حيدر العبادي بين مطرقة إيران وسندان الصقور والحمائم الأمريكية

حجم الخط
1

على هامش مناقشة وإقرار مشروع موازنة الدفاع الأمريكية لعام 2016 البالغة 534 مليار دولار، المعروضة أمام الكونغرس الأمريكي، تناقش لجنة القوات المسلحة الأمريكية – وهي إحدى أهم لجان مجلس النواب الأمريكي – إستراتيجية التعامل والتعاطي المستقبلية الجديدة مع العراق، التي تتعلق بالتمويل والدعم مقابل جملة من الشروط المباشرة وغير المباشرة التي يتطلب تنفيذها من قبل الحكومة العراقية بضمانة كل من وزير الخارجية والدفاع الأمريكيين أمام الكونغرس، خلال مدة 90 يوما كحد أقصى. فقد تم إدراج مشروع قرار التعامل مع العراق عبر إستراتيجية جديدة وشروط مباشرة وغير مباشرة، تُظهر بشكل واضح حجم النزاع الموجود داخل الكونغرس الأمريكي بين قطبي الحمائم والصقور المتمثلين بالحزب الديمقراطي والجمهوري، لاسيما الخلافات التي برزت بعد توقيع الاتفاق المبدئي الذي تم التوصل إليه مع إيران حول ضبط البرنامج النووي الإيراني الذي لاقى معارضة شديدة من أعضاء كثر في الحزب الجمهوري داخل الكونغرس.
وقفة مع شروط (فرص ومعرقلات) تمويل الحكومة العراقية ومشروع تمويل المكونات المذهبية والقومية، كبديل ثاني من قبل الحكومة الأمريكية في حالة عدم التزام حكومة حيدر العبادي ببنود تقليل التعاطي مع إيران وتحجيم دور الحشد الشعبي في العراق، مع إعطاء فرص للمكونات الأخرى لكي تأخذ دورها في صياغة شكل الأمن والدفاع العراقي :
التمويل والدعم الحربي الخارجي الأمريكي المباشر والمعلن بحسب الدستور الأمريكي لا يمكن ان يكون لمكونات وجماعات غير رسمية، لذا اقترح الكونغرس التعامل مع المكونات العراقية السنية والكردية كأقليات تحاول الاستقلال وتقرر مصيرها كدول والدفاع عن أراضيها. وهذا ما سيسمح بتمويل هذه المكونات وإيجاد مخرج قانوني ودستوري لها لتمرير القرار من الكونغرس إلى الرئيس.
مشروع التمويل يندرج بين بنود إستراتيجية الدفاع الأمريكية لعام 2016، التي يناقشها الكونغرس. بيد ان الفقرة الخاصة بمشروع قانون تمويل الحكومة العراقية وإعداد استراتيجية متكاملة ستكون من مهمة لجنة القوات المسلحة التابعة للكونغرس، من ثم سيعرض على مجلس النواب من ثم مجلس الشيوخ، وبعد كل هذا سيخرج بصورة ربما تكون متغيرة بشكل كبير عما بدأت عليه في مشروع القرار الرئيس، من ثم يذهب المشروع إلى الإدارة الأمريكية المتمثلة (بالرئيس ووزرائه ومستشاريه)، واحتمالات استخدام الفيتو الرئاسي واردة إذا كان القرار بالصورة التي تخالف تطلعات الرئيس أوباما مع اتفاقاته المبدئية التي تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني.
واحتمالات الرفض متأتية أيضاً من أن عرابي هذا المشروع هم من صقور الحزب الجمهوري في الكونغرس ومن معارضي الاتفاق النووي الإيراني، فحجم الخلاف الدائر مع الديمقراطيين الحمائم سينعكس بشكل جلي على شكل القرار الذي سيخرج، سواء بالرفض او بالقبول .
يحوي تقرير إعداد إستراتيجية الدفاع الوطني الأمريكي لعام 2016 على اكثر من 500 صفحة، خمس صفحات فقط تناقش احتمالات تمويل الكرد والسنة كأطراف مستقلة خارج الحكومة العراقية، تستمد هذه الاحتمالات قوتها من درجة استجابة أو عدم استجابة الحكومة العراقية للمطالب الأمريكية المتعلقة بتحجيم وتقزيم وحد دور قوات الحشد الشعبي، التي تقول عليها الإدارة الأمريكية إنها مدعومة من إيران وتنفذ الأجندات الإيرانية في العراق.
إذا ما مر المشروع ووافق عليه الجميع (لجنة الدفاع الوطني – مجلس النواب والشيوخ – من ثم الرئيس)، ستكون هناك مهلة تعطى من قبل وزيري الدفاع والخارجية الأمريكيين (ثلاثة اشهر) تتعهد من خلال هذه المهلة الحكومة العراقية بالحد والتقليل من التدخل الإيراني وضبط الحشد بصورة اكبر. وإذا ما فشلت الحكومة العراقية في ذلك فإن الولايات المتحدة ستنتقل الى المرحلة الثانية من المشروع، بأن تسحب الدعم المتمثل بأكثر من 75٪ من الحكومة لصالح المكونات الأخرى.
العبادي لن يستطيع الاستمرار طويلاً بالتوازن ما بين إيران والولايات المتحدة. فالطــرفان يضغطان بشكل كبير جدا على حكومته، وكل طرف يهدد بورقة ضغط قد تكون قاسية على العراق ككل، وليس على جزء معين منه. فمسك العصا من المنتصف لن يعزز موقف العبادي أبداً على الأرض، ولن ينجح في استمرار برنامجه الحكومي الذي أتى من أجله.
العبادي أمام مفترق طرق خطير يتعلق بمستقبله ومستقبل العراق أيضاً، فإما ضرب كل من (المالكي والخزعلي والعامري) والذهاب باتجاه التحالف مع الولايات المتحدة بشكل كلي لإفشال مشروع تمويل السنة والكرد وبقاء العراق كما هو عليه كنصف دولة إلى إشعار آخر، أو رفض البرنامج الأمريكي للتمويل والذهاب باتجاه إيران بشكل شبه كلي مع سحب اكثر من 75٪ من الدعم الأمريكي للحكومة العراقية وتحويله للمكونات السنية والكردية والتعامل معها على أنها دول.
حجم التمويل الأمريكي للعراق يقدر بـ 750 مليون دولار، من ميزانية دفاع أمريكية تقوم على أساس 534 مليار دولار. الدعم يشمل التمويل النقدي للحكومة، بالإضافة إلى الدعم الجوي للتحالف والاستشارات الأرضية لمتخصصين عسكريين أمريكان، مع دعم استخباراتي معلوماتي، بشرط تحجيم الحشد وإعطاء دور اكبر للسنة والكرد.
من الواضح جدا، أن هناك صراعا عنيفا جاريا داخل الكونغرس، وهو شبه محسوم للجمهوريين الصقور والمؤيدين لهم على حساب الديمقراطيين الحمائم، وأن هناك صراعا آخر جاريا من جهة ثانية بين الكونغرس والإدارة الأمريكية المتمثلة بالرئيس ومستشاريه ووزرائه الداعمين له، وإمكانيات حسمه واردة لصالح اوباما على اكثر تقدير لغاية عام 2016 (عام انتهاء ولايته الثانية). فتحديد استراتيجية جديدة للتعامل والتعاطي مع العراق تتصادم مع رغبات أعضاء الكونغرس الجمهوريين الراغبين بدعم جزء معين من العراق وليس دعم العراق كوحدة متكاملة، اعتراضاً على الوجود الإيراني المتمدد في العراق من جهة، وعلى التوصل إلى اتفاقيات مبدئية لتسوية البرنامج النووي الإيراني بين الإدارة الأمريكية والإيرانيين، التي أعدها بعض الجمهوريين مثل جون ماكين أنها مذلة لتاريخ أمريكا العظيم، من ثم محاولة الضغط لإعادة ترتيب بنود الاتفاق النهائي بشكل يخرجه من إطاره الحالي غير المرضي لصقور الحزب الجمهوري.

٭ كاتب عراقي

علي بشار بكر أغوان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية