كتاب الناقد المصري محمد الشحات «هوامش ثقافية» يأتي بوصفه هامشاً في سياق مشروع نقدي ثقافي يضطلع به الباحث، الذي سبق وأصدر مجموعة من الكتب، أهمها «بلاغة الراوي»، و»سرديات المنفى»، و»وسرديات بديلة» وغيرها.
الكتاب يتأسس على توجهات تحتمل فعل التداخل مع مستويات من النصوص، والمصطلحات والمواقف، ولاسيما تجاه إشكاليات ثقافية، بما يحتمل ذلك من قراءات متبصرة، تنتظم في مقالات مكثفة عابرة لمستويات من التناول العميق، على الرغم من ضيق المتن الخاص بكل مقالة، ومع ذلك فإن الكتاب ينطوي على متعة المقاربة، ولا سيما للقارئ الذي يبحث عن أسئلة تطال بعض المفاهيم النقدية، بالإضافة إلى إشكاليات ثقافية، وحضارية، بالتوازي مع قراءات في أعمال بعض المبدعين، الذين ينتمون إلى واجهة الحضارة الكونية، إذ أن الكتاب غير محدد بأفقه العربي، أو عالمه، إنما هو يطال الإنساني شرقاً وغرباً. تتحدد قيمة الكتاب بإجابته عن بعض الأسئلة التي تتصل بالقارئ اليومي الذي لا يكاد يعثر على موجهات واضحة لفتح مغاليقها عند تقاطعه في بعض الأحيان مع الثقافة، والأدب والنقد، وبهذا فإن الكتاب يعيد تموضع الثقافة في سياق اليومي حين يمارس انتقاء موفقاً لبعض القضايا التي يمكن أن تهم القارئ العربي.
يراهن الشحات على جاذبية الطرح والأسلوب، فالقارئ ينتقل من صفحة إلى صفحة، ومن مقالة إلى مقالة، وما أن ينتهي الكتاب حتى يكون القارئ قد وقع على تصورات عامة، ومع ذلك، فإنها تبدو وقد مارست ثباتاً، وتمكناً في وعي المتلقي، كون الكتاب قد أعاد رسم حدود الثقافة في الوعي، فلغة الكاتب لم تتعال، ولم تمارس عدائية تنهض على توظيف المصطلح الجاف، كما لدى بعض النقاد الذين يغلقون معابر الإدراك من منطلق الذاتوية، ووهم النخب المثقفة التي تحيّد الإنسان العادي ثقافياً، كما حيدته ونبذته السلطات وحكوماتها إنسانياً.
تكمن قيمة الكتاب بانفتاحه على مستويات متعددة، ومع أن التصور الأولي لدى المُعاين المتفحص لمقالات الكتاب، قد يسارع إلى تكوين حدود فاصلة بين فصول الكتاب، أو لنقل بين متون الكتاب، غير أنها تتفق حول نسقها، ومنظورها لقيم معينة، ومنها الكتابة في منطقة برزخية تتحرر فيها من قيود التخصص، لتشكل موقفاً تجاه أسئلة الثقافة، بتكوينها الإنساني البسيط، والهامشي. وهكذا جاء «هوامش ثقافية» في خمسة محاور، ارتضاها مؤلف الكتاب، وهي: هوامش أولية على مفاهيم، ولا حاجة لهوامش، فلا يزالون بيننا، وهوامش على نصوص، وهوامش على أزمة النقد العربي، وهوامش على ضرورة الفن. هذه الهوامش تتصدرها مقدمة وسمها الشحات بما «قبل الهوامش» وفيها يقيم مفهوماً للكتابة التي تعبر، وتنتقل من مستوى النقد الصحافي إلى مستوى النقد الثقافي.
المحور الأول ينطوي على مفاهيم نقدية متداولة في النقد، سواء كان نقداً أدبياً أو ثقافياً، وهنا نعثر على تلك الإحالة لنفي وظيفة النص، وانتفاء دوره مقابل تمكن سياق الثقافة، أو النسق الثقافي الذي يتغذى على مبررات حضوره في سياقات مجتمعية حديثة، تنهض على تبادلات وانزياحات في النظرة تجاه قيمة النصوص، وتموضعها لدى متلقي النصوص، علاوة على ما يتبع ذلك من تحولات تطال حدود النخبوي والشعبي، كما يناقش الناقد في مقالة له. وبين هذه المستويات من التحليل المكثف والرؤية النابضة بحيوية ورشاقة اللغة، نعبر في ما بعد للاطلاع على بعض المفاهيم النقدية التي مهما خبرها، وتمعن فيها الناقد المتمرس، غير أنه يكتشف وجهة جديدة عند قراءتها في الكتاب، أو لنقل شيئاً ما، كان غائباً عن الوعي، أنارته عبارة ما هنا، أو تعليق للكاتب هناك، فالمفاهيم غالباً ما تحضر في سياق تراكمات معرفية، وتاريخية، تعيق الوصول إلى مركز الشيء، وهكذا كان للتجريد المعرفي، والتكثيف أن يعيد تموضع بعض الإشكاليات النقدية والأدبية، وهكذا نقرأ عن الأدب بوصفه ممارسة ثقافية، وماهية النقد الثقافي، وما بعد الحداثة، والقبيح الجميل، وفي الأخير نقرأ تشريع الناقد الإيطالي إمبريتو إيكو، الذي يعيد هيكلة حقائق تتصل بتصورات حول هذين المفهومين في الثقافة. يمتد الهامش الأول في بحثه أيضاً عن مفاهيم تتصل بالأنا والآخر، وما يحاذيها من تنظيرات تتكئ على ما بعد الكولونيالية والدرس الثقافي، بالإضافة إلى تهافت السرديات الكبرى التي يحلل الكتاب تكوينها معرفياً، مع إضافة لمناقشة هذا المفهوم في نطاقات جديدة. ومع توجه المحور الأول إلى خاتمته، تضيق دائرة المعالجة لتتحول إلى مقاربة نوعية وإقليمية، ترتبط بكتابة المرأة والأدب الخليجي، وهنا تطفو على السطح تجربة الناقد بوصفه أستاذاً في جامعات الخليج العربي حيث كان مطلعاً على الحراك الأدبي، ولاسيما كتابة المرأة التي يعاينها الكتاب متسائلاً عن قيمها، وما يعتريها من أنساق، وتشكيلات تطال البنية والمضمون.
وفي محور أقرب إلى تشكيل استرجاعي، يستدعي الشحات بعض الأسماء والكتب التي عبرت فضاء الثقافة عربياً وعالمياً، فيجعل فرانز فانون والجاحظ وطاغور وعبد الرحمن منيف وميخائيل نعيمة وطه حسين وهمنغواي وماركيز في هامش واحد، على الرغم من اختلاف نطاقات فعل الكتابة، وأزمنتها، علاوة على هموم كل مبدع، ومن ذلك مقاومة الاستعمار، إلى تصوير المجتمع المصري، وحدود الإبداع لدى طاغور، وعبقرية الجاحظ، وغربال ميخائيل نعيمة، وأدب أمريكا اللاتينية مجسداً بماركيز، وإطلالة على حدود الواقعية السحرية، فضلاً عن تأمل عميق لرواية همنغواي «الشيخ والبحر». هذه الهوامش البانورامية يجمعها مسلك واحد، وأعني تلك الديمومة، وانتفاء الأفول عبر وسيط لا يتبدد، أي اللغة التي تبقي على الجاحظ في حدود يومنا المثقل بالمألوف، الذي لا نغادره إلا إذا انتقلنا إلى عوالم ماركيز عالم جديد، حيث نتوق فيه إلى السحر والغرائبي حتى ننجو من ضجرنا الوجودي، كما حصل مع الملاك العجوز في قصة ماركيز «رجل طاعن بأجنحة عملاقة».
وإذا كان الهامش السابق، قد احتفى بالشخوص، فإن الهامش الثالث بدا أقرب إلى اقتحام النص، حيث نقرأ موجهات نحو تشريح مفهوم الرواية الجديدة بما افتعلته من تحطيم للأنساق التقليدية للكتابة الروائية، كما في روايات روب غرييه التي تخلت عن منطقية الحدث، وواقعية الشخصيات بنفي مواصفاتها، وكما في مفارقة التسلسل الزمني، وحدود المكان، لتنتقل الرواية من قيود اليقين نحو عالم فقد يقينه، كما في روايات كلود سيمون وميشيل بوتور ونتالي ساروت. وتبقى الرواية حاضرة في مقاربة تعالج رواية «مدن الملح» لعبد الرحمن منيف الذي نقرأ إحالات تتصل بالمبدع والنص، وهذا ما يتكرر في قراءة لكتب أدباء عرب، وغير عرب من أقطار مختلفة، ولعل مقاربة قصة «المصور» للإيراني بهرام صادقي تحمل بين طياتها لمحة عميقة لانهدام الوعي والإدراك والانكسار للذات بتكوينها الإنساني، وما تعانيه من تيه ونفي.
المحور الخامس عُني بإشكاليات في النقد العربي، وتأتي في أربعة مستويات، تعالج أزمة النقد العربي بين التبعية والهيمنة، وافتقار البعد المعرفي في تشييد الخطاب النقدي، مع منطلق أن أزمة النقد العربي تتصل بالقيم الحضارية، ولا سيما مع غياب مشاريع قومية للنهضة، وأفول الأفكار في أزمنة تبدو على خلاف مع قيم العقل، وحدود المنطق، ما يجعل من المدينة العربية في أزمة «ثقافية» كما يرى الشحات. هي إذن هموم هامشية لمشكلات كبرى يعبرها الكتاب في محاولة من المؤلف بأن يفي أمته حقها بوصفه مثقفاً عربياً.
وفي المحور الأخير، أو الهامش الأخير، نطالع إعلاءً من قيمة الفن الذي يعدّ ضرورة حضارية، وهنا نرى انحيازاً لجمالية يتوخاها الكاتب أو يدعو لها، خاصة في سياق مفاهيمنا المنحرفة حول المتاحف بوصفها فعلاً من التجميع، أو المونتاج الفارغ من الدلالة، أو حتى الرؤية، وهذا أيضاً يمتد لأزمة الكتابة بحدود المسرح بما يمثله من تجربة ثرية، غير أنها تبدو، وقد تبددت هي الأخرى في نصوص لم ترق إلى المستوى المطلوب، كما الرواية التي نقرأها من منطلقات مختلفة، منها ما يتصل بالجمالي، والبحث عن اللذة، أو بقصد التعلم، وغير ذلك. في حين تحضر السينما بحيوتها، وانفتاحها على كافة الفنون التي تكاد تتلاشى بين جنباتها، إذ نقرأ تحليلاً لبعض أعمال المخرج الروسي أندريه تاركوفسكي.
وهكذا نترك الكتاب وقد رأينا كيف أن الكتابة حين تنفتح على عوالم الإبداع والفكر بنسق كتابي صديق للقارئ، وهذا من شأنه أن يجعل الثقافة متصلة بالجماهير، كي تمارس دوراً فاعلاً في تشكيل العقل العربي الذي أحوج ما يكون الآن إلى التمرس بالقيم الحضارية التي لن تتأتى إلا بالقراءة والفكر والجمال.
محمد الشحات: «هوامش ثقافية»
منشورات بيت الغشام للنشر والترجمة سلطنة عمان – مسقط، الطبعة الأولى 2015
رامي أبو شهاب