حين تلتقي بالشفافية مصادفةحكاية الفنان العراقي محمد سعيد الصكار

حجم الخط
0

كانت أياماً غابرة تلك التي التقيت فيها الصكار للمرة الأولى، كنت مبتدئاً في تجربة المنفى، وكان رحيلي إلى باريس في المرة الأولى رحيلاً شعرياً، كان ذلك في عام 1976 مقتفياً آثار الشعراء البرناسيين والسرياليين، مترصداً خطاهم في كل مكان وزاوية، عند هضبة المونمارتر وأزقتها البديعة، في الحي اللاتيني، جائياً ذاهباً، كنت أعدّ حجرات رصيف السان ميشيل والأوديون والسان جرمان دو بيريه، حين التقيت بالشفافية مصادفة، لم تكن أموري حينها على ما يرام وأنا الكائن البوهيمي المشرد على تلك الأرصفة المثقلة بالضوء والكلمات، مترسماً خطى الذين سبقوني وإن كانوا من غير أبناء قومي، كنت هارباً من المعلقات والشعر النمطي الذي قتلني بأسمائه الرتيبة، كنت أبحث هناك عن المغامرة والشاعر المغامر. وبينما كنت مستغرقاً في سحابة تفكيري المتعرّج والسائر على غير ما هدى في الشارع اصطدمت وجها لوجه بالشفافية، وأعني هنا الشاعر والفنان المرهف محمد سعيد الصكار.
حينذاك كان معي شاعر آخر لا يقل تمرداً ومغامرة عني هو فوزي كريم، صاحب ديوان «أرفع يدي احتجاجاً». حين التقينا الصكار وبعد جلوسنا في مقهى»نوتردام» المطل على نهر السين لبعض الوقت، سرعان ما دعانا إلى مطيعم أنيق في الحي اللاتيني، الذي كنا نتسكع فيه وننظر إلى صنف الأطعمة المعروضة التي لم نستطع الاقتراب منها، كونها تقع خارج إرادة ما هو موجود في الجيوب، اللهم سوى التزوّد بالشميم وعمل التفكير بالرائحة التي تأخذ بالأفواه قبل الألباب .
مرّ زمن وتغيرت أحوال وعدت إلى العراق طائعاً، وقد ضربني الحنين في أكثر من موضع، كانت بغداد يومها لا تقل جمالاً عن جمال باريس، حانات ساهرة طـــوال الليل، مقــــاه مدنية وجمــــيلة تمتد على شكل سلسلة طويلة على شاطئ دجلة في شارع ابي نواس الفاتن حينذاك، حانات سطوح ومقاهي سطوح ودور سينما متنوعة صيفية وشتائية ودور ملاه وبارات كثيرة ومختلفة، وجلها يصنّف بين الراقي والبسيط والمتوسط.
المهم في الأمر هنا هو الصكار الذي غاب عنا في مثل هذه الأيام قبل عام، وهو في أوج نشاطه الفني والأدبي والتشكيلي، حيث بغيابه خسر العراق والعالم العربي الذي كان يعرفه جيداً فناناً مرموقاً، وشاعراً وكاتباً وخطاطاً عالمياً ليس من النادر أن نعثر على من أمثاله في هذه الأيام التي تبدو متعجلة وسريعة في كل شيء .
في رحيلي الثاني والذي نشد باريس أيضاً، كونها البلد الأوروبي الأول الذي سافرت إليه ورأيته وعرفته وخبرت زواياه ومفارقه ومنعطفاته الرومانسية، هناك سألتقي الصكار ايضاً في بيته المأنوس في أحد الأزقة المتفرّعة من شارع الشانزليزيه، تمرّ الأيام والزمن يهرولُ كعادته بيننا، لنكون في بيروت ودمشق لنرى الصكار هناك آتياً في زيارات قصيرة، آتياً إما لشأن ثقافي للرابطة الأدبية أو لمشروع فني وأدبي يقيمه في تلك المعمورة حيث نقيم.
حين بدأ الصكار حياته الأدبية والفنية، بدأ من تلك القرية الصغيرة «شهربان» أي من مدينة «الخالص» تحديداً في ديإلى، كان حينها لم يزل فتىً في مطالع حياته، توفي والده وهو في مدرسته الابتدائية، ليقوم أخوه الأكبر على تنشئته وتربيته وتأمين أوْده، ولكن من عطاء وشقاء الصكار نفسه، حيث كان أخوه يستغله إلى آخر ما يمتلك الفتى النشيط من قوة والمليء بالحيوية، مثل أي كائن آخر يمرّ برحلة زمنية كهذه وهو في ميعة الصبا ونشاطها. أخوه كان طوال النهار يقوم على تشغيله في المصبغة التي كانوا يمتلكونها أو يعملون بها لدى أشخاص آخرين، بينما كان على الصبي أن يواصل تعليمه ودراسته وسط تلك الألوان الحارة من عالم الصباغة، تلك الألوان التي ستحوّله إلى رسّام وملوّن وفنان بارع في الفن التشكيلي وإلى خطاط من طراز خاص .
هذا الكلام سرده عليّ الصكار في حوار تمّ بيني وبينه، وهو من ضمن حوارات كنت قد أجريتها مع رموز من عالمنا الأدبي العراقي والعربي في إحدى فترات عملي الصحافي خلال عقود خلت.
في تلك الأثناء وحين شبّ الصكار، وهو ينحدر من عائلة لقبت بالصكار نسبة لمهنتها وهي صيد الصقور(واحدها الصقر) «الصكر» بالمحلية العراقية، انتقلت عائلة الصكر هذه إلى البصرة، وهناك سيترعرع الفتى الموهوب في الحاضرة الثانية للعراق بعد بغداد. البصرة هي الأخرى كانت تعوم على شاطئ الفتنة وليس بغداد فقط، ففيها ما فيها من أماكن اللهو والسهر والطرب والمتعة الكثير، فضلاً عن منزلتها الأدبية والفنية والتاريخية، فهي بلدة الجاحظ والمعتزلة والخليل بن أحمد الفراهيدي والسياب ومحمود البريكان، مدينة مفتوحة على العالم والبحر الذي يربطها دون شك بهذا العالم الذي كان على ما يبدو قريباً عليها، خصوصاً لسكان منطقة الخليج، فهي كانت بالنسبة لهم في تلك الفترات من الراحة الآمنة، الملاذ والعالم الذي يسعون اليه من أجل تمضية رحلة حافلة بالملذات والمتعة والإقامة الكريمة .
في تلك الأجواء المثالية، أجواء الشعر والفن والكتابة، أجواء اليسار الصاعد في كل جوانبها من عمل سياسي سرّي وعلني، وسلمي وطني، في تلك الأجواء الفاتنة ظهرت القدرات التي كان يتمتع بها الصكار، بادئاً بعالمه الأقرب إليه، عالمه المبلل برذاذ الشعر الذي كان يهبّ عليه وهو لم يزل فتى في خطواته الأولى. صوته في الشعر كان لافتاً منذ اليفاع، صاحب ديوان «برتقالة في سورة الماء»الذي صدر حينها عن «دار الآداب» في بيروت التي لم يكن يسيراً نشر الشعر فيها، إلا للمتميزين والقادرين على التألق لاحقاً والمُنبئين بتأسيس نبرة خاصة بهم .
في غمرة ذلك التألق، وجو المنافسة بين أقرانه الذين شكلوا جيلاً عرف بجيل الخمسينيات الذي جاء بعد الشعراء الرواد، حظي هؤلاء بالتفاتات مميزة من قبل الإعلام العربي والجهد النقدي الذي تابع تجاربهم عن كثب وبشّر بتلك الأصوات التي ستكون فاتحة طريق جديد للشعر العربي، تختلف نبرته التعبيرية ونقلته الفنية وتوجهه الإسلوبي عن كل ما حققه الجيل الرائد، رغم تأثرهم في البدايات وفي مطالع التجربة بالشعراء الرواد، وبخاصة الشاعرين الكبيرين بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي، وظل البعض يدور في فلكهم لفترة متأخــــرة مثل سعدي يوسف. وظل سعدي على تلك الوتيرة من «قلق التأثر» وفق نظرية هارولد بلوم، حتى الإصدار السابع، ليصل بمشقة بالغة إلى تحقيق صوته الخاص في ديوانه «قصائد مرئية» وإن ظل السياب يطل برأسه بين قصيدة وأخرى من هذا الديوان .
ولعل أبرز شعراء هذا الجيل إضافة إلى محمد سعيد الصكار الشعراء يوسف الصايغ ورشدي العامل وسعدي يوسف ومظفر النواب وعبد الرزاق عبد الواحد، وباستثناء الصايغ وعبد الواحد، فالبقية هم من مواليد 1934 أي أنهم من عمر واحد وتاريخ ميلاد واحد ونشأة واحدة، مثل الشعراء الرواد السياب وبلند والبياتي مواليد 1926، باستثناء نازك الملائكة التي كانت تكبرهم بعامين .
كان الصكار ومظفر والصايغ رسامين أيضاً ولهم أعمال جميلة ومؤثرة، الكل التفت إلى الشعر ولكن بدرجات متفاوتة، مثل الصكار الذي سينقسم إلى نصفين شاعراً وفناناً تشكيلياً. وظف الخط في اللوحة التشكيلية متأثراً بالرائد هاشم الخطاط الذي تتلمذ في مدرسته الخطية الشهيرة والبارعة في توظيف الخط العربي لصالح الفن، حتى أصبح لهذا الفن هُويته وشخصيته وميزته العالمية التي ظللها البعد العرفاني، والتوله في سبر الآفاق المجهولة للكون، أي في الإفادة من الإشراق الروحي والمناجاة الذاتية ـ الصوفية لتمدّدات الحرف العربي، في طقوس هذا العالم التوحيدي، وحدة الإله والكون والطبيعة، ثم قيامة الحرف الذي يجسّد هذا الضوء الموحي النابع من حس الكينونة، ونبض الوجود الكوني لحركة الزمن ببعده الرابع، كل هذا تجسّد في الحرف العربي ـ المتموج والمتناغم مع هذا العالم المتعدّد، حيث الألف تنهض بحركة المنائر الطويلة والنون بوظيفته التي تُجسِّد القبّة، والباء تذهب لتتشكل على هيئة سفينة، أسماء الله الحسنى التي رُسِمتْ وخُطتْ بألف طريقة وطريقة تشكيلية بدورها أضافت إلى اللون ذلك الهارموني المنغّم، لكي يتواءم مع ظواهر الحياة والكون والطبيعة بكل أبعادها وتجلياتها الميتافيزيقية .
كان الصكار رائداً بحق، عرف كيف يوظف الشعر في اللوحة التشكيلية، كانت لوحاته غالية وثمينة وتشترى مهما غلى ثمنها، لفرادتها وجمال فنها وتقنيتها ذات الروح الدينامية التي تعرف إلى أين يذهب الفن، وأين يكمن الجمال وتختبئ الروعة . لقد ابتكر الصكار خطوطاً جديدة، وطوّر من الخطوط المعهودة التي مارسها مثل الثلث والكوفي والديواني والرقعة وغيرها من التسميات الحروفية، كان مكتشفاً حروفياً وخالقاً مكيناً، في توظيف الحكمة والمثال وتوظيف القصيدة والبيت الشعري الشهير، كأبيات المتنبي مثلاً، وقد ساعده الفن الغرافيكي على توسيع دائرة هذا الفن بخلق نسخ أصلية تتعدى المئة من نسخة واحدة، وقد نلت منه بعضاً من هذه النسخ كهدية، كلما ساعدني الزمن على لقياه من أجل التقرب من فنه والتزوّد بمعرفة هذا الفن النائم في غابة حروفية .
التقيت الصكار مرات عديدة في زوراتي إلى باريس، كنت كلما ذهبت إلى هناك أهتف إليه، وكان رحمه الله يلبّي الدعوة التي أكون فيها في بيوت أحد الأصدقاء. كانت جلساته مشوقة، حافلة بالذكريات والتفكه، أنه يجيد روي المُلح والنوادر والحكايات، بالإضافة إلى تلوين الجلسة بالأبعاد الشعرية مما يحفظه من شعره وشعر الآخرين. لم أسمع منه يوماً حديثاً في الثلب، ثلب الآخرين وهم غائبون، أو التقليل من أهمية شخص غير موجود في الجلسة، أو في ممالأة القتلة والطغاة، كما فعل شاعر قرين له، سعى يمجد طاغية قاتلاً ليل نهار، بل كان على العكس من ذلك، شاعراً يقطر رقة ورهافة ودماثة، لكن هذا لم يكن ليجعله مهادناً، يمنعه من قول الحقيقة مهما كان الثمن الذي يدفعه من أجلها، ولقد رأيناه كيف قال لا ودفع ما دفع من أثمان خلال حياته المليئة بالفن والمنافي .
ثمة خصلة فنية أخرى تميز بها الصكار وينبغي عليّ الإشارة إليها ونحن نخوض غمار تجاربه الفنية، ألا وهي إجادته لكتابة ما يعرف بـ «شعر الإخوانيات» وهو شعر خفيف وساخر يعتمد الحكاية الشخصية وتوارد الخواطر واستدعاء القافية والضربة اللافتة، في نهاية هذا الضرب من الشعر، الذي يعتمد على المزحة والمُلحة والنادرة التي تتكون خلال تلك اللحظات عن الشاعر أو الصديق مدار القصيدة، لتُعدِّد مناقبه وطبائعه وحركاته وصفاته بقالب شعري محبّب .

هاشم شفيق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية