الدوحة – «القدس العربي»: إعلان دولة قطر رغبتها شراء 24 طائرة فرنسية مقاتلة من طراز رافال المتعددة المهام في صفقة تزيد قيمتها عن 7 مليار دولار أبعد وبشكل نهائي اللعنة التي حلت بشركة داسو أفياسيون، التي عجزت عن بيع أي وحدة من هذه الطائرة منذ الكشف عنها في كانون الاول/ديسمبر 2000، حتى الفصل الأول من عام 2015 حين وقعت أول عقد تصديري مع مصر لبيع 24 مقاتلة. الإعلان عن الصفقة الجديدة زفه إلى العلن مكتب الرئيس الفرنسي، فرانسوا أولاند الذي سارع إلى تسويق الخبر بشكل مكثف استباقا لزيارة نزيل الإليزيه إلى الدوحة. وبدت فرحة الفرنسيين جلية منذ تأكد انتهاء جولات المفاوضات المكوكية وتكللها بالنجاح والتوصل إلى العقد النهائي الذي يشهد توقيعه أولاند خلال لقائه أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني.
الصفقة التي حققتها شركة داسو للصناعات الجوية تحسب لصالح الرئيس الفرنسي الذي يبذل حركة دبلوماسية واسعة مع حلفائه في المنطقة لتعزيز حظوظ الشركة التي لطالما عبرت عن استيائها من غياب الدعم السياسي لمصالحها في العالم على خلاف ما تحظى به شركات منافسة لها مثل لوكهيد مارتن الأمريكية وميكويان الروسية ويوروفايتر الأوروبية ـ البريطانية.
الصفقة القطرية أعطت دفعة قوية لشركة داسو التي وقعت تحت ضغوط متزايدة لبيع الطائرة في الخارج، بعد فشل متكرر على مدى سنوات وانتهاء مفاوضات عسيرة مع دول عديدة إلى طريق مسدود وهو النبأ الذي ساهم في ارتفاع أسهم الشركة بنسبة 2.1 في المئة بعد الإعلان عن الصفقة. مبيعات رافال الأخيرة مع الدوحة رفعت في الوقت نفسه صادرات الأسلحة الفرنسية هذا العام إلى نحو 15 مليار يورو، بعد أن أعلنت الحكومة الفرنسية العام الماضي بسبب فشل بعض الصفقات وتعثرها، إلى أنها ستبطئ وتيرة تسليم طائرات رافال – بصفة عامة – إلى 26 طائرة فقط على مدى السنوات الخمس المقبلة بدلا من 11 كل عام.
الصفقة الهندية مفتاح النجاح
المفاوضات التي باشرتها الهند منذ الإعلان عن الشروع في تسويق طائرة رافال مطلع سنة 2000 كانت لعنة وفأل خير في ذات الوقت على شركة داسو الفرنسية حيث أن تعثر إتمام المفاوضات أدى إلى إحجام العديد من الدول عن التقدم خطوة نحو الأمام مع المصنع بالرغم من إبداء العديد من الزبائن رغبتهم في الحصول على هذه المقاتلة المتعددة المهام. وشرعت نيودلهي منذ سنة 2002 في التفاوض مع باريس لمنحها صفقة ضخمة لتحديث أسطولها، لكن الطرف الهندي فرض عدة ضوابط وطالب بعقد تفاضلي يمنحها ميزة إعادة تجميع الطائرة في مصنع شركة هندوستان إيرونوتيكس في بنغالور مع ضمان شركة داسو للطائرات المصنعة لديها. وفي ختام مفاوضات عسيرة أجراها وزير الدفاع الفرنسي جان إيف لودريان مع نظيره الهندي في نيودلهي أنقذ صفقة بيع 126 طائرة رافال مقاتلة وبموجب عقد ينص على بيع فرنسا 36 من الطائرات التي تشملها الصفقة جاهزة للطيران، على أن يتم تجميع الباقي محليا في إطار جهود الحكومة لبناء قاعدة صناعية عسكرية محليا.
تفضيل الهند لخيار رافال كان على حساب عروض منافسة من الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا في صفقة بلغت قيمتها الأولية 12 مليار دولار لكن يقدر الآن أنها قفزت إلى 20 مليار دولار، مما أعاد الأمل للشركة الفرنسية. وكانت البرازيل بدورها عدلت عن رغبتها في التوصل لاتفاقية مع المصنع الفرنسي بعد أن تقدمت سنة 2008، قواتها الجوية بطلب للحصول على معلومات عن طائرات مشابهة لرافال وقارنتها بـ: إفأيه-18إيإف سوبر هورنت، وإف-16 فالكون، وسوخوي سو-35، وساب غاس-39 غربين ويوروفايتر تايفون. وفي أكتوبر من ذات العام استقر رأيها على داسو إلا أن الرئيس الجديد للبرازيل، ديلما روسيف، حسم الأمر لصالح الإف-18 الأمريكية بسبب تراجع تكلفتها عن رافال.
أسباب موضوعية
العديد من الخبراء والفنيين يعتبرون أن سعر الطائرة رافال المرتفع يجعلها غير تنافسية خصوصا أن قيمة امتلاك مقاتلة واحدة تبلغ تقريبا 100 مليون دولار أمريكي (حسب سعر صرف الدولار مع اليورو) في حين أن تكلفة التشغيل تصل حول 16,500 دولار أمريكي عن ساعة طيران. وهو مبلغ يزيد كثيرا لو قارناه بتكلفة تشغيل المقاتلة ساب غاس-39 غربين، المقدر بنحو 4,700 دولار أمريكي فقط لكل ساعة طيران.
وبعد نجاح الفرنسيين في إقناع السلطات الهندية بنجاعة مقاتلتهم تمكنت داسو من تحقيق نصر جديد وتحقيق اختراق قوي بالتوصل لاتفاق محوري مع السلطات المصرية التي قامت في 2015 بشراء 24 طائرة بمبلغ 6 مليار يورو (ما يعادل 7 مليار دولار) وتعد هذه أول صفقة شراء بين مصر وفرنسا منذ تصنيع هذه الطائرة.
مزايا الصفقة القطرية
شرعت القوات الجوية الأميرية القطرية منذ كانون الثاني/يناير 2011 بتقييم الرافال جنبا إلى جنب مع بوينغ إفأيه-18إيإف سوبر هورنت، وبوينغ إف-15إي، واليوروفايتر تايفون، ولوكهيد مارتن إف-35 لايتنيغ II. وينص الاتفاق الذي توصلت إليه الدوحة على تدريب الطيارين والفنيين القطريين على تشغيل الطائرة الجديدة وتعزيز أنظمة تسييرها في إطار شبكة الحرب الإلكترونية التي طورتها منذ سنوات عدة. وأشرف الخبراء والفنيين القطريين منذ مدة على إدارة دفة المفاوضات بمحاولة الحصول على المزيد من المزايا والمواصفات الخاصة وتفاضلية في إبرام العقد. ومما عزز من حظوظ داسو في التوصل إلى الاتفاق بالرغم من أن الدوحة كانت تدرس في الوقت نفسه أكثر من عرض استخدام سلاحها الجوي لمقاتلات الميراج 5-2000 التي من المرتقب أن تحيلها إلى مهام أخرى بعد استلام السرب الجديد.
ويؤكد خبراء تواصلت معهم «القدس العربي» أن المفاوضات الحالية لإتمام عقود التسليح للعديد من الدول أصبحت التدخلات السياسية في إنهائها تتقلص أكثر فاسحة المجال للفنيين للحصول على أفضل عرض يتضمن حزمة مزايا استراتيجية تساهم في تعزيز رؤية الجيوش الاحترافية التي تعتمد بشكل واسع على منظومة متكاملة. وتبحث اللجان الفنية المكلفة بالتفاوض مع المصنعين المفاضلة بين عدة محددات على غرار السعر والمواصفات الفنية التي يتم ادراجها للزبون مستغلة عامل تعدد العارضين للحصول على أفضل العروض. وما يعزز هذه الرؤية فشل بريطانيا في إتمام صفقة مقاتلات التايفون مع الإمارات العربية المتحدة بالرغم من كل المساعي السياسية التي بذلتها لندن لدى الشيخ محمد بن زايد آل نهيان لعدم تلبية بعض الاشتراطات التي طلبها خبراء ابوظبي بالرغم من أن المقاتلة الأوربية تايفون لديها مواصفات قوية سواء أداء محركها أم نظام رادراتها المتطور والقوي.
وقد ألقت الأزمات والتوترات التي تشهدها المنطقة بظلالها على سرعة إتمام الصفقة بأسرع وقت ممكن لتعزيز سلاح الجو الأميري المقبل على تحديات عدة خصوصا في إطار الحرب في اليمن التي أعادت حسابات دول المنطقة وجعلتها تتحسب لأي طارئ يهدد أمنها مثلما كشف رئيس مجلس الوزراء القطري وزير الداخلية الشيخ عبد الله بن ناصر آل ثاني في افتتاح أعمال الاجتماع السادس عشر لوزراء داخلية دول مجلس التعاون الخليجي.
تفوق في الحرب الإلكترونية
بدأت رحلة تصنيع رافال إثر خلاف نشأ بين كل من المملكة المتحدة وفرنسا وجمهورية ألمانيا الاتحادية سابقا حول برنامج مشترك يهدف إلى إنتاج طائرة مقاتلة أوروبية أطلق في عام 1983. فانسحبت ألمانيا والمملكة المتحدة وإيطاليا من المشروع لإطلاق مشروعها الخاص في عام 1985، فيما مضت فرنسا لإنجاز برنامجها الخاص بها أيضا، والذي أثمر عن الطائرة المقاتلة «رافال».
ونفذت طائرة رافال أولى طلعاتها الجوية في 4 حزيران/يونيو عام 1986 لتدخل بعد ذلك الخدمة العسكرية في عام 2000، وهي طائرة مقاتلة متعددة المهام من الجيل 4.5، حيث يبلغ طولها 15.27 متر، والمسافة بين الجناحين 10.80 متر. ومساحتهما 45.7 متر مربع، ويبلغ ارتفاعها 5.34 متر، أما وزنها بدون حمولة 10 أطنان، فــــي حين تصــل حمولتـــها القصـــوى الخارجية تسعة أطنان ونصف، وسرعتــها القصوى في الارتفاعات العالية تتجاوز ألفي كيلومتر بالساعة بقلي وهي مزودة بمحركين من نوع سنيكما ام 88-2 يعملان بالدفع الجاف بطاقة 50.04 كيلو نيوتن لكل محرك. وهي قادرة على قطع أكثر من 3,700 كيلومتر. وتبلغ قدرتها القصوى على الارتفاع 16,800 متر بمعدل صعود قدره 350 متر/ثانية. وتتحمل أجنحتها وزن 326 كيلوغرام لكل متر مربع .
التسليح
الطائرة مزودة بمدفع رشاش من عيار 30 ملم من نوع GIAT 30/719B مع 125 طلقة وفيها نموذجان لتعليق الذخائر، أحدهما جوي والآخر بحري، يمكن تزويدهما بحمولة تصل حتى 9.5 طن، وهي تحمل صواريخ «ماجي 2» و»ميكا2» و»أي أي أم -9 « و»سايد وايندر» وجميعها صواريخ جو ـ جو، كما تستطيع الطائرة التزود بصواريخ جو ـ أرض من نوع، «إكزوست و»أباتشي و«ســكالب. أبرز ميزة لطائرة رافال أنها تحمل على متنها راداراً من نوع «RBE2» قــادر على تعقب 40 طائرة في وقت واحد والاشتباك مع 8 طائرات دفعة واحدة. ويستطيع رادار الطائرة اكتشاف الطائرات التي تحلق تحتها أيضا. وتمتلك الطائرة أيضا نظام حرب إلكترونية من نوع «Spectra Thales». ونظاماً كهروبصرياً من نوع «SAGEM / OSF»، للبحث الحراري وتتبع الأهداف، ما يجعلها تنافس أكثر المقاتـــلات الحربية المعروفة بقدرات المناورة وغزارة النيران والقدرة على الاشتباك والدقة في إصابة أهدافها.
سليمان حاج إبراهيم