إلى الجهة المنتجة.. عمل تاريخي ديني يعني أنه يحمل رسالة ويريد قول شيء ما.. هل يستطيع صناع المسلسل أن يقولوا كل شيء الآن؟ في فتوحاتهم خاض المسلمون معارك تقترب من الجرائم.. فهل يستطيعون قول هذا؟ في مصر 40 بالماية من الأميين الذين سيكونون رؤية عن سيدنا عمر من خلال هذا المسلسل، فأي صورة ستقدم لهم؟’ناقد من بيروت أكد الحاجة لأن يكون المسلمون على خطى الصحابة والأتقياء في الإسلام. لكن بعض الأعمال الدرامية ‘تشوه صورهم في الأذهان. فمسلسل الحسن والحسين قدم الحسين رقيق العود هزيلاً لا يستطيع أن يحمل سيفاً، وهذه ليست صورته في الأذهان’. تمنى الإتفاق على سير الصحابة للوصول بها إلى نهايات إيجابية لا تهز الصور الذهنية عنهم، بحيث يتم ربطها بهذا الممثل أو ذاك.

ما تحاشى قوله الناقدان من كل من بيروت والقاهرة قاله مقدم الحوار من لندن: إنها بروباغندا لمجموعات قد تُفهم على أنها سنية متطرفة؟ وداهم الوقت الجميع رغم الحاجة للتوضيح. وبدءاً من اليوم سيكون مسلسل عمر بن الخطاب على الهواء، وبغض النظر عن الجهات الدينية التي ترفض رفضاً قاطعاً تجسيد سير الصحابة، أليس ممكناً أن يكون الكاتب وليد سيف، والمخرج المتميز حاتم علي قد ركزا وجهتي نظرهما في سيرة الصحابي الكبير عمر بن الخطاب، على ما جمع المسلمين في ذلك الحين من قيم ومبادئ، لتكون نبراساً لحاضرنا المتشظي طولاً وعرضاً؟ وهل تحتاج كل من السعودية وقطر لمسلسل درامي يدعم سياستهما في عالم المسلمين؟ ألا تكفي أموالهما للإقناع؟

عمر بن الخطاب صحابي جليل وعادل وتقي لم يكن لينام قبل تفقد رعيته. وسيرة تخفيه لمعرفة أحوال المسلمين، واكتشافه لتلك المرأة التي كانت تمني نفس أطفالها بالعشاء، في حين كانت تضع في قدرها بحصاً لإيهامهم بالطعام، نعرفها منذ نعومة أظفارنا. تألم الفاروق وتحسر لهذا المشهد الذي عاينه بنفسه. عوض على المرأة ـ الأم وصار مشغولاً بالعدل بين الرعية أكثر مما كان. كم لدينا في عالمنا العربي والإسلامي من قدور فيها بحص يُطهى؟ وكم لدينا من ملايين الجياع؟ ومنذ هذا اليوم وفي شهر رمضان الفضيل يبدأ موسم البذخ والصرف على الموائد الرمضانية، فيما تغيب عنها قيم رمضان، وقيم ذلك الرجل الذي نجل في تاريخنا وهو العادل والفاروق. ولو كان العادل والفاروق على قيد الحياة لآثر دون شك أن يتم تحويل الأموال السخية على ‘الإنتاج الأضخم عربياً’ لفقراء السعودية ومحتاجيها، وليس على الدراما. لسنا بمواجهة مع الدراما الدينية التاريخية، لكن في مرحلتنا الحرجة جداً نحن نحتاج لقيم ومبادئ عمر بن الخطاب الحقيقية وليس لسواها من أهداف قد تظهر في متابعتنا للمسلسل، أو لا تظهر. لكن ما من مال يصرف هباء.

نعم تجسست على عبد الناصرصاحب برنامج الحقيقة على قناة دريم وائل الأبراشي جمعنا من خلال الشاشة مع اللواء المتقاعد في الجيش المصري طه زكي الذي عمل لمدة 12 سنة في شعبة التجسس على الهاتف، والتي كانت قائمة في مبنى وزارة البريد. ترك هذه المهمة في سنة 1971 لأنه أحيل على المعاش. وعندما كان يطلب تركها قبل ذلك كان بين خيارين: أما البقاء حيث هو ليتابع الطريق أو السجن الحربي. وهذا التهديد أو لنقل التخيير كان يتلقاه من اللواء حسن طلعت، وهو فضل الأول.

في أحاديث هؤلاء الرجال ما يثير ويجذب للاستماع. فالرجل كان ممسكاً بأصوات العباد وإحصاء أنفاسهم، من الرئيس جمال عبد الناصر وصولاً إلى عبد الحليم حافظ ‘الذي كان بيكلم نسوان كتير يعني’. إلى أم كلثوم التي كانت تمد مصطفى أمين ‘بالفلوس لما كان ينزنق’. وكذلك كان حال سعاد حسني في المراقبة والتسجيل. لماذا سعاد حسني يا أخي؟ يسأل الأبراشي ‘بهداوة’. الإجابة بسيطة وجاهزة على لسان كل أجهزة التجسس ‘يمكن الفنانة دي تكون على علاقة بحد أجنبي. جاسوس يعني’! وعندما قال الأبراشي لضيفه وبغاية الرواق: 12 سنة تجسس.. 12 سنة في استباحة حياة الناس! ‘دي شغلتي.. أنا بشتغل.. شُغلة واتحطيت فيها.. راقب دا أقول حاضر’. هذا كان الرد. طه زكي الذي كان يتلقى الأوامر من زكريا محي الدين وصفه بالذكي. فهو لم يقل لنا بمراقبة جمال عبد الناصر، بل راقبوا محمد حسنين هيكل. والأخير كان يتصل بالرئيس أكثر من مرة في اليوم. أما الاسمان الحركيان لكل من عبد الناصر وهيكل فهما على التوالي الأسد وقلب الأسد.

إنه التجسس الذي يبرر بأنه لصالح أمن الدولة ـ أي دولة ـ في كل العهود والعصور، موجود حتى في الولايات المتحدة الأميركية حيث الغناء بالحرية سيرة دائمة. وقد توسع التجسس على الهاتف ليطال ملايين المواطنين بعد تفجيرات 11 سبتمبر. أما في دول العالم الثالث فالتجسس الذي يبررونه لصالح أمن الدولة والنظام يصل إلى غرف النوم ليس بالصوت فقط، بل كذلك بالصورة، ويبدأ الإبتزاز. وائل الأبراشي يتحفنا دائماً بما هو مثير للإهتمام، ويساهم في الغالب بقول وكشف الحقيقة. وفي غزة النساء صنو للرجالجميلة وغنية ومفيدة هذه الفقرة المسماة ‘نافذة على فلسطين’ من قناة الميادين. هو التزام حقيقي بخبر يومي عن فلسطين البعيدة عن العين واللصيقة بالقلب. التزام يومي من قناة الميادين التي وجدت في فلسطين بوصلتها الأساس، وحددت زمنها بتوقيت القدس الشريف. من غزة جمعتنا مراسلة الميادين بثلاثة نماذج لنساء اقتحمن مهن الرجال. إنها المرأة النجارة التي كونت لذاتها ورشة وأتقنت تقطيع الخشب وفق المطلوب. تألمت يداها بداية من ثقل الآلات. واعتادتها لاحقاً. إنها مادلين صيادة السمك التي ترمي الشباك عصراً وتعود إليها صبيحة اليوم التالي. مادلين اليافعة العود ملأت صورها وسائل الإعلام كافة، منذ زمن. حلت مكان والدها المريض. صار الصيادون آباءها وإخوتها في البحر. وكذلك المرأة الفلسطينية نادلة. إنها مهن لم تعد قاعدتها ذكورية وحسب بل بدأت النسوة تحفرن فيها مطرحاً، وبجدارة.

ليس بجديد أن تكون المرأة الفلسطينية في كافة المهن. فهي كثيراً ما أعالت عائلتها في الشتات وأرض الوطن المحتل أو المحاصر. المرأة التي أنجبت المقاومين للاحتلال على مدى 64 سنة ليس بغريب أن تتصدى لكافة المهن.

صحافية من لبنان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية