شكاوى المستثمرين وأنين المواطنين أحلام رأس الحكمة والقروض التي تبخرت تثير شكوكا حول سلامة السياسة الاقتصادية المصرية

إبراهيم نوار
حجم الخط
2

بعد ما نجت الدولة من أنياب الديون بصفقة رأس الحكمة وما تلاها من انفراجة نقدية في حساب الحكومة، وجدت مصر نفسها وجها لوجه أمام أزمة الخبز، ثم أمام أزمة الكهرباء. ويعلم الله وحده ماذا يخبئ القدر لمصر التي أصبحت تعيش داخل مربع مشتعل بنيران الصراعات في ليبيا والسودان وغزة والبحر الأحمر. لقد خسرت مصر أكثر من نصف إيراداتها من قناة السويس في النصف الأخير من السنة المالية الحالية، كما توقفت صادراتها من الغاز الطبيعي، وما تزال تعاني من تأثير تدهور الموارد الداخلية، وسط أداء اقتصادي سيء وتحديات جيوسياسية تزداد خطورتها يوما بعد يوم. كما أن مشكلتها العميقة بشأن إمدادات المياه مع إثيوبيا أظهرت نقص قدرتها على الرد على تلك التحديات حتى عندما يتعلق الأمر بمسألة حياة أو موت مثل المياه.
الآن تعود مصر مرة أخرى إلى المربع الأول، حيث زاد الاعتماد على الأموال الساخنة، وهبطت استثمارات القطاع الخاص، وزادت من جديد الحاجة إلى الديون الخارجية، واستمر الاعتماد على الجهاز المصرفي في تمويل عجز الميزانية. وباستثناء السياحة التي يمكن أن تنتعش بفضل الاستثمارات الخليجية في مشاريع كبيرة مثل رأس الحكمة، فإن تدفقات النقد الأجنبي الدائنة تعاني من ضيق شديد، بسبب تراجع إيرادات قناة السويس وصادرات الغاز وتحويلات المصريين في الخارج. ومع أن القطاع العقاري يستحوذ على نسبة كبيرة من الاستثمارات العربية والمصرية، فإن سوق العقارات انفصلت تقريبا عن قدرات المستهلك المصري على التعامل معها، خصوصا إن كان المستثمرون يتحدثون عن وحدات سكنية وإدارية وتجارية خارج قدرة أصحاب الدخل المتوسط، بل وأصحاب الدخل المرتفع أيضا، لأن تقييم الوحدات العقارية يتم بالدولار وليس بالجنيه. وبمرور الوقت فإن الدولة قد تجد نفسها بعد عدة أشهر، خصوصا حينما يحين موعد المراجعة الرابعة لقرض التسهيلات الممددة، بواسطة صندوق النقد الدولي في منتصف شهر ايلول/سبتمبر المقبل. في هذا الوقت ستجد الدولة نفسها في مواجهة الحقيقة إذا لم تبدأ من الآن على وجه السرعة إعادة النظر في استراتيجيات إدارة الاقتصاد لوضع البلاد على المسار السليم الذي يساعدها على حل مشكلات مزمنة مثل العجز في الميزانية والعجز في الحساب الجاري وارتفاع معدل التضخم. لقد كانت بعض العوامل الرئيسية التي ساعدت على نجاح المراجعتين الثانية والثالثة لقرض صندوق النقد الدولي تتعلق بضرورة مساندة مصر في مواجهة التحديات الجيوستراتيجية الخارجية مثل حرب غزة والصراع في البحر الأحمر، وهو ما جعل خبراء الصندوق يغضون البصر عن بعض أوجه القصور والخلل في السياسة الاقتصادية، ترتبط بسياسات مكافحة العجز وتقليل الديون والتحكم في التضخم والقدرة على توسيع المجال لزيادة دور القطاع الخاص.

الإفراط في الاستدانة

على الرغم من الموارد المالية الاستثنائية التي حصلت عليها حكومة مصر من الخليج وصندوق النقد والاتحاد الأوروبي وغيرهم فإنها لا تزال تبحث عن مصادر جديدة للاستدانة، آخرها «بنك التنمية الجديد» التابع لمجموعة بريكس التي انضمت إليها مصر رسميا منذ بداية العام الحالي. وخلال المنتدى الاقتصادي للبنك الذي عقد أخيرا في مصر تركزت كلمة وزير المالية المصري الدكتور محمد معيط على ما أسماه إقامة «شراكة استراتيجية» مع البنك. هذه الشراكة الاستراتيجية تعني في دفتر أحوال وزارة المالية الاقتراض من البنك واستخدامه في تقديم ضمانات لإصدارات مالية محلية، إضافة للمشاركة في تقديم تسهيلات لتمويل التجارة. وفي هذا السياق فإن الحكومة طلبت من بنك التنمية الجديدة الحصول على قرض بقيمة مليار دولار، قالت إنها تحتاج إليه لتمويل مشروعات تنموية دون أن تحددها، كما تستعد الحكومة أيضا لطلب ضمانة من البنك لتغطية إصدار سندات بالعملة المحلية لم يتم تحديد قيمتها بعد.
وعلى الرغم من أن الحكومة لا تتوقف عن الحديث عن استهداف تخفيض أعباء الدين العام إلى أقل من ثلث المصروفات، فإنها تتجه إلى التوسع في الاقتراض من مصادر التمويل المختلفة. هذه القروض الجديدة، على الرغم مما تضيفه من موارد مالية إلا أنها في الوقت نفسه تضع قيودا أكبر في المستقبل على تمويل الاستثمار بموارد محلية. وقال الدكتور محمد معيط الذي يمثل مصر في مجلس محافظي البنك إن هذه الشراكة تدعم الأولويات المصرية في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ودفع حركة النمو الشامل، وأن مصر تتطلع إلى التوسع في مشروعات الطاقة النظيفة والصحة والتعليم والمياه والنقل والخدمات اللوجيستية، كل ذلك مع استهداف خلق بيئة محفزة للتحول الرقمي وريادة الأعمال والتحول إلى اقتصاد المعرفة.

الاستراتيجية متوسطة المدى

تستهدف الاستراتيجية متوسطة المدى لإدارة الدين الحكومي، تخفيض نسبة الدين للناتج المحلي الإجمالي إلى 80 في المئة، إلى جانب تخفيض نسبة مدفوعات الفوائد المستحقة إلى أقل من ثلث المصروفات العامة للدولة. لكن المؤشرات الفعلية منذ ألزم صندوق النقد الدولي وزارة المالية بإعداد هذه الاستراتيجية تؤكد أن الحكومة تسير في الاتجاه العكسي من المستهدفات المحددة. وطبقا لمشروع الموازنة العامة للدولة في السنة المالية الجديدة فإن نسبة مدفوعات الفوائد إلى المصروفات تصل إلى 48 في المئة تقريبا بدلا من النسبة المستهدفة في حدود 30 في المئة، كما أن نسبة الدين الحكومي في موازنة العام الحالي تقترب من 100 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بدلا من نسبة 80 في المئة. الحكومة لديها مشكلة مصداقية مع نفسها، وتتهرب من مسؤوليتها عن الأخطاء التي تتراكم بسبب سياساتها.
وفي سياق فهم الحكومة والبنك المركزي لطبيعة الأزمة قال محافظ البنك المركزي المصري حسن عبد الله حسن في المنتدى الأفريقي الكاريبي الثالث للتجارة والاستثمار والاجتماعات السنوية الـ31 للبنك الأفريقي للتصدير والاستيراد «أفريكسيم بنك» الذي انعقد في العاصمة الإدارية في 12 من الشهر الحالي: «بالنسبة لمصر، أصابنا أكثر مما يمكننا أن نتحمل، حيث تزامنت تلك الأزمات (يقصد العالمية مثل كورونا وحرب أوكرانيا) مع ضغوط تتعلق بسداد الدين، في الوقت الذي ارتفعت معدلات الفائدة ونسب المخاطر، وتعرضنا لأزمة نقص التدفقات النقدية، والأخطر من ذلك ارتفاع معدلات التضخم؛ وهو المرض العضال الذي على جميع الدول أن تركز على ضرورة مقاومته». وأضاف: «ما حدث في مصر هو ارتفاع لمعدلات التضخم، والأكثر من ذلك هو التقديرات والتوقعات بشأن حدوث المزيد من الارتفاع لهذه المعدلات، التي أفضت إلى عمليات شراء الأصول؛ ومن ثم الذهاب إلى دائرة خبيثة». وأوضح عبدالله أن الأزمة في مصر صاحبها إقبال على الاحتفاظ بالعملات الأجنبية؛ ما عقد المشكلة وأدى إلى قصور في توفير العملة الصعبة. وذكر أن التعامل مع هذه الأزمة يتطلب معرفة أوجه القصور، حيث اتجهت مصر لرفع معدلات الفائدة بمستويات مرتفعة، وصلت إلى 18 في المئة (وصلت الآن إلى 28.25 في المئة) من أجل امتصاص السيولة سريعاً، ومع ذلك فإن القيام بذلك دون تقدير معدلات التضخم لم يحقق نتائج بشكل كبير، ولذا فإن تقدير التضخم هو العامل الأهم، ويضاف إليه عامل المصداقية من أجل استعادة الثقة في الأسواق، التي تأتي نتيجة للأفعال وليس الكلمات. ويبلغ معدل التضخم في الوقت الحالي حسب الإحصاءات الرسمية 28.1 في المئة، في حين تقدر وزارة المالية متوسط التضخم السنوي في السنة المالية الحالية حوالي 35.5 في المئة. ويقدر بنك غولدمان ساكس أن زيادة سعر الخبز المدعم بنسبة 300 في المئة في بداية الشهر الجاري ستضيف 0.5 نقطة مئوية فقط إلى تضخم هذا الشهر. ويمثل الخبز المدعم 0.3 في المئة من سلة أسعار المستهلكين وفقا للبنك المركزي. وأضاف «غولدمان» أنه مع الوضع في الاعتبار الزيادات المخططة في أسعار الوقود والكهرباء والأدوية، فإن التصور الأساسي للبنك المركزي هو أن ينخفض مؤشر أسعار المستهلكين في المدن إلى 24 في المئة على أساس سنوي بنهاية الربع المقبل، و10 في المئة بنهاية العام المقبل.

شكاوى القطاع الخاص

يعاني القطاع الخاص معاناة شديدة من تداعيات الأزمة الاقتصادية أكثر من القطاع العام الذي يتمتع بمزايا كثيرة، منها أولوية الحصول على العملات الصعبة، وسهولة الوصول إلى التمويل الميسر بشكل عام، وتخصيص تنفيذ المشروعات لشركات بنظام الأمر المباشر. وعلى الرغم من أن الحكومة تحاول تقليل القيود التي تحيط بأنشطة القطاع الخاص، فإن المناخ العام في السوق ما يزال سلبيا إلى حد كبير، رغم التسهيلات التي تحاول الحكومة تقديمها. وزير المالية المصري الدكتور محمد معيط أعلن منذ يومين أن الحكومة صرفت 5 مليارات جنيه من دعم المصدرين إلى 360 شركة في إطار مبادرة «السداد الفوري» وأوضح ان هذه المبادرة مستمرة لاستكمال صرف دعم المصدرين على دفعات حتى شهر آب/أغسطس المقبل، حيث تم تخصيص 23 مليار جنيه في الميزانية الجديدة لرد الأعباء التصديرية. وقال الوزير إن إجمالي قيمة دعم للحكومة للمصدرين الذي تم صرفه فعلا للشركات المصدرة خلال السنوات الأربع الأخيرة يبلغ حوالي 60 مليار جنيه. وذكر أن مبادرات مساندة قطاع الصناعة والقطاعات التصديرية وغيرها من المبادرات تتكلف في موازنة العام الحالي أكثر من 40 مليار جنيه منها 23 مليار جنيه للاستمرار في سرعة رد الأعباء التصديرية.
وطبقا لمؤشر أداء الأعمال الذي يجري إعداده على أساس استطلاعات الرأي لمديري الشركات الخاصة فإن القطاع الخاص المصري غير المنتج للنفط قد واصل تراجعه في شهر نيسان/أبريل الماضي، على الرغم من انخفاض معدل تضخم تكاليف الإنتاج إلى أدنى مستوى في أكثر من 3 سنوات مع تحسن توافر العملة الأجنبية، وفق بيانات مؤشر مديري المشتريات الصادرة عن «إس أند بي غلوبال ماركيت انتلجينس». وأظهرت البيانات انخفاض النشاط التجاري مرة أخرى؛ إذ أشارت الشركات إلى صعوبة ظروف السوق، ما أدى إلى انخفاض معدل التوظيف مرة أخرى. ورغم إتاحة السيولة اللازمة للإفراج الجمركي عن السلع المستوردة، وحصول الشركات المصدرة على نسبة كبيرة من مقابل أعباء التصدير، فإن مؤشر أداء القطاع الخاص غير النفطي في مصر ما يزال دون عتبة النمو التي تقدر بـ 50 نقطة. لكن الظروف الأفضل نسبيا في الوقت الحاضر ساعدت على ارتفاع مؤشر «ستاندرد اند بورز غلوبال» لمديري المشتريات في مصر إلى 49.6 نقطة في أيار/مايو من 47.4 في الشهر السابق لكنه يظل أقل من مستوى 50 الفاصل بين النمو والانكماش للشهر الثاني والأربعين على التوالي.
وقال هاني برزي رئيس شركة «إيديتا» المصرية، المتخصصة في الصناعات الغذائية إن ارتفاع أسعار الفائدة يضر الاستثمار نظرا لارتفاع تكلفة الاقتراض بفائدة تقرب من 30 في المئة، وقال «نتمنى انخفاض التضخم وخفض الفائدة تدريجيا».
وقال إن المستثمرين يترقبون مبادرات من وزارة المالية والبنك المركزي بفائدة منخفضة للقطاعات الإنتاجية. غير أن سياسة وزارة المالية والبنك المركزي مقيدة بشروط صندوق النقد الدولي التي تتعارض مع هذه المبادرات، وتؤكد على ضرورة استمرار الالتزام بسياسة نقدية متشددة لتخفيض التضخم. وعلى الرغم من مزايا تخفيض التضخم على المدى الطويل فإن أسعار الفائدة المرتفعة تمثل قيدا على التوسع في الاستثمار كما قال هاني برزي. ومن الصعب جدا أن يغامر صاحب مشروع جديد أو مشروع قائم بالفعل بتمويل استثمارات بفائدة تبلغ 30 في المئة، خصوصا وأن السوق تعاني بالفعل من حالة ركود في كافة القطاعات، باستثناء تلك التي تغذيها استثمارات حكومية أو طلب حكومي.
أما على صعيد تأثير السياسة الاقتصادية المربوطة بشروط صندوق النقد الدولي على الحياة اليومية للمصريين، فإن المواطن العادي لم يشعر بأي تحسن في ظروفه المعيشية. ومع أن الحكومة قدمت خلال السنوات الأخيرة مجموعة من الحزم المالية لزيادة الأجور ورفع حد الإعفاء الضريبي، فإن النتائج الإيجابية لذلك تبخرت مع تخفيض سعر الجنيه ورفع أسعار الفائدة، وعدم توفر السلع الضرورية بالقدر الكافي في الأسواق، ورفع أسعار الخبز والكهرباء والوقود، وزيادة تكلفة الرعاية الصحية بسبب ارتفاع أسعار الأدوية ونفقات العلاج في المستشفيات. وعلى الرغم من تراجع معدل التضخم في الشهر الماضي، فإن الزيادات في أسعار الخبز والكهرباء وتكاليف النقل والخدمات ستؤدي إلى عودة التضخم للارتفاع مجددا مع بداية السنة المالية. وتبني الحكومة توقعاتها على افتراض أن متوسط التضخم للسنة المالية القادمة سيكون في حدود 17 – 18 في المئة، بينما تستهدف معدلا يبلغ 7 في المئة في المتوسط عام 2027. غير أن تقديرات صندوق النقد الدولي تشير إلى معدلات أعلى من افتراضات الحكومة. في السنة المالية الجديدة يقدر الصندوق معدل التضخم المتوقع بحوالي 25 في المئة وهو ما يزيد عن تقديرات الحكومة بحوالي 7 نقاط مئوية. ومن ثم فإن أزمة تكاليف المعيشة في مصر ليس من المتوقع أن تشهد انفراجة في الأجل القصير، إضافة إلى أن أي تحسن في الأجل المتوسط والطويل يرتبط بظروف اقتصادية وجيوسياسية غير مضمونة، منها إنتاج الغاز وإيرادات قناة السويس ودخل السياحة.
ويتوقع صندوق النقد أن يسجل عجز الحساب الجاري لمصر ارتفاعا إلى 7.8 مليار دولار خلال العام المالي المقبل، على أن يصل إلى 9 مليارات دولار خلال العام المالي 2025-2026 ليواصل ارتفاعه بعد ذلك إلى 10.7 مليار دولار بحلول عام 2026-2027 ثم إلى 12.6 مليار دولار بحلول 2027-2028 ليواصل اتساعه ليصل إلى 14.1 مليار دولار بعد ذلك. وبسبب العجز الهيكلي التاريخي في ميزان التجارة السلعية، الذي يحقق عجزا كبيرا عاما بعد عام، خصوصا مع عودة الحكومة لاستيراد الغاز، واستمرار ضغوط استيراد القمح، وعدم اليقين بشأن تحقيق فائض كبير في ميزان تجارة الخدمات، بسبب تدهور أمن الملاحة في البحر الأحمر، فإن مصر قد تواجه صعوبة كبيرة عندما يحل أجل المراجعة الرابعة لقرض صندوق النقد التي من المقرر ان تكون في 15 أيلول/سبتمبر المقبل. الأشد خطورة على الوضع الاقتصادي في مصر، إلى جانب العوامل السابقة والتوسع في الديون هو العودة للاعتماد على الأموال الساخنة، التي نسينا اليوم اننا اكتوينا بنارها بالأمس. وقد جاء في أحدث تقرير للبنك المركزي المصري أن استثمارات الأجانب في أذون الخزانة ارتفع إلى 32.7 مليار دولار. هذه الأموال جاءت إلى مصر مدفوعة بارتفاع أسعار الفائدة، وتستطيع أن تخرج في أي وقت في أقل من 12 شهرا وهو ما يمكن أن يلحق بالميزانية خسائر فادحة، خصوصا مع ارتفاع نسبة الدين العام الخارجي إلى الناتج المحلي الإجمالي شهرا بعد شهر.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية