جان جينيه والعرب… من دمشق إلى طنجة!

كيوم دو سارد / ترجمة وتقديم: عبد المنعم الشنتوف
حجم الخط
0

يسلط هذا النص الضوء على تفاصيل دالة عن عبور ومقام الكاتب الفرنسي جان جينيه في مدينة طنجة. ويبدو تشديد الكاتب كيوم دو سارد جليا على ارتباط هذا الولع بـ»الآخر العربي» بالطفولة البائسة لمبدع يوميات لص، وطور المراهقة الذي قضاه في سجون بلده الأصلي فرنسا. ويسرد الكاتب في هذا الخصوص تفاصيل دالة من مقامه في العاصمة السورية دمشق، أيام تطوعه للخدمة في صفوف القوات الفرنسية العاملة في المشرق العربي. غير أن مرحلة إقامته في المغرب وتحديدا بين مدينتي طنجة والعرائش، تبقى الأكثر تأثيرا باعتبار الدور الذي اضطلعت به في تشكيل وبلورة وعيه بالالتزام بمناصرة قضايا الشعوب المضطهدة وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني.

النص:

مثلت البلدان المتاخمة للبحر الأبيض المتوسط مصدر جذب وإغراء لجان جينيه منذ طور مراهقته. كان على معرفة بالمغرب حين وصوله إلى طنجة عام 1969. وكان في الحقيقة البلد العربي الثاني الذي يقيم فيه بعد سوريا. اختار جينيه استباق سن التجنيد الإجباري حين بلوغه سن التاسعة عشرة، أي قبل سنتين من بلوغه سن الرشد وتطوع في الجيش. جذبه الوقار الذي تضفيه البذلة العسكرية والأخوة الفحلة التي تعتبر سمة مميزة للحياة العسكرية. كان جينيه أحد أطفال مؤسسة المساعدة العمومية وقد ترعرع في حضن أسرة استقبال في منطقة الينيي أون مورفان قبل أن يتم إرساله إلى السجن بتهمة السرقة. كان الجيش والحالة هذه إحدى الفرص النادرة المتاحة أمام الجانحين الشباب والمهمشين. كيف تحقق ذلك في ما يهم جينيه؟ وما هو نصيب الحاجة والرومانسية في هذا الالتزام؟

تم انتداب جينيه عام 1929 للعمل في أحد الفيالق في مونبيلييه ثم أفينيون. تطوع للعمل في وحدة عسكرية أنشئت لأول مرة وألحقت بالقوات الفرنسية العاملة في المشرق العربي. وفي مستهل السنة الموالية وبعد انصرام بضعة شهور على تطوعه، استقل جان جينيه الباخرة من مدينة مارسي الفرنسية إلى العاصمة اللبنانية بيروت، التي كانت حينها المرفأ الرئيس في بلاد الشام. ومن هناك شد الرحال إلى دمشق ليلتحق بثكنة فرقته العسكرية. وقد مكث هناك سنة بكاملها. لم تكن حياته بوصفه جنديا مثيرة للإعجاب. كان يشارك أثناء النهار في بناء حصن آندريا الذي بني برجه تحت إشرافه، والذي انهار بعد أول قذيفة مدفعية ويصرف ساعات من الليل في لعب الورق مع السوريين وهو يأكل الفستق. وسوف يلعب الورق في فترة لاحقة مع الفدائيين، رغم الحظر المفروض من القادة الفلسطينيين. وفي دمشق شرع في قراءاته الأولى وفي تعلم اللغة العربية. كان جينيه الذي لم يتعلم أي لغة بشكل جدي قد انتهى بتحدث عدد منها. وقد تسنى له ذلك من خلال إقاماته المتعددة في الخارج. وفي دمشق عاش أولى مغامراته مع حلاق كان يبلغ من العمر ست عشرة سنة.
خلّف هذا اللقاء الأول بالشرق أثرا طيبا داخله، وكان كثيرا ما يقول إنه يشعر بالراحة في دمشق. لم يكن ذلك ليثير أي دهشة؛ إذ كانت سوريا شأنها في ذلك شأن المغرب مجتمع رجال. وكان ذلك ملائما لجان جينيه الذي كانت المرأة بالنسبة له وهي نصف الإنسانية لا وجود لها.
ما إن عاد جينيه إلى فرنسا حتى تملكته الرغبة في مغادرة هذا البلد الذي يمقته.

