غادر مارك روثكو الحياة من بابها الكبير سنة 1970 في نيويورك ولم يلتفت يوما إلى روسيته منذ ترك الاتحاد في صغره قبيل الحرب العالمية الأولى، بعد أن غير اسمه، فحمل له الوسط الأمريكي علامات التدرج نحو الصعود، إذ كان أول فنان يُحتفى به في عصره وهو على قيد الحياة، عندما خصصت له قاعة مجاميع فيليبس في واشنطن زاوية لعرض أعماله، مع تجذر محطاته التشكيلية الأولى منذ سنة 1950، ومع ذلك رفض كل التصنيفات الفنية التي لقبه بها نقاده ومتابعيه، وأصر على البقاء في دائرة المهمشين حاله حال رائد التعبير التجريدي بول كلي وصديقه النحات الإيطالي المتشائم جياكوميتي. فمثّل تحوله من محطة فنية إلى أخرى ملخصا لتجربة بحثية مُضنية حملت المزيد من الإضافة للعنصر البصري الواقعي المعتاد، والدخول في دوامة ممارسات تشكيلية تهيئ لتثمين وتقنين معاصرته التي جمعت بين اللغة واللون من جهة، والفكر والنفس من جهة أخرى، فشكل فيها اقتران الوضع الشخصي المتأزم والمهتز بالوضع الفني العاطفي التجريبي الحساس خصوصية متفردة في مساره، جعلت منه شخصية واحدة بعدة وجوه حاملة لتراكم بصري جمالي معتبر، ظل لسنوات يجمع بين المجادلة (النظرية، المفهوم، اللغة، الفكرة) والممارسة (اللون، الشخصيات، التعبير) معترفا مع ذلك بفشل في المشروع الصُّوَري التقليدي حتى إنه اعتبر الشخصيات الحاضرة بقوة في عدد من أعماله الواقعية في البدايات مجرد إرهاصات تقودها فظاعة العنف. يقول عن محطته التشكيلية الأولى: «لم أفلح إلا في تقديم شخصيات مشوهة ومقطعة الأطراف للجمهور». فمثل تعاقب التحولات مغامرة غامضة قادته إلى الالتقاء بعدد من رموز الجماليات المعاصرة لإكمال تحقيق المعطى الفني الجديد الذي ارتبط بالهم الفرداني، جاعلا من التجريد والتعبير والتفكير والتخييل أرضية بديلة للممارسة الفنيّة.

لوحة تأمل (1937) – مارك روتكو
عودة إلى مقارعة الفكرة
من جديد يصعد المشروع البحثي للفنان إلى السطح، ليعبر عن رغبة في التجاوز والمرور إلى مرحلة أخرى تخلصه من كابوس المسخ والفسخ والبتر والقطع الفيزيولوجي، التي ما فتئت تلاحق تجربته في مسار ظل يتسع ليضيق مؤثرا على الذائقة والمعنى والنفس والجسد. فمثل انفتاح المشهد على الفكرة بمثابة مفتاح دخول عالم التعبيرية المعاصرة (التعبير التجريدي) التي تعوّل على الرغبة بدل الخضوع، والنظرية بدل التقنية، والأسطورة بدل العلم. متخليا بذلك عن بصمات أعمال التقليد الواقعي العمياء المخيبة والمُسقطة للفرد على غرار «تأمل» (1937-1938) المحفوظة بالرواق الوطني للفنون في واشنطن وكل من «الدخول للضاحية» (1938) و«صورة شخصية» (1939) الحاملتين لعاهات تقنية وجسدية مستديمة. كان لاضمحلال المرحلة وقع في نفسية الفنان الذي ترك الفرشاة لفترات وأخذ يرفع الريشة، هيأ له العمل بالفكر بدل العمل بالساعد انشغالا بإعادة تأسيس لغة جمالية كونية فالتقى روثكو في خضم هذا الطرح «الثوري» البديل مع عدد من المنظرين و»الفلسفيين» الأمريكيين الجدد من منجبي ومحبي الفن المعاصر أمثال هوفمان معلّمه، ثم جوتليب ونيومان اللذين سعيا لتأسيس توجه بصري يوظف المعنى، فكان احتضان مهمة توليد اللغة البصرية، لاسيما مختلف القراءات والمقالات المنشورة بدورية «واقع الفنانين» منذ بداية الأربعينيات بمثابة مفتاح لدخول عالم مشهدي مختلف، يتلاءم في الوقت ذاته مع رغبة الجمهور، مع تطلعات العصر ومع احتياجات الفنان. ما أدى إلى مزيد تطرف التحولات التشكيلية، متنقلة داخل ذلك المعنى باحثة بين سطور الطروحات، منتقلة من الشكل الموحد (الواقعي) إلى الأشكال المتعددة المنفصلة (التجريدي) ومن المشاهد الأحادية (السرديّة) إلى المشاهد المركبة (الهندسية) ومثّل القفز على التجريد الأوروبي سجين الشكل والركوب على التعبيرية والوحشية الألمانية والطلائعية بمثابة خطوة اختزلت عشريات مستقبلية لصالح الغرب الليبيرالي، بُعيد الحرب الكبرى ووسّعت الفارق بين المعسكر الشرقي بفنه المكبوت والمكلوم والمعسكر الغربي بفنه المفضوح والمائع. كان التسابق «الفنّوي»المحموم بمثابة بروباغندا رسمية، استثمر فيها النظامان سبل السيطرة على الوجود بشجاعة لا توصف. فمثل جوهر المحصّلة الذي مالت كفتها للغرب الأمريكي تجاوزا للتعبير والتجريد الأوروبي الكلاسيكي، وتحالفا للمذهبين (التعبير التجريدي) في آن واحد. من بين ميزاتها نذكر اتحاد اللون في مساحات عملاقة، واعتماد المسحة الضوئية الشفافة وظهور المسحة الفضائية التي تقارن بالسماء والنجوم وغياهب الكون عند دي كونينغ وروثكو، خاصة لوحتيه «رقم7» (1951) و«دون عنوان» ( 1954) وتميزت الفترة بخاصية استعمال المحامل المستطيلة العظمى ذات الأحجام العملاقة، مع تسجيل حضور جسدي معتبر من خلال التقطير الأفقي بالساعد، والتخلي عن الفرشاة، والبحث عن خامات صناعية وشبه صناعية جديدة منها، مخلفات البترول والبولستير والخشب والتراب المعدني المؤكسد، على غرار نماذج أعمال رفيقه بولوك.
مع العودة إلى التسطيح والتخلي عن الأكاديمية، وهي سمات جعلت من الفنان مارك روثكو طائرا مجنحا يحوم في عديد الفضاءات.
إشراقة تأملات أم إرهاصات عبثية؟
من الواضح أن إطلاق العنان لتشييئ المعنى وتسطيح التناول التشكيلي (البلاستيكي) اليدوي قد يقود المشروع البصري إلى متاهات تختلف أغوارها ويتفاوت عمقها من فنان إلى آخر. في هذا الباب ظهر روثكو غير راض على ما يقدمه، لا يتوقف على مفهوم ولا يقبل تصنيفا، وهو لا يكاد يبدأ مغامرة حتى تحل ثانية وتالية إلى غير ذلك، ليقوده قلقه وضنى البحث العدمي إلى مراوحات روحية ميثولوجية فيها مزيج بين الصلوات والثمول اللوني مثله مثل بولوك، الذي قاده نجاحه إلى دخول الصفحة التالية فالموت الفجائي الملغز، فمثل صعود أعلى درجات سلم المشروع الجمالي بداية للنزول حتى يعود لمعانقة الأرض (التراب، الرمل، الأوراق الجافة) ومحاكاة إيحائية لطقوس السكان الأصليين للأراضي الأمريكية الشاسعة، والتماهي في الداخل طلبا للسكينة والراحة والصمت والصلوات، وهي إشارات متجددة لما بعد السريالية، التي خاض غمارها بدفع من تأثير شخصيات وأفكار ملحمية بطولية مثل، نيتشه فيلسوف القرن العشرين، الذي جمع العلمانية والروحية في واد واحد، ما أهله للعودة إلى أغوار النفس الداخلية بعد استكمال أدوار البطولة ومباشرة السباحة في تيار اللون الفاقع والمظلم الطاغي على كل المساحات، بإيقاعات ساحرة وبتركيز شرائط أصباغ جذابة (البرتقالي، الترابي، الذهبي، الدموي، الرمادي) ز تتقاطع مع السواد خ، خاصة تشكيلة الأبيض والأسود والأحمر والدموي في اللوحة «رقم 9» المعنونة «أبيض وأسود على النبيذ»(1958). يقول روثكو: «حان الوقت لندخل بيوتنا، نقف في زاوية نتعبد أمام لوحة صغيرة».
كاتب تونسي