يبدو أن علة الانقراض التي تفتك بكثير من الموارد الطبيعية في عالمنا العربي، تشق حاليا طريقها إلى مجال الكتاب، الذي أمسى مهددا بفقدان ما يكفي من شروط بقائه واستمراريته، علما بأن وجوده المحتشم بيننا، لا يتجاوز حدود علاقة مجاملاتية وظرفية، توهم ظاهريا بقابليته الاضطراري للتكيف، باعتباره مخلوقا غريبا، يتحين فرصته الملائمة للاحتجاب والتخلص العاجل من بؤس رفقة مجتمعية، لا تسمن ولا تغني من جوع فكري أو إبداعي.
فرغم ما توحي به المعارض المنظمة في مختلف العواصم العربية والإقليمية، من ارتفاع موسمي في درجة الاحتفاء بالكتاب، ورغم ما توحي به مهرجانات التنسيقيات المختصة في تنشيط فعل القراءة، إلا أن واقع الحال يكشف، وبالملموس وضعية مأساوية، حيث يتبين في نهاية المطاف، أن الأمر في حد ذاته ليس سوى ضرب من التأبين الكرنفالي، لكل ما له علاقة بزمن الكتاب، ولما يرافقه عادة من توابع وزوابع، كما أن الاكتظاظ الأهوج للأجساد البشرية، ليس في واقع الأمر سوى شكل آلي من أشكال التعويض عن حرمانها القسري من حق الاحتشاد، في ظل غياب أسبابه الموضوعية والطبيعية. أما سبيلنا إلى الحقيقة الصريحة، والدالة على فظاعة هذا التأبين، فهو العدد الزهيد، والمخجل للنسخ التي دأبت الجهات المعنية على سحبها، والتي تفي بالكاد في حالة إحراقها، بإضاءة جنبات موقد صغير، للحظات خاطفة ومعدودة هي أيضا. ذلك أن حياة الكتاب، بهذا المعنى، تنتهي فور الإعلان عن صدوره، فما من حاجة معرفية أو ثقافية تدعو لتحمل مشاق تصفحه، أو الخوض في إشكالياته، ما دامت العبرة تتمثل أساسا، في توصل المؤلف بأضمومة أنيقة من التهاني العنكبوتية، قبل أن يشد رحاله مجددا رفقة كتابه إلى هوامش النسيان.
ولن يفوتنا في هذا السياق، استحضار وجهة نظر الخبراء في تشخيص الظاهرة القائلة بحتمية احتجاب الزمن الورقي، بموازاة هيمنة الحياة الرقمية، وسريان مفعولها في مختلف الاختصاصات، بما في ذلك فضاءات القراءة والكتاب.
ولعل أهم ما يمكن التقاطه من هذه القناعة، تعاملها العقلاني مع هذا المآل، بوصفه امتدادا حتميا، ضروريا وطبيعيا، لآلية اشتغال التحديث التقني، التي ينقاد العالم طوعا لتعاليمها، والتي من إيجابياتها، الإبقاء على روح الكتاب حية في ذاكرة الحواسيب، كما هو ترجمة في الآن ذاته، لظاهرة تقلص حضوره المادي والملموس، سواء في الفضاءات الخاصة أو العامة. إلا أن هذه القناعة لن تصرفنا على موضوعيتها عن التأكيد أولا؛ كون الأصل في فاجعة الانقراض بالنسبة للعالم العربي، يعود لعوامل واقعية وجدّ ملموسة، تتجسد في مختلف أنماط الأمية والتجهيل، التي تعاني منها النسبة العالية من جماهيره. وثانيا؛ كون الامتياز الرقمي سيساهم بصورة جذرية في حصر الكتاب داخل دائرة النخب، المشتغلة عادة بمنطق مقنن سلفا، قوامه العلاقة المزاجية بالمعرفة وحيثياتها. وبالتالي، فإن مقولة الحداثة التقنية والرقمية، ليست في نهاية المطاف سوى القشة التي قصمت ظهر الأتان وليس البعير، نتيجة تعميقها لواقع الأمية، في عملية الإجهاز على الزمن الورقي.
ومما يؤسف له، أن الكتاب حالما شرع في البحث عن موطئ قدم داخل فضاءاتنا المعرفية – رغم ندرتها وهشاشتها ـ لم يلبث أن انتبه إلى تهديد الإعصار التقني، الذي سيطاله، مبددا بذلك كل أمل محتمل في دمجه داخل محيطه. والمثير في الأمر، أن الإعصار التقني أسدى للأنظمة المتسلطة، وبطريقة غير مباشرة، أهم خدمة كانت تتطلع إلى الفوز بها وبأقل كلفة ممكنة، ألا وهي خدمة الحظر الثقافي. فإذا ما اعتبرنا أن الكتاب هو الميكانيزم المعرفي، الذي يستمد منه العمل الثقافي طاقته الفعلية، فإن هذا الأخير هو بمثابة العدو الحقيقي الذي تتوجس منه الأنظمة خيفة، معتبرة إياه مصدر كل الشرور المهددة لكيانها. ولنا في تاريخ الإحراق الذي عانى منه الكتاب خلال أزمنة الظلام، من قبل هذه الأنظمة، خير دليل على ذلك. حيث يصح القول، إن الإحراق هو أقصى درجات الإقصاء، التي تتعرض لها كل تلك الخطابات الثاوية في بطون الكتب، بوصفها محل شبهة وارتياب دائمين ومسبقين. ثم إن اللعنة التي تطارد الكتاب هي ذاتها التي تطال مؤلفيه عبر تاريخ الكتابة، ليكونوا هم أيضا وباستمرار محل شبهة، غالبا ما تفضي بهم إلى ظلمة السجون، أو ظلمات القتل، بما تعنيه الكلمة من دلالات رمزية ومادية.
والملاحظ أن حالة الارتياب، والعدوانية التي تكنها الأنظمة تجاه الكتاب ومؤلفه، بما يند عنها من ممارسات إقصائية جد ممنهجة، هي التي أدت في نهاية المطاف إلى الوضعية المزرية التي توجد عليها حاليا صناعة الكتاب، والتي هي باختصار شديد، صناعة مفرغة تماما من قوتها التداولية، بفعل الإجهاض القاتل، الممارس على كل المبادرات الترويجية التي يمكن أن توجد في أي مخيلة معززة بعنادها، وغير مهيأة للامتثال إلى قدر انقراض الكتاب وزواله.
والجدير بالذكر أن محنة الانقراض تجد ضالتها ودليلها في مغادر كل من الباحثين والقراء، لفضاءات الخزانات التراثية، التي كانت تعتبر إلى حين، بمثابة بؤر ضوئية، تحيل ضمنيا على العمق الحضاري والثقافي لخصوصية المكان، كي تتحول تدريجيا، إلى مجرد متاحف ورقية تعيث فيها سلالات الإرضة البشرية، نهبا وافتراسا، خاصة بعد أن اكتشفت ودون سابق إنذار، أن هذه الخزانات أمست مناجم حقيقية، تدر على الحثالة العاملة فيها من الثروات ما لم يخطر أبدا على ذهن مخطوط أو خطاط. وهو موضوع يحتاج إلى وقفة خاصة ليس مجالها الآن، بالنظر لما يتميز به من خطورة منقطعة النظير. وعطفا على ذلك سنشير إلى أن احتجاب القارئ من رحاب الخزانات والمكتبات ككل، سيشمل أيضا، أغلب فضاءاته الأثيرة التي كان من قبل يطمئن إليها، كما هو الشأن بالنسبة للمقاهي والحدائق، حيث أصبح وجوده فيها، أنكى من ظل دخيل، يشوش على أجواء المكان التي تغيرت أمزجتها بموازاة هيمنة موجة التسطيح والابتذال.
لكن وضدا على وضعية هذا الحظر الضمني، سيظل المبدع والمفكر هنا والآن، معا محتفظين برمزية حضورهما، فما من سلطة ردعية قادرة على الحد من حركية فعلهما التأملي والجمالي، وحيث أشياء الكون، المستفسرة دوما عن هويتها، لا تمل من تعقب أثر الشاعر والروائي والفيلسوف.
وبالنظر لأن أشياء الكون، كما تقول الكتابة، تعاني من يتمها الأبدي، فإنها لا تمل من التساؤل عن مواقع تلك العتمات، التي تحتجب فيها جذور أسرارها. فمهما ارتفع صخب الكون الموغل في التشويش على نداءات تلك الجذور، بما يتداخل فيه من عواء وحشرجة ولغط فإن هذه النداءات، لن تلبث أن تجد طريقها إلى سمع التفكر والإبداع، كي تستأنف اللعبة المحظورة حظوتها في التجلي والذيوع. أعني بها هنا، لعبة الكتابة التي ما من رادع لسطوتها واستمراريتها، إلى أن يرث المحو العالم بمن كان فيه أو سيكون.
شاعر وكاتب من المغرب