الكوارث تحيط بمستقبل العالم… والحرب لا يراد لها أن تتوقف… والصمود الأسطوري للفلسطينيين يتواصل

حسام عبد البصير
حجم الخط
1

القاهرة ـ «القدس العربي»: في أصقاع العالمين العربي والإسلامي، لا حديث سوى عن الاستعدادات التي تجري لاستقبال العيد، من تجهيز الأضاحي وملابس العيد وهدايا الأطفال، بينما سقط الغزاويون من ذاكرة الجميع، وكأنه لا حرب إبادة يتعرضون لها على مدار الساعة.. ارواح تهدر وعائلات بأكملها تمحى من الوجود 250 يوما مرّت على أهل غزة وهم يحاربون في الأساس الولايات المتحدة الأمريكية بأحدث ما توصلت له من أسلحة الإبادة، لكنهم ما زالوا صامدين وسط حصار مفروض عليهم من قبل أشرار الكون وخذلان الأشقاء. وأكد اللواء سمير فرج الخبير العسكري والاستراتيجي، أن محور فيلادلفيا منطقة عازلة لا يسمح بوجود قوات مصرية أو إسرائيلية فيها، بموجب اتفاقية السلام. وأوضح خلال تصريحات تلفزيونية أن نتنياهو استغل واقعة عبور دبابة إسرائيلية المحور خلال الحرب على غزة كدعاية له أمام شعبه، وأكد أن دخول أي قوات إلى منطقة المحور يعد خرقا لاتفاقية السلام، وأضاف: «إسرائيل اخترقت الاتفاقية لكن ما إحنا كنا في الـ6 سنوات بتوع الإرهاب بنخترق الاتفاقية لما يكون في إرهابي، كنا بندخل مرة واحدة، في اختراق من الجانبين مهياش مشكلة، ساعات نلاقي هدف ظهر فجأة لسه هترفع السماعة وتتكلم الأباتشي بتطلع تضرب ده خرق للاتفاقية، إسرائيل تقول في إيه حصل كذا وانتهى الأمر».
وفي إطار مواجهة أشد المخاطر، كشف البنك المركزي المصري حسبما ورد في موقع نبض وغيره من المواقع، عن سداد أقساط وفوائد ديون خارجية بقيمة 15.5 مليار دولار خلال النصف الأول من العام المالي 2023 /2024. ومن أخبار المؤسسة الدينية: اعتمد المجلس الأعلى للأزهر برئاسة فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، برنامجا دوليّا شاملا لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، يقوم على تنفيذه “مركز تطوير تعليم الطلاب الوافدين”، تلبية لرغبات ودعوات متزايدة من العديد من الدول حول العالم، لتعليم أبنائِها اللغة العربية المعتمدة من الأزهر الشريف، جنبا إلى جنب مع العلوم الإسلاميَّة.
ومن معارك البرلمان مع الحكومة: تقدمت النائبة إيفلين متي عضو مجلس النواب، ببيان عاجل إلى رئيس مجلس الوزراء، بشأن عدم وجود الأدوية في جميع عيادات التأمين الصحي، خاصة أدوية علاج الأمراض المزمنة لكبار السن في العديد من المحافظات. وأكدت أن هناك نقصا شديدا أيضا في ألبان الأطفال الرضع حديثي الولادة العاديين وأصحاب الحساسية، ما يمثل خطورة بشكل كبير على حياة الأطفال الرضع. وقالت: أصبحنا الآن أمام أزمة بسبب عدم وجود بعض الأدوية ونقص كامل في بعض الأدوية الأخرى منذ فترة طويلة، مطالبة بحل هذه الأزمة في أسرع وقت ممكن..
كانت تأمر فتطاع

ما أن انتهى جميل مطر في “الشروق” من الاستماع إلى خطاب الرئيس بايدن حتى وجد قلمه يعبث بكلمات تشي بسؤال ظل يتردد على امتداد شهور الأزمة في غزة. تردد السؤال على لساني في حضرة زملائي وأصدقائي وردده قلمي في عديد ما كتب. الموضوع يتعلق عموما بالسياسة الخارجية الأمريكية. أما السؤال فمحدد المكان والزمان والمسألة، إذ هو يبحث في، أو يسعى لمناقشة حقيقة موقف أمريكا في أزمة غزة. رحت على امتداد الشهور الثمانية، وفي كل موقع ساقتني إليه ظروف الكتابة، أو الصداقة أسأل زميلا بعد زميل وخبيرا بعد خبير سؤالا، لا يتغير إلا في الصياغة، عن موقف أمريكا إزاء تطور أو آخر تطورات أزمة غزة، أسأل إن كان الموقف الأمريكي يعكس حال تواطؤ أم حال عجز؟ كم مرة وقفنا مشدوهين، أمام موقف لأمريكا في علاقتها بإسرائيل، سمعناه أو رأيناه أو عانينا ما عانينا بسببه. تراوحت المواقف بين درجة قصوى من الإفساد بالدعم المادي المبالغ فيه، ودرجة دنيا من العتاب أو التأنيب والتهديد غير الصادق بقطع الإمداد بالسلاح، وبينهما درجة وسطى من التحريض وممارسة الوقيعة بين أعضاء مجلس الوزراء الإسرائيلي، وحكومات الدول العربية. حقيقة وبعيدا عن المبالغة أؤكد أنني خرجت بانطباع واثق أن الأكثرية بين المنغمسين في السياسة الخارجية الأمريكية، ممن قابلت أو اتصلت بهم تعتبر الولايات المتحدة «طرفا ثانيا من الخارج» في صراع الشرق الأوسط، طرفا ممارسا للصراع تارة بأسلحته وأغلب دبلوماسييه وإعلامه ومتطوعين أمريكيين وتارة ببعض دبلوماسييه. هو الوسيط بين المتحاربين، وفي الوقت نفسه هو صاحب الرأي والتوجيه بأن المقاومة الفلسطينية، منذ نشأتها، ثم بقيادة أبوعمار وحتى التوقيع على أوسلو، حركة إرهابية، وما يزال، يفضل أن يعامل أفرادها كإرهابيين. عشنا وأنا شخصيا من بين من عاشوا، مرحلة في السياسة الدولية كانت أمريكا تأمر فتطاع، وحين لا تكون الطاعة واجبة، أو ممكنة حلت المراعاة الدبلوماسية الذكية أسلوبا وسياسة محل الطاعة العمياء. لم نكن نسأل في تلك الأيام إن كانت أمريكا عاجزة، فأمريكا التي عرفناها بعد الحرب العالمية كانت، حسب كل المعايير، الأقوى. لم نتصور، رغم اتساع مجال الخيال وتأثير أيديولوجيات المرحلة أن يوما سيأتي يمكن أن تصبح فيه أمريكا قطبا عاجزا.

الخدعة انكشفت

تأكد لنا، الآن حسب جميل مطر، امتزاج التواطؤ بالخديعة وانكشف دور للتنظيم الصهيوني العالمي في عمليات كبت الحريات وتكميم أفواه المثقفين والكتاب، الذين خرجوا من صمت طويل لدعم مواقف المتعاطفين مع المقاومة الشعبية الفلسطينية. آفاق العالم «الحر» على حقائق جديدة. أفاق على بوادر انقسامات جديدة داخل أوروبا. رأينا الحلفاء غير واثقين من سلامة وكفاءة بعض قادة الحلف الغربي. صارت التهديدات بالنووي خبرا عاديا بعد عقود من التحريم. عادت افريقيا الغنية بالثروات المعدنية ساحة تصادمات وسباقات ومرتزقة من كل نوع ولون. روسيا لم تنهزم بعد من خارجها ولا من داخلها، بل تعلن خططا جديدة لتوسيع حيز الحرب الأوكرانية. الصين انتقلت إلى مرحلة تثبيت صعود متعدد الجبهات والقوى الناعمة كالصلبة على حد سواء. الهند، القوة السكانية الثانية في العالم، اكتشف فيها مثقفوها أن الغرب أقدم بنوايا مبيتة على التضحية بديمقراطيتها على طريق تعزيز إمكانات نظام مغامر وعنصري ومهووس بمبدأ عبادة الفرد وبأوهام الأساطير. هنا، في الشرق الأوسط، لم يعد خافيا أن ما تعارفنا عليه كنظام إقليمي عربي، دخل حالة «إعادة نظر». تعددت الأطراف الإقليمية الأخرى المتدافعة لحجز موقع لها قبل أن يصعد ويملؤه طرف عربي أو آخر. الاقتناع سائد بين النخب السياسية في بعض عواصم تلك الأطراف بأن العرب لم يحسنوا التصرف، عندما آلت إليهم قيادة شؤون منطقتهم واحتكار النفوذ فيها بعد الحرب العالمية، وأنه ربما آن، في نظرهم، أوان إقدام طرف إقليمي أو آخر من خارج المنطقة العربية على استعادة زمام القيادة من العرب. ما فعله نتنياهو وجماعته وما يزمعون الاستطراد فيه ليس بعيدا عن هذا التصور. في الوقت نفسه راحت أمريكا بمساعدة إنكلترا تعزز مواقع لها احتلتها منذ كانت قطبا مهيمنا، تسببت من خلال هذا التعزيز في «تفسيخ» أقطار عربية وأقامت قواعد عسكرية وتنظيمات ميليشياوية تحمي بها بقايا إمبراطوريتها ومصالح حلفائها، خاصة إسرائيل وسط محيط هادر بأمواج التغيير. كثيرة هي عناصر التغيير الفاعلة حاليا في الشرق الأوسط، ولن يفلت من فداحة آثارها إلا من أحسن تعريفها وحدد بدقة متناهية زمن وقوعها.

اسمها فلسطين

النقطة المهمة في بيان مجلس الأمن، حسب أشرف راضي في “المشهد” تأكيده أنه لا يمكن الحديث عن مستقبل لقطاع غزة بمعزل عن بحث مستقبل فلسطين كلها، وهو تطور مهم مقارنة بالجولات العسكرية الثماني السابقة بين إسرائيل وفصائل المقاومة الفلسطينية في غزة، لكن لا شك أن هذا الأمر، لا ينسجم مع التوجه العام للأحزاب الرئيسية الآن في إسرائيل، التي ترفض حل الدولتين وتسعى إلى ضم المستوطنات، ويتحدث بعض قادة هذه الأحزاب عن إعادة احتلال غزة ومواصلة الضغوط على القوى الدولية والقوى الإقليمية لتهجير الفلسطينيين إلى دول أخرى. ومن يتابع التطورات على الساحة السياسية الإسرائيلية، خصوصا مع تزايد الضغوط الخارجية والداخلية على حكومة نتنياهو لقبول صفقة لتبادل الأسرى مع حركة حماس، سيلاحظ أن السؤال الرئيسي الذي يشغل النخبة السياسية والعسكرية والأمنية في إسرائيل، والذي كان مطروحا منذ اليوم الأول للحرب، هو مستقبل الوضع في القطاع بعد انتهاء الحرب، أو ما يعرف بسيناريوهات اليوم التالي للحرب، والخلاف حول دور حماس في حكم القطاع بعد انتهاء الحرب وحدود هذا الدور. وعلى الرغم من عدم قدرة أي من الطرفين على حسم الموقف عسكريا، إلى الآن، إلا أنه لا يوجد في الأفق ما يشير إلى قرب انتهاء القتال رغم الخسائر المتزايدة التي يتكبدها الطرفان، ولا يعلم أحد كيف ستكون النتائج، التي ستتوقف عليها أي ترتيبات مستقبلية في غزة. إن التحول في موقف الولايات المتحدة باعتبارها أحد الأطراف الثلاثة القادرة على إنهاء الحرب في غزة، مرهون بقدرة الولايات المتحدة على تصحيح كثير من الافتراضات السيئة بشأن الوضع في الشرق الأوسط، التي تتجاوز نهج واشنطن تجاه إسرائيل، إلى التأثير على سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، بشكل عام، وبداية تحركها لتجاوز الفشل الذي عانت منه في الشرق الأوسط، بسبب انطلاقها من ستة أفكار سيئة لخصها الباحث الأمريكي ستيفن كوك في افتراض ارتباط السلام بطبيعة النظم السياسية في المنطقة، وهناك برز توجه يرى أن السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين من شأنه أن يؤدي إلى تحول الأنظمة السياسية الاستبدادية في المنطقة.

صفرية إلى حين

الافتراض الخاطئ الثالث الذي لفنت الانتباه إليه أشرف راضي هو، أن الديمقراطية يمكن أن تزدهر دون ديمقراطيين. والرابع هو أن الثقافة والهوية لا يهمان وعكسهما ـ الهوية والثقافة يفسران كل شيء. والافتراض الخامس، الذي يرى أن الناس في كل مكان يريدون الأشياء نفسها وبالتالي يمكن المساومة على ما يريدون. ربما كان الأهم والأخطر هو الافتراض السادس والأخير، إذ يرى المتوقعون للاقتراح أن الولايات المتحدة الأمريكية تتمتع بالقوة، وأن مسؤوليها يمتلكون البصيرة والحكمة اللازمة لصياغة التحول السياسي الإقليمي، وهو افتراض أثبتت الحرب الحالية أن الولايات المتحدة ليست سوى طرف من الأطراف التي يتعين عليها المناورة من أجل تمرير سياساتها، وإقناع الأطراف الأخرى بقبول تصوراتها للحل. يتحول الصراع من مباراة غير صفرية تقبل المساومات والحلول الوسط ويحسب تطورها بالنقاط، ما يفتح الباب لإمكانية تسويتها، إلى صراعات صفرية لا مجال للتفاوض فيها ولا مجال للتسوية، وإنما فقط مواصلة القتال إلى أن يتمكن أحد طرفي الصراع من القضاء على الطرف الآخر، أو أن يصل الطرفان معا إلى حد من الإنهاك يجعلهما غير قادرين على مواصلة القتال. إن استمرار الحرب في غزة، التي دخلت شهرها التاسع، مؤشر على هذا التحول، خصوصا أن الأمل في إنهاء الجولة الراهنة من القتل مرهون بضعف قدرة الطرفين معا على القتال، أو حدوث تغيرات في البيئة الداخلية تفسح المجال لتبني نهج آخر لمواصلة الصراع، غير الحرب أو حسم الصراع بالوسائل العسكرية. ورغم صدور قرار مجلس الأمن إلا أنه لا تلوح في الأفق أي فرصة لهدنة دائمة، وإنما قد يتم التوصل إلى هدنة مؤقتة. إن القوى المؤثرة لم تمتلك الجرأة بعد للوقوف في وجه نتنياهو، رغم إدراك الجميع أن أحد الأسباب الرئيسية لمواصلة الحرب هو تجنب المحاكمة والسجن.

وقودها الأرواح

بعد نحو ثمانية أشهر من الحرب على غزة، تتكثف الجهود وتتزايد تحت ضغط أمريكي للوصول إلى وقف لإطلاق النار أو هدنة للأوضاع هناك. الكل يسابق الزمن لأسبابه الخاصة، من أجل الوصول إلى لحظة لالتقاط الأنفاس.. لقد تعب الجميع مما جرى. إسرائيل من وجهة نظر الدكتور مصطفى عبد الرازق في “الوفد”، أقرب لحالة حروب الاستنزاف لا نصر فيها على عدو يبدو صامدا بشكل أسطوري، رغم أهوال خسائره هو الشعب الفلسطيني، وحماس وصلت إلى طريق النهاية بعد أن حققت أهدافها في إعادة إحياء القضية الفلسطينية، ولم يعد هناك من سبيل لمزيد من الخسائر في أرواح الفلسطينيين العزل. والولايات المتحدة التي غذت وقود الحرب بإمداد إسرائيل بكل وسائل الدمار تجد نفسها في وضع حرج في ظل الانتقادات المختلفة دولية وداخلية وحالة تشتت مع قرب انتخابات الرئاسة تلقي حرب غزة ظلالها عليها. ودول عربية تشعر بالحرج مع عجزها عن الفعل أمام عملية إبادة فعلية لشعب عربي لا سبيل لوقفها سوى هدنة أو وقف نار، مهما كانت شروطه. باختصار الكل زهق من حالة الحرب التي كان من المتصور أنها قد لا تستمر سوى شهر أو شهرين، فيما هي إذا تركت على ما هي عليه وفق سياسات ورؤى الطرفين المتصارعين يمكن أن تستمر شهورا أخرى، أو نهاية العام على الأرجح. من هنا كان السعي المحموم لوقف القتال، الذي قادته الولايات المتحدة وانتهى بقرار أممى من مجلس الأمن، الذي تعثر من قبل مرات ومرات في الوصول إلى مثل هذا الهدف. ورغم كل ما سبق فإن ما قد يتم التوصل اليه ليس في النهاية سوى هدنة من منظور إسرائيلي، أو وقف للنار من منظور حماس، ولن يكون بمثابة خطوة لإغلاق ملف الصراع نهائيا، ما يعني أننا على موعد آخر، قريب أو بعيد من معارك جديدة طالما لم يتم التوصل إلى حل جذري للصراع.

متى نفيق؟

الحلول المطروحة كلها قصيرة الأمد وقصيرة النظر، من وجهة نظر الدكتور مصطفى عبد الرازق هي حلول تدور في فلك الرؤية الأمريكية التي تمسك بمقدرات وزمام الأمور، سواء على المستوى الإسرائيلي أو حتى المستوى العربي. وبغض النظر عن تحقق هدف القضاء على حماس من عدمه وهو أمر مشكوك فيه. فما تسعى إليه الولايات المتحدة حسب أحدث تصريحات لمستشارها للأمن القومى جيك سوليفان هو وقف للنار يؤدى إلى إنهاء حكم حماس وإقامة مؤسسة أمنية مؤقتة ومؤسسة حكم مؤقتة لا تجعل من غزة ـ وفق الرؤية الأمريكية ـ منصة للإرهاب. بعيدا عن إغراق التصور الأمريكي في البعد عن الواقع، فإن المنطق يقرر إنه لا حل للقضية الفلسطينية سوى بتسوية تمنح الفلسطينيين حقوقهم المشروعة التي يطمحون إليها. المشكلة ليست في حماس أو الجهاد، المشكلة في وجود شعب اسمه الشعب الفلسطيني يرفض التنازل عن حقوقه في أرضه، وهذا الشعب فشلت كل السبل في تجاوزه وتهجيره والقضاء عليه. ليس من قبيل الإغراق في الأحلام التساؤل حول متى يفيق العالم ومتى تنتبه الولايات المتحدة تحديدا إلى أن المنطقة لن تكون على موعد مع الاستقرار إلا بحل القضية الفلسطينية؟ المسألة محسومة إما القضاء على هذا الشعب تماما واستئصاله من الوجود وهو أمر أقرب إلى الاستحالة، أو الاعتراف بحقه في إقامة دولته المستقلة. إن مغزى ما جرى من حرب استمرت كل هذه الفترة لم يصل لصناع القرار في دول العالم بعد، وأنه حتى الآن ليست هناك إرادة دولية أو غير دولية لإعادة المنطقة إلى سكة الاستقرار، إن لم يكن على العكس بأن يبقى الصراع مفتوحا لاستمرار التدخل الدولي، والغربى بالأساس في مستقبل المنطقة العربية.

لا قيمة للمسلمين

جريمة حرب وصفها محمد البهنساوي في “الأخبار” بأنها مكتملة الأركان وسبة في جبين الإنسانية، تؤكد الإجرام والخداع الدولي «تلك المعاني والأسوأ أكدتها المجزرة الأخيرة في مخيم النصيرات التي خلفت ألف ضحية بينهم حوالي 300 شهيد، هجوم بري وجوي وبحري على شعب أعزل انتهت، بتحرير 4 رهائن، لكنها قتلت كذلك 3 رهائن آخرين. مجزرة ضمن سلسلة لا تتوقف من المجازر والعمليات الإرهابية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين المقهورين، منذ اليوم المشؤوم لقيام هذا الكيان السرطاني الدخيل على منطقتنا العربية، ولعل ما يميز تلك العملية القذرة وضوح التحالف الدولي الإرهابي لحماية تل أبيب ذراعه الإجرامية، وتكشف وضاعة وانحطاط هذا التحالف، فقد كشفت تقارير دولية أن عملية النصيرات تخطط لها منذ فترة الموساد والمخابرات الأمريكية والبريطانية، ومن فرط إجرامهم وانحطاطهم، استغلوا الأوضاع الإنسانية في غزة والتعاطف الدولي مع شعبها معلنين إنشاء ميناء بحري لإيصال المساعدات، ومن سبر غور التحالف الصهيوني الأنكلوأمريكي تعجبوا من حنيته المفاجئة، ولم تطل حيرتهم، حيث كشفت تلك التقارير أن الميناء تم إنشاؤه أساسا لاستخدامه لتلك العملية. قوات خاصة وطائرات وبوارج لإعمال آلة القتل في الفلسطينيين. كما أن مذبحة النصيرات كشفت أن ما تظهره عدة قوى دولية خاصة أمريكا من اهتمام بالتفاوض لإنهاء الحرب وتحرير الرهائن، ما هو إلا كذبة وخديعة وكسب وقت لاستكمال إبادة الفلسطينيين، وسؤال آخر حول مئات وآلاف الضحايا التي تكفي لإطلاق باقي الرهائن المحتجزين؟ بالتأكيد العدد لا يهم فهم من العرب المسلمين عديمي القيمة لدى تلك القوى المجرمة. عملية المقاومة يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول أفقدت تلك القوى صوابها، وأربكت حساباتهم وأظهرت ضعفهم. وأثق أن الخوف والتخبط لا يزالان يسيطران على تلك القوى، كما انه لن يحدث سلام ولا اتفاق في ظل وجود المجرم النتن ياهو على رأس حكومة تل أبيب.

رحلة مباركة

رحلة الحج عبر الباخرة كان لها خط سير محدد، فقد كان الحجيج يسافرون أولا إلى السويس، ومن هناك يركبون البحر من الميناء القديم، ليتهادى الركب فوق صفحة البحر حتى يصل إلى الأراضي المقدسة. وقد شاع الحج بالباخرة حسب ما ذكر الدكتور محمود خليل في “الوطن” أواخر القرن التاسع عشر، وعلى وجه التقريب خلال فترة حكم الخديوي توفيق. ولم يزل بعض المتشوقين إلى الحج أو العمرة يلجأون إلى هذه الوسيلة التي تقل تكلفتها عن الطائرة، ولم تخل هذه الوسيلة من مخاطر ترتبط بتقلبات البحر، بالإضافة إلى ما كان يلاقيه الحجيج من عنت وتعب، خصوصا حين يصلون إلى الميناء الذي يستقبلهم على الضفة الأخرى من البحر الأحمر ليأخذوا طريقهم إلى مكة، لكن يبقى أن ركوب البحر كان أكثر أمنا من ركوب البر، خصوصا في تجنيب الحجيج الهجمات، التي لم تكن تتوقف من الأعراب وقطاع الطريق. إنها رحلة تعب، لكن الجائزة التي يُمنّي الحاج بها نفسه في نهايتها بالصلاة في البيت الحرام، وزيارة قبر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كانت تهوّن الصعاب، وكما حكى الآباء والأجداد فإن أغلب الحجيج كانوا يسترجعون، ما عاناه النبي صلى الله عليه وسلم، حين قطع الطريق من مكة إلى الطائف (110 كيلومترات على وجه التقريب) حتى يدعو أهلها إلى الإسلام، بعد أن بات مطاردا في مكة، وقابله كبار “ثقيف” بما قابلوه به، وأيضا حين قطع رحلة الهجرة من مكة إلى المدينة (حوالي 385 كيلومترا)، وما كابده من مصاعب ومتاعب وهو يقطع الطريق في الصحراء وبين شعاب الجبال.

عودة مباركة

مضى الدكتور محمود خليل يسجل الرحلة المباركة نحو أشرف مقصود تلبية لنداء السماء بأداء الركن الخامس من أركان الإسلام متجسدا في الوقوف على جبل عرفات وسائر طقوس الشعيرة المباركة: كان قاصد البيت الله الحرام يتذكر كل هذا فتهون عليه المشاق والمصاعب ليكتمل البناء الإيماني للمسلم، الذي يخوض هذه الرحلة. رحلة العودة من الحج لم تكن تقل مشقة عن رحلة الذهاب، وكان يهوّن منها حفاوة الاستقبال والترحاب الذي يلقاه الحاج من أهله وأحبائه. فقبل عودة من فاز بأداء الفريضة كانت الأسر تستعد في الماضي، خصوصا الأسر البسيطة، فالبيوت لا بد أن تنظف بشكل خاص وتدهن حوائطها ومداخلها لتليق باستقبال العائد المعفر بتراب الأراضي المقدسة، والنقاشون والرسامون لا بد أن يظهروا فنهم في رسم الكعبة والجمل والسفينة على مدخل البيت في إشارة إلى الحدث الجليل، وما أن يطأ الحاج أرض الحي الذي يسكن فيه حتى يلتف حوله من يعرفه ومن لا يعرفه، يسلمون عليه ويباركون له، ويتمنى لهم ويتمنون لأنفسهم الفوز بما فاز به. والمقتدر من الحجاج كان يقيم ليلة لأهل الله يذبح فيها، ويوزع الصدقات على الفقراء، ويجلس في صدر صيوان كبير يرتدي جلبابا أبيض وطاقية بيضاء، ويتلقى التحايا والتهاني ممن يفد إليه، في حين يتعالى صوت المنشدين بمدح النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته الغر الميامين.

أولمبياد المقاومة

سيكون حضور وفدٍ رياضي فلسطيني حفلة افتتاح الأولمبياد الصيفية في باريس 26 يوليو/تموز المقبل مصدر إلهامٍ جديد للمقاومة والصمود. تمكنت اللجنة الأولمبية الفلسطينية بصعوبةٍ شديدة وفق الدكتور وحيد عبد المجيد في “الأهرام” من تجهيز ما تيسر من الرياضيين الذين شاركوا في دورات ألعاب أولمبية سابقة، وغيرهم، في ظروفٍ بالغة القسوة. والمتوقع أن يكون عدد المُتأهلين قليلا بسبب العدوان الهمجي على غزة والاعتداءات المتواصلة في الضفة الغربية. ومع ذلك يُعد تأهلهم إنجازا كبيرا في ظل عدوان همجي لم يترك شيئا في قطاع غزة إلا دمره، بما في ذلك البنية التحتية الرياضية كلها، ومقر اللجنة الأولمبية في ملعب اليرموك. واستُشهد ما لا يقل عن 170 رياضيا فلسطينيا في قطاع غزة. سيذهب وفدُ فلسطين رافعا رأسه وعلم وطنه نتيجة تأهلٍ عن جدارةٍ واستحقاق، وليس بدعوةٍ من اللجنة الأولمبية الدولية، التي تحاول ادعاء حيادٍ غائب في ظل ازدواج معايير صارخ. أوقفت هذه اللجنة مشاركة رياضيي روسيا وبيلاروسيا تحت علم البلدين فور نشوب الحرب في أوكرانيا، ثم تجاهلت العدوان على غزة. أُرغم الرياضيون الروس على المشاركة كمستقلين لا كممثلين لبلدهم رغم أن رياضيا أوكرانيا واحدا لم يُقتل في الحرب. لم تستمع قيادة اللجنة الأولمبية الدولية لأصواتٍ كثيرة في العالم طالبت بمعاملة الكيان الإسرائيلي مثلما عوملت روسيا وبيلاروسيا. وأغلق أعضاء المجلس التنفيذي للجنة آذانهم لكيلا يسمعوا نداءات أحرارٍ نظَّموا أسبوعا لمقاومة الاستعمار والأبارتايد الإسرائيلي، بالتزامن مع اجتماعهم في سويسرا في مارس/آذار الماضي. فقد طالب المُنظمون والمشاركون في فعاليات ذلك الأسبوع المجلس باحترام المبادئ الأولمبية واتخاذ موقف ضد جريمة إبادة جماعية عبر منع مرتكبيها من التمثيل الرسمي في دورة باريس. ولهذا بدا رئيس اللجنة الأولمبية الدولية توماس باخ عقب ذلك الاجتماع كما لو أنه يحاول التمويه على ازدواج المعايير عندما قال إنه سيوجه دعوة للجنة الفلسطينية حتى إن لم يتأهل أي من رياضييها. ولكن تأهل رياضيين فلسطينيين يقطعُ الطريق على محاولةٍ خائبةٍ لإخفاء انحياز سافر لحرب همجية في مجالٍ يُفترض أنه أحد أهم التجليات الرمزية للسلام.

الاستدانة

للملكة إليزابيث الثانية تساؤل شهير وجهته لأساتذة مدرسة لندن للاقتصاد في نوفمبر/تشرسن الثاني 2008، عند زيارتها لها في أوج الأزمة المالية العالمية التي وصفتها، عن حق، بأنها أمر مريع؛ ثم تساءلت «لماذا لم يرَ أحدكم قدومها؟». وجاءت الردود على الملكة مقتضبة تفيد كما أخبرنا الدكتور محمود محيي الدين في “الشروق”، بأن كل واحد منهم يقوم بعمله على خير وجه في مجاله، وهو ما تبين خطؤه بعد اندلاع الأزمة. وكان من الواضح تعذر رؤية ما يحدق من مخاطر للاستدانة، مهددة للنظام الاقتصادي العالمي برمته. فقد غابت أبعاد الصورة الكاملة عن عملية اتخاذ القرار، فوقعت أزمة شاملة، ما زال يعاني العالم من تداعياتها. اليوم وبصدد أزمة أشد خطورة خاصة على بلدان عالم الجنوب وترجع للسبب نفسه وهو الإفراط في الاستدانة. فإذا كان عبء الدين على المرء «همّا في الليل ومذلة في النهار»، فخطورة تأثيره أشد على استقرار الدول ونظمها السياسية والاقتصادية ومستقبل تنميتها واستقلال قرارها. وقد حظي هذا الأمر باهتمام مستحق امتلأت به مؤلفات وتقارير شتى، متاحة لمن أراد الاتعاظ بغيره. ويتطرق الكتاب الموسوعي لعالم الأنثروبولوجيا ديفيد جريبر المعنون «الديون: الخمسة آلاف سنة الأولى»، لتأثير الديون تاريخيا على العلاقات داخل المجتمعات وتفاعلها مع الممارسات الاجتماعية، بين عدل واستغلال، وكيف حاول أن ينظمها الدِّين والشرائع والقوانين. وكذلك تأثيرها على العلاقات الاقتصادية والسياسية وحالات الحرب والسلم بين الدول. ويرصد التقرير الجديد لمنظمة الأنكتاد لعام 2024، تحت عنوان «عالم من ديون»، مؤشرات مزعجة عن فرص التنمية في البلدان النامية. فالدين العام المحلي والخارجي بلغ 97 تريليون دولار بزيادة تقترب من 6 تريليونات دولار عن العام السابق، بمعدل زيادة للديون في البلدان النامية بلغ ضعف زيادته في البلدان المتقدمة. وبات نصيب هذه البلدان 30٪ من إجمالي الدين العالمي بعدما كان لا يتجاوز 16٪ فقط في 2010. وفي حين تراجعت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي ـ بأسعار السوق ـ في البلدان النامية، بفعل النمو في بعضها والتضخم في بعضها الآخر، إلا أن نسبة الدين إلى الناتج قد ارتفعت بحدة في افريقيا.

جدولة الديون

يصر الدكتور محمود محيي الدين على أن الاكتفاء بنسبة الديون إلى الناتج المحلي الإجمالى من المضللات الكبرى لصنع القرار، فالعبرة بالقدرة عل خدمة الدين بموارد جارية دون عبء على التنمية والتوازنات الاجتماعية والاقتصادية. ولا تشير أرقام خدمة الدين لما يدعو للارتياح، فقد زاد وسيط خدمة الدين الخارجي وحده كنسبة من الصادرات من 3.8٪ في عام 2010 إلى 6.3٪ في عام 2022، وباتت خدمة الديون تلتهم ما يقترب من 9٪ من الإيرادات الحكومية. ومع ارتفاع مدفوعات الديون المستحقة على البلدان النامية من أسعار الفائدة إلى 850 مليار دولار علينا أن نتساءل: من يدفع حقا تكلفة الديون؟ ازدادت عملية إعادة جدولة الديون صعوبة بزيادة نسبة دائني القطاع الخاص للبلدان النامية على حساب الدائنين من الحكومات، الذين يضمهم ما يسمى نادي باريس، إذ تراجعت حصته من 39٪ في عام 2000 إلى 10٪ فقط عام 2022. ومع غياب إطار عادل وكفء لتسوية المديونيات المتعثرة أصبحت البلدان النامية تفضل التضحية بالغالي، بعد الرخيص، على أن تقوم بإعادة جدولتها. فأعطت سداد الديون أولوية على ما تنفقه على التعليم والرعاية الصحية والخدمات الأساسية. وفي حين يبلغ متوسط الإنفاق السنوي للفرد على الرعاية الصحية 39 دولارا وعلى التعليم 60 دولارا فقط، فالمنفق على أسعار فائدة الديون 70 دولارا ثم يأتى من يتساءل عن مصير التنمية المستدامة، ولماذا النسبة تقل عن 15٪ من أهدافها على المسار السليم؛ وباقي الأهداف تكاد تعصف بها رياح الديون قبل بلوغ نقطة النهاية في عام 2030. وعكس الأزمة التي اشتكت الملكة إليزابيث من فشل توقعها؛ فالأزمة الراهنة تجاوزت التوقع إلى الواقع، وتدفع ثمنها الأجيال الحالية وستلقي بتبعاتها على أجيال قادمة.

مشاكل التاكسي

يطالبنا أحمد عبد التواب في “الأهرام” بألا نملّ من الكلام عن مشاكل التاكسي الأبيض، وألا نتوقف عن إثارة الموضوع بمنطق أن كل شيء قد قيل، ذلك لأن هذه المشاكل تتفشى وتصير أكثر تعقيدا بصورة غير طبيعية، كما أنها تتحدى المسؤولين والجمهور بأنهم جميعا عاجزون عن إيجاد حل أضِف أيضا أن المخالفين من السائقين لم يعودوا فئة قليلة لا تُشوِّه صورة أغلبيتهم، وإنما صاروا هم الأساس الذي يُغطِّي على الأفراد النادرين الملتزمين. مع ملاحظة أن الحكومة في آخر قرار بزيادة أسعار الوقود أرفقت معه تعديلا في تسعير مسافات التاكسي بهدف مراعاة حقوق السائقين، بالتوافق مع نقابتهم، ولكن المخالفات استمرت، ولم تتوقف عند عدم تشغيل العداد، بل ومع تعطيل المكيف في هذه الأيام، التي تشتعل فيها حرارة الجو، رغم أن التكييف حق للراكب لأنه يدفع قيمة استهلاكه المضافة على الفاتورة، أما التراجع، الذي يجب أن يُولَى اهتماما خاصا، فهو في شراسة غير مقبولة من السائقين المخالفين مع الركاب، وتعمدهم إثارة مشاحنات صاخبة يراهنون على أن الركاب يتجنبونها لأنها تضعهم، خاصة النساء، في حالة حرج أمام جيرانهم أو زملاء عملهم. كما أنه، وعلى المستوى العملي، ليس هناك جهة تراقب المخالفات وتحسمها بغرامات رادعة، ولا يعلم الجمهور لمن يلجأون لحل المشكلة، وهذه الأخيرة يعلمها جيدا السائقون المخالفون، وتجعلهم يطمئنون إلى أن تعقيدات طريق الشكوى وحدها تنقذهم من الشكاوى. وليس جديدا أن يقال إنه لا يصح الكلام عن توفير المناخ الجاذب للسياحة في غياب تاكسي منضبط، في أجرته ونظافته وهندام السائق وحسن معاملته للركاب، ولكن الحال على الأرض هو وسيلة إيضاح لعكس كل هذا، كما لو كان هناك من يتعمد إهمال الإصلاح، أو لا يكترث، أو لا يعي التبعات. ومن الغرائب أن بعض هؤلاء المخالفين يعتبرون أنه على الراكب ألا يكتفي بدفع سعر التوصيلة، وإنما عليه أن يحل له مشاكله المعيشية، دون أن يفكر في أن للراكب مشاكل أيضا ربما تزيد على مشاكله، وأن الراكب يتعامل مع التاكسي، مثل أي وسيلة مواصلات أخرى، يدفع فيها قيمة توصيله، التي تتضمن مصروفات الوسيلة، مع هامش ربح قانوني.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية