قبل أن يبدأ الرئيس الأمريكي جو بايدن جولته في أوروبا للمشاركة في احتفالات يوم النصر بالحرب العالمية الثانية بفرنسا ومن ثم مشاركته في قمة الدول السبع في إيطاليا، أعلن عن مبادرة لوقف إطلاق النار وطالب هو ومساعدوه والمتحدثون باسمه حماس بقبول الخطة، في وقت دعا فيه كتاب صحف الفلسطينيين للضغط على حماس كما بدا من مقالة للمعلق ديفيد إغناطيوس في صحيفة «واشنطن بوست» (5/6/2024) وقال إن بايدن محق في قوله وحان الوقت لوقف الحرب البشعة في غزة.
وهم غزة الجديدة
ولكنه وضع الكرة في مرمى حماس، وتساءل عن السبب الذي لا يطالب فيه الفلسطينيون حماس، التي زعم أن مقاتليها مختبئون في الأنفاق وتحت أنقاض القطاع قبول الخطة وعندها ستبدأ عملية الإعمار. ويرى أن وجود حماس قام على رفض السلام مع إسرائيل، لكن من مصلحة الفلسطينيين قول نعم لخطة بايدن، والتي علينا تذكر أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قال إنها غير كاملة ويريد مواصلة الحرب حتى النهاية. ويقول إغناطيوس إن المفاوضين تحدثوا في وثيقة غير منشورة عن الخطوط العامة للخطة، والتي جاء فيها إنه ومن اليوم الأول لوقف إطلاق النار سيتم السماح بدخول المساعدت الإنسانية وحوالي 600 شاحنة حسب الخطة المعروضة. وبالنسبة للفلسطينيين الذين نزحوا من بيوتهم فسيعودون إلى 60.000 بيت مؤقت قادرة على استيعاب 200.000 شخص. كما وسيتم إعادة تأهيل المستشفيات والمخابز إلى جانب إعادة إعمار الطرق والكهرباء ومحطات المياه. وستقود الأمم المتحدة ومصر وقطر جهودا دولية لإعادة إعمار شاملة للبيوت والمدارس وكل المؤسسات الحيوية التي تم تدميرها. ويتحدث إغناطيوس عن غزة جديدة التي سيتلاشى فيها الجوع ويحل الأمل محل اليأس وربما ازدهار في مرحلة ما بعد الحرب. وماذا ستحصل إسرائيل مقابل هذا؟ عودة الأسرى الأحياء وجثثت الأموات وعدم قدرة حماس على القيام بهجمات مثل هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 حسب أحد مسؤولي البيت الأبيض، وهو أمر أقل من «النصر الكامل» الذي يتحدث عنه نتنياهو، الذي سيحصل على جائزة قتل قادة حماس أو عدم ظهورهم أبدا للعلن. بالإضافة إلى هذا فلن يكون حكم حماس لغزة قائما، ويرى وزير الدفاع الإسرائيلي يواف غالانت أن حكم غزة يجب أن يديره الفلسطينيون. وحتى في ظل الهدنة، فستحتفظ إسرائيل بحق استهداف مقاتلي حماس. ونقل عن مسؤول بارز: «إسرائيل لديها دائما الحق، كأي دولة ذات سيادة للعمل ضد التهديدات التي تؤثر على أمنها».
ويقول إغناطيوس إن الجبهة اللبنانية حاضرة في خطة بايدن الأخيرة، حيث يقول مسؤولو الإدارة إنه في اللحظة التي يبدأ فيها تطبيق الهدنة، فسيحاولون الدفع من أجل التوصل لاتفاقية تجبر حزب الله على الانسحاب لمسافة 10 كيلومترات من الحدود اللبنانية-الإسرائيلية. ويكرر الكاتب رؤية أمريكا حول وعود الهدنة المتعلقة بتطبيع العلاقات بين إسرائيل والسعودية. وكما قال بايدن فإن اتفاقية غزة قد تجعل إسرائيل مندمجة بعمق في المنطقة و«كجزء من شبكة الأمن الإقليمي ضد إيران».
اجترار الكلام
والمشكلة في كلام إغناطيوس والمعلقين الأمريكيين الذين ينقلون أخبارهم من مصادر صنع القرار أنهم ومثل الإدارة نفسها ومنذ بداية الحرب تجتر نفس الكلام، عن حل الدولتين وعن التطبيع كجائزة لنتنياهو، والحديث المتواصل عن حل الأزمة الإنسانية وطرق حلها بدون فعل أي شيء سوى مواصلة دعم إسرائيل دبلوماسيا وعسكريا ومهاجمة أي جهة دولية أم محلية تنتقد حملة إسرائيل في غزة. فحملة القتل اليومي لم تتوقف، وفي كل يوم ترتكب إسرائيل مجزرة جديدة، وكان آخرها تلك التي نفذت بمدرسة تابعة للأونروا. وما لا يعترف به الأمريكيون أن إدارة بايدن عاجزة عن وقف الحرب ولا حتى التأثير على حليفها نتنياهو لتغيير مساره، بل وكافأه رئيس مجلس النواب بدعوة لإلقاء خطاب أمام جلسة مشتركة للكونغرس في 24 تموز/يوليو. لكن السؤال عن سبب قبول حماس صفقة الهدنة الجديدة. وهو ما أشار إليه ديفيد هيرست بمقال نشره موقع «ميدل إيست آي» (6/6/2024) حيث قال إن توقيع قادة حماس على وثيقة كهذه، سوف يعني أنهم سيرفعون أياديهم في الهواء، ويخرجون من أنفاقهم، ويلوحون براية بيضاء كبيرة. وكلنا نعلم ماذا يحدث للناس الذين يرفعون الرايات البيضاء ويلوحون بها. فالصفقة المطروحة لا تتضمن وقف الحرب، ولا انسحاب القوات الإسرائيلية، ولا عودة مليون فلسطيني مشردين إلى بيوتهم، ما يعني أن حربا مستمرة منذ 9 أشهر ستكون مجرد عبث.
ويعتقد هيرست أنه لو كان هناك من يتحمل المسؤولية عن المذابح اليومية التي يرتكبها يوميا الجيش الإسرائيلي الغاضب والمهان، الذي باتت جل كوادره من المستوطنين المتدينين، فإنه رئيس الولايات المتحدة جو بايدن، فهو من اعتبر منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر أن الأعمال الهمجية من العقوبة الجماعية بحق 2.3 مليون فلسطيني هي حرب عادلة. فهو الذي تزعم القول بأن إسرائيل من حقها أن تدافع عن نفسها. وكان هو الذي قوض المطالبات داخل مجلس الأمن الدولي بوقف إطلاق نار فوري. وكان هو الذي أعاد تزويد إسرائيل باحتياجاتها من القنابل الذكية والصواريخ، كلما نضب مخزونها منها. وتحت سمعه وبصره، أدارت الولايات المتحدة ظهرها لأعلى محكمتي عدل دوليتين. وفي الأسبوع الماضي، قال بايدن في تصريح لمجلة تايم «إن المحكمة الجنائية الدولية شيء نحن لا نعترف به». كل هذا وصل عدد من ماتوا في الحرب إلى حوالي 40.000 شخص، هذا علاوة عن آلاف الجثث التي ما تزال تحت الركام. كما أن أكثر من نصف المباني في غزة تم تدميرها بالكامل أو أصابتها أضرار مختلفة، بما في ذلك الكثير من المستشفيات والجامعات والمدارس والملاجئ وشبكات المجاري والأراضي الزراعية. لقد أسقطت إسرائيل حتى الآن من القنابل على غزة خلال ثمانية شهور، أكثر مما تم إسقاطه في أثناء السنوات الست من الحرب العالمية الثانية على كل من لندن ودريزدن وهامبورغ. ولم يكن عجبا أن يفكر ائتلاف من الديمقراطيين –الناخبين العرب والمسلمين والطلاب– في الولايات المتأرجحة، بأنه من الأفضل قضاء السنين الأربع القادمة تحت إدارة ترامب من أجل تحقيق الغاية النهائية، المتمثلة بضمان أن يكون بايدن آخر رئيس صهيوني في حزبهم.
صراخ في الهواء
ولم تنجح تهديدات بايدن الظاهرة لنتنياهو لا عندما قال إنه سيقطع الأسلحة عن إسرائيل لو اجتاحت رفح ولا عندما طلب منها عدم اجتياز خطه الأحمر في رفح. فمشكلة بايدن أنه لم يكن قادرا على فرض تهديداته، أو مبادراته. فكم هي عدد المرات التي زار فيها أنطوني بلينكن المنطقة، وها هو يحضر لأخرى. وكم من مرة رهن سمعة مسؤوليه ووضعها على المحك في اتفاقيات سرعان ما نقضتها حكومة نتنياهو المتطرفة. وكم هي المرات التي حاول فيها الإيحاء بأن نتنياهو لم يعد قادرا على الحكم وحاول الترويج لبيني غانتس ووزير الدفاع كبدائل. ولهذا عندما قام بفرض خطة على حماس قبل جولته الأوروبية التي زعم مسؤولوه إنه يهدف منها إعادة موقع الولايات المتحدة كرائدة للعالم. وروجت مجلة «تايم» لرحلته عندما زعم فيها أن الولايات المتحدة هي الأقوى اليوم في العالم وأن لديها أكبر تحالفات لم تشهدها في التاريخ. والغريب أن مقالة «تايم» في 4 حزيران/يونيو ركزت على السياسة الخارجية. ولم تكن حماس بحاجة لاتفاق جديد، فقد وافقت قبل بضعة أسابيع، على وثيقة اتفاق لوقف لإطلاق النار على مرأى ومسمع من مدير المخابرات الأمريكية بيل بيرنز وبموافقة كاملة منه، واشتملت على البنود نفسها التي تحدثت عنها الخطة الأخيرة وزعم بايدن أنها مقترح إسرائيلي. إلا أن الحكومة الإسرائيلية انسحبت من الاتفاق، وتبع ذلك إعلان الولايات المتحدة أن الاتفاق الذي تم التوقيع عليه، ما هو إلا عرض مقابل تقدمت به حماس. كان يمكن لبايدن أن يكون جادا ويدعم خطط وقف النار قبل ثمانية أشهر، لكنه خرج وأربك حكومة الحرب الإسرائيلية. والملاحظ أنه في كل مرة يخرج بقوة تصدر أصوات متناقضة من داخل إدارته. ومشكلة خطة بايدن الأخيرة أنها لم تتحدث عن «وقف إطلاق نار كامل وتام». وهي خطة خالية من ضمانات نهاية الحرب في النهاية وبدون سقف زمني لعودة النازحين إلى بيوتهم المدمرة، وليس كما ذكر إغناطيوس أنها تبشر بغزة جديدة. ولا تعطي حماس السلطة لتقرير السجناء الفلسطينيين الواجب تحريرهم من أجل تسليم الأسرى الإسرائيليين لديها، فإسرائيل الآن تطالب بحق الاعتراض على إطلاق مجموعة تتكون من مئة من السجناء، الذين يشكلون القيادة في مجموعات المقاومة الفلسطينية الرئيسية. والمستهدف من ذلك، أشخاص مثل الزعيم الفتحاوي الشهير مروان البرغوتي، الذي يقضي عدة أحكام بالسجن مدى الحياة، الذي قد يترشح لرئاسة السلطة الفلسطينية.
حماس لن تقبل
وضمن رؤية أمريكية كهذه، لم تكن حماس مستعدة لقبول هذه الخطة. فسواء كانت على صواب أم على خطأ، تشعر الحركة بأنها تكسب معركة الإرادات في غزة، وترى أن الجيش الإسرائيلي على وشك الهزيمة. وبات واضحا الآن أنه كلما اقترب موعد الانتخابات، ازداد بايدن ضعفا. فبدلا من إنهاء عمليته في رفح، ها هو الجيش الإسرائيلي يستعد الآن لفتح جبهة ثانية في لبنان، الذي يعد خطّا آخر من خطوط بايدن الحمراء، التي غدا نتنياهو أكثر جرأة على تحديها. وها هم وزراء الحكومة من المتطرفين يواصلون إشعال النيران بالأقصى والضفة. وكل ما يفعله نتنياهو هو محاولة كسب الوقت حتى يخسر بايدن ويأتي ترامب وينقذه. وسيزيد نتنياهو من ضعف بايدن عندما يمنح فرصة لإلقاء خطاب أمام الكونغرس، وهي الرابعة في تاريخه، ويظهر بمظهر بطل العالم المسيحي واليهودي. ويفعل كما فعل في عهد إدارة باراك أوباما عندما حرض المشرعين (المهرجين) بعبارة باحث أمريكي ضد الاتفاقية النووية مع إيران، وخلافا للكواليس والمكالمات السرية يرى الأمريكيون ضعف بايدن بالعين. وسيناقض كلام بايدن بأن بلاده هي القوة الأعظم، وها هو زعيم دولة وكيلة يتحداه في عقر داره. وكعادة أمريكا وإسرائيل فهي تواصل ارتكاب الأخطاء، وتتعامل مع زعماء عرب فقدوا شرعيتهم أمام شعوبهم، فقادة البلدين لا يلقون بالا للمشكلة الحقيقية مع الشعب الفلسطيني. فوهم استسلام الفلسطيني يظهر بعد كل جولة تخوضها إسرائيل، بدون معرفة أن جيلا أشد عزيمة ظهر، والدمار الذي خلفته في غزة سيكون مصدرا للتجنيد سواء لحماس أو شيء يشببها في المستقبل. وليس غريبا أن تخوض إسرائيل حربا على كل الجبهات في غزة وفي المناطق التي زعمت أنها مطهرة، حسب تقرير صحيفة «الغارديان» (3/6/2024) ولا تزال تسيطر حتى في تلك المناطق وقادرة على إفشال خطط فرض كيانات بديلة عنها كما أشارت صحيفة «ديلي تلغراف» (1/6/2024).
تخبط في المسار
ولعل أكبر ما كشفت عنه غزة سواء على مستوى الولايات المتحدة وخارجها هو مدى تخبط السياسة الخارجية الأمريكية. ففي داخل الولايات المتحدة ورغم طلب أكثر من ثلثي الأمريكيين بوقف إطلاق النار، تمسك بايدن بموقفه الداعم لإسرائيل، ورغم ما تعرض له المحتجون من قمع لحرية التعبير ومطاردة في الأعمال، حسب «فايننشال تايمز»(3/6/2024) حيث كشفت مؤسسات عن عدم توظيفها متخرجين من جامعات النخبة لمواقفهم من فلسطين. وكما كشف مقال أيضا مجلة «ذي نيوركر»(3/6/2024) والذي ناقشت فيه مستوى القمع لحرية التعبير، وفكرة معاملة غزة بطريقة مختلفة عندما يتعلق الأمر بحرية التعبير. ففي الوقت الذي تضغط فيه رساميل المال على الجامعات لكتم الأفواه الناقدة لإسرائيل وتهديد جامعات النخب بسحب أموال الدعم، واصلت إدارة بايدن لعبة استرضاء الطرفين، وفي الحقيقة إسرائيل من أجل تبرير مواقفها المتحيزة من الحرب. ولم يجد الباحث في السياسة الدولية بجامعة هارفارد، ستيفن وولت إلا الرصيف العائم الذي دمرته الرياح وبعد تسعة أيام لتصوير عقم بايدن وسياسته الخارجية. وفي مقال نشرته مجلة «فورين بوليسي» (4/6/2024) قال فيه إن حادثة تحطم رصيف كلف ملايين الدولارات قد يكون جزءا صغيرا من مأساة أكبر «لكنني أعتقد أنها تثير أسئلة أكبر حول الطموحات والادعاءات الأمريكية» ويتعلق الأمر بمحاولة إظهار أمريكا مصداقيتها وقدرتها على قيادة العالم. وهي مشكلة رافقت السياسة الخارجية الأمريكية في كل العقود الماضية. وأشار إلى فكرة قدرة أمريكا على فرض إرادتها على مشاكل متعددة وفي نفس الوقت، مع أن محاولاتها عادة ما تنتهي بفشل، فقد قيل لنا إن «عملية السلام» في الشرق الأوسط ستؤدي إلى حل الدولتين، ولكنها أنتجت بدلا من ذلك «واقع الدولة الواحدة» اليوم. ولعل فشل أمريكا نابع من ميل قادتها لافتراض أن العالم كله سوف ينهار إذا لم تحاول الولايات المتحدة بشكل فعال إدارة العشرات من المشاكل حول العالم، الأمر الذي يدفع واشنطن دائما إلى تحمل مسؤوليات أكثر مما تستطيع التعامل معه. إن جدول الأعمال المزدحم يجعل من الصعب تحديد الأولويات ومن المستحيل إعطاء كل مشكلة الاهتمام الذي تستحقه. والنتيجة الحتمية هي أن العديد من الأشياء يتم إنجازها بشكل سيء أو لا يتم على الإطلاق. وبنفس السياق نشر ستيفن كوك مقالا بمجلة «فورين بوليسي» (3/6/2024) تحدث فيه عن أهمية البحث عن مسار جديد للسياسة الأمريكية. وقال فيه «إذا نظرنا إلى السنوات الثلاثين الماضية من سياسة الولايات المتحدة، يتعين على الأمريكيين أن ينبذوا السياسات الخيالية التي تنتهجها بلادهم لتحويل الشرق الأوسط، والرغبة في الانسحاب من المنطقة، ردا على فشل تلك السياسات. لم يحن الوقت للتقشف، بل لتجديد هدف واشنطن في الشرق الأوسط. يتعين على الولايات المتحدة أن تمتلك رؤية لدورها في المنطقة تتخلص من الرومانسية المثالية حول إعادة تشكيل العالم لصالح استراتيجية تقوم على الحكمة والتعقل وتوازن الموارد». لكل هذا تبدو رحلة بايدن إلى أوروبا ودعمه للديمقراطية تعبيرا عن عزلة أمريكا في الخارج وحيرة الحلفاء من عدم انسجام السياسة الأمريكية، وما كشفته حرب غزة من تداعيات على العالم.