كان واقعا تحت غواية المغرب وطنجة بشكل خاص. وقد سعى بالفعل إلى الوصول إليها عبر إسبانيا. بيد أن ثيابه كانت من الرثاثة والبؤس بحيث حيل بينه وبين ركوب الباخرة. لم يكن أمامه من خيار آخر إلا أن يتطوع من جديد، وقد أتى ذلك في بايون التي أمضى فيها سنتين. وقد انتدب للعمل في الفيلق السابع للقناصين المغاربة في مدينة مكناس المغربية. وقد استقل الباخرة في التو من بوردو إلى الدار البيضاء حيث اختاره الجنرال غوندو كي يكون سكرتيرا له لمدة ثلاثة أشهر. ثم واصل بعدها طريقه إلى مكناس ليقيم فيها ستة عشر شهرا. بدت له الحياة داخل الثكنة أكثر يسرا من الحياة في المستوطنة السجنية الزراعية في ميتراي التي أمضى فيها طور مراهقته.
كانت طنجة عام 1969 حديثة العهد بمجدها المشكوك فيه. كان تاريخ هذه المدينة موصولا بشدة بتاريخ الأدب. ويستلزم وصف ذلك القبول بنصيب الحلم فيها. استفادت المدينة في الفترة ما بين 1925و1956 بوضع دولي واستقلال مالي. كانت تتوفر على إدارة خاصة ومجلس تشريعي. كانت المدينة معفاة من الرسوم الجمركية والضرائب ومأهولة بالسيارات الفارهة للمصرفيين والمضاربين والمهربين من كل الأصناف. وكانت التجارة تتم بكل اللغات بالإنكليزية والإسبانية والفرنسية والعربية والهندية؛ إذ كانت طنجة من أكثر المدن كوسموبوليتية في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط، وأشدها جذبا للرحالة من كل أصقاع العالم.

استأجر الرسام السريالي الهولندي طوني كريستيان في عقد الثلاثينيات من القرن الفارط فيلا تطل على شاطئ مرقالة، وكان يدفع ثمن إيجارها من اللوحات التي كان يبيعها. وسوف يأتي دور الثرية الفاتنة والبائسة بربارا هوتون بعد عشر سنوات كي تقع تحت سحر المدينة. وستدفع مبلغ مئة ألف دولار، وهو ما يمثل ضعف ما اقترحه الجنرال فرانكو كي تقتني فيلا رائعة كانت تقدم داخلها حفلات للأثرياء الأوروبيين. اختار بول بولز الذي سبق له أن زار المدينة عام 1931 عملا بنصيحة غروترود ستين الاستقرار فيها نهائيا صحبة زوجته عام 1947 والتفرغ للكتابة. وابتداء من عام 1950 شرع بول موران في الإقامة فيها بانتظام. وقد استأجر لهذا الغرض ولمدة تسع سنوات فيلا شكسبير التي كانت شرفاتها المتعددة تهيمن على مرتفع كاب سبارتيل. وقد مثلت المدينة فضاء لأفضل أعماله الروائية «هيكات والكلاب» التي صدرت عام 1954. ونتبين في سياقها المصرفي سبيتزكاردنر وهو نهب للتغير بتأثير طقس المدينة اللطيف، والعادات الممتعة لساكنتها. هو ذا سبيتزكاردنر يتغير بتأثير الاتصال المعدي في البحر الأبيض المتوسط: لا شيء يجري تعلمه بسرعة في أرض افريقيا عدا فن الاستسلام للعيش. وسرعان ما سوف يقبل دون شعور بالانزعاج فكرة التباعد في ساعات العمل، وسينتهي به الأمر إلى تبني بعض العادات الشرقية السيئة، وحيث «تفصح طفولة مبكرة عن حضورها عنوة وفيما يشبه الخطيئة».

أتاح ظهير ملكي غب حصول المغرب على استقلاله إمكانية الحفاظ على الامتيازات القانونية والمالية، التي كانت تستفيد منها طنجة. بيد أن المدينة لم تلبث أن استعادت وضعها العادي بعد انصرام أربع سنوات؛ وهو ما مثل انتهاء مرحلة متوهجة وبداية أخرى. وقد شرعت في الوقت الذي انحسر فيه نشاطها الاقتصادي في التحول إلى وجهة مفضلة للفنانين الأمريكيين بشكل خاص الباحثين عن الشمس والكيف، وهو خليط من القنب الهندي والتبغ والغلمان. وقد أقام فيها تينيسي وليمز وترومان كابوت وغور فيدال لفترات طويلة بعيدا عن بلدهم الأصلي حيث كانت المثلية الجنسية مضطهدة. وقد أمضي فيها كتاب جيل البيتز الأمريكي من قبيل جاك كيرواك وبريون جيسين وألين غينسبرغ ووليم بوروز مبدع «العشاء العاري» حياة سهلة ورخيصة. وكان جون هوبكينز يمضي فيها نصف السنة، فيما كان صمويل بيكيت يزورها بانتظام صحبة زوجته.
وصف وليم بوروز طنجة في عمله الموسوم «انتير زون» بأنها مدينة الضائعين. لكنه كان يفصح عن ذلك بنبرة تعاطف. أن تستسلم للزمن المنساب في فوضى بتأثير وطأة الكيف والمعجون. ألا يعد الضياع في المتاهة المضاعفة للدروب والأحلام لعبة لمن يربح ويخسر؟ وكما كتب في إحدى رسائله إلى ألين غينسبرغ فإن شيئا خاصا ما يوجد في طنجة. أدركت سر انجذاب وليم بوروز إلى طنجة وأنا أتسكع في الأزقة الضيقة والمتعرجة لحي القصبة، أو أقصد من شارع إيطاليا إلى السوق الداخل دون غاية. لا يعتبر الافتقار إلى العمل فعلا مدانا هنا؛ إذ توجد طنجة على هامش الحياة المعاصرة شأن وجودها على تخوم المغرب وضفاف المحيط الأطلسي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